يناير وGen Z| بين جيل 46 وجيل يناير وجيل زد
قبل 80 عامًا، في فبراير/شباط 1946، اندلعت واحدةٌ من أكبر الانتفاضات في تاريخ مصر وشكلت لحظة مفصلية في تاريخ مواجهة الاستعمار الإنجليزي والملكية.
رغم أن قوام انتفاضة 1946 الأساسي من الطلاب والشباب، فإننا نراها الآن، كما رآها قادتها من قبل، استكمالًا لنضال تاريخي بدأت ملامحه بالتشكل في الثورة العرابية وشهدت ذروتها في ثورة 1919، واستمر مستفيدًا من خبرات الماضي متسلحًا بوعي طبقي وسياسي جديد يرى المشهد بطريقة أكثر جذرية وينادي بمطالب لا تنازلات فيها.
لم ير جيل الأربعينيات أنفسهم بمعزل عمن سبقوهم ولم يضعوا حاجزًا عمريًا يفصلهم عن الأجيال السابقة عليهم، ورأوا الصراع بنظرة علمية ينقسم فيها المجتمع والتاريخ إلى طبقات لا أجيالًا.
كان تحالف "الأجيال" هذا بمفهوم نشطاء اليوم نقطة القوة الكبرى في الانتفاضة التي لم تقتصر على الجيل الجديد الممثل بالطلاب بل اتحدوا مع الجيل الأكبر الممثل في العمال وكونوا اللجنة الوطنية للعمال والطلبة، وهو ما أدرك إسماعيل صدقي خطره الشديد على السلطة وعبر عنه في محاولات تفاوضه مع أحد القادة الطلابيين، حسب كتاب انتفاضة 1946 في مصر لهشام عبد الرؤوف، "نحن مستعدون على أن نوافق لكم على الإضراب الذي ستنظمونه وكل شيء لكن العمال يخرجوا، لا شيء اسمه العمال والطلبة، لجنة تنفيذية موافقين، مظاهرات وإضرابات موافقين، لكن عمال وطلبة سنضربكم".
لم تنجحْ محاولات صدقي في حصر الانتفاضة في النطاق العمري الضيق للطلاب، وشهد يوم 21 فبراير/شباط إضرابًا عامًا ومظاهراتٍ خرج فيها العمال والطلاب معا معبرين عن تحالف طبقة واحدة مختلفة الأعمار واعية بذاتها ومصالحها في مواجهة سلطة من طبقة أخرى.
ورغم فشله استمر صدقي في محاولات ضرب التحالف الوطني والطبقي، ووصف العمال بالدهماء واتهمهم بالمسؤولية عن أعمال الشغب بعد أن "اندسوا وسط الطلاب المثقفين المتحضرين"، وهو ما جعله موضع استهجان، وكتبت جريدة الوفد المصرية "ليس الوطن ملكًا لصدقي، بل هو وطننا نحن ووطن الدهماء".
خدعة "شباب الثورة"
إذا كان هذا هو الموروث الثقافي الذي نحمله ونتعلم من تجاربه لماذا نصر الآن على رؤية ثورة يناير بعين الأجيال المنفصلة، ولماذا بعد مرور 15 سنة عليها ما زلنا نفككها ونقسم واقعنا بطرق سبقنا في تخطيها من هم قبلنا بـ80 سنة؟
من الأخطاء الرئيسية في التعاطي مع الثورة حضور فكرة الأجيال في خطابها الإعلامي، خصوصًا على لسان من تصدروا باعتبارهم "جيل الثورة"، فرغم أنها جاءت ذروةَ عقد كامل من النضال تصدرته الطبقة العاملة وإضراباتها المتكررة، التي اتسمت بطابع جذري في معارضة السلطة فإن هذا الخطاب أغفل نضالهم قبل وأثناء الثورة وصوّر يناير باعتبارها ثورة للشباب وحدهم.
ليس أيُّ شباب، فالخطاب هنا يركز على شباب المدونات وفيسبوك وتويتر من الطبقة الوسطى وما فوقها، الذين لعبوا دورًأ فاعلًا في الدعوة ليوم 25 يناير، لكنه يخفي عن قصد أو بدونه ما تلا ذلك من أحداث، إذ شاركت الطبقات الأفقر في يوم 28 يناير مسجلين بطولات، فضلًا عن الدور الحاسم للعمال عبر إضرابهم عن العمل في آخر أيام الثورة، الذي شلّ البلاد، بعد محاولة النظام عزل اعتصام التحرير واستمرار العمل في الدولة كأن شيئًا لم يكن.
لكن هل هذا مبرر لاستمرار الخطأ الذي وقع فيه "شباب الثورة" واستمرار التعامل بمنطق الأجيال والشباب في التعاطي مع الواقع السياسي؟
مشكلة Gen Z
نحن اليوم في 2026 أحاول جاهدًا ألا أرى الحدث الهائل الذي شاهدته طفلًا في عمر 6 سنوات بأعين طالب الطب الذي أتم الواحدة والعشرين، لا أستطيع ادعاء مشاهدة الثورة وفهمها فالأمر اقتصر على متابعة انفعالات أهلي أمام قناة الجزيرة لبعدهم الجغرافي عن التحرير وعن أي مكان تقام فيه المظاهرات في المدينة الأقرب لنا وهي المنصورة، فبعد تجريف الساحة السياسية وغلق أي هامش متاح للحركة لا نرى أي حركة تُذكر غير تلك التي يقوم بها العمال الذين كانوا شبابًا في فترة الثورة، نعيش الآن على ذكرى حدث لم نشارك فيه، معلقين عليه خيبات حياتنا وعلى فشله هو و"جيله" مسؤولية واقعنا المزري، ولكن أحد فئات هذا الجيل المهزوم ما زال يحاول على أرض الواقع، تحركه دوافع طبقية واجتماعية لتحسين واقعه متحديًا كل سلطة و كل قمع، لا يأبه بحنين جيلنا ولا حتى جيله لأيام ولّت، فموقعه الطبقي يجبره على الحركة، وهو العامل الأكثر تأثيرًا في الفعل السياسي، ولهذا تحركت الجماهير في 1946 بدوافع طبقية واجتماعية ووطنية، لا مكان فيها لنعرات "نحن الشباب" أو نحن الجيل كذا، منفتحين على التعاون مع كافة الأجيال الأكبر والأصغر بل ومتحدين السلطة.
هذا وعيهم بعدم اعتماد الحراك السياسي على فئة عمرية محددة منعزلة ترى نفسها والآخرين من خلال تاريخ ميلادهم لأن التصنيف العمري لا يستطيع أن يحدد الموقع الطبقي والاجتماعي وبالتالي الملكية والعمل أو الدخل. والتي تمثل المعايير الأساسية في تحديد العلاقة بالسلطة ومدى جذرية المطالب في التغيير.
اعتمادهم على التصنيف الطبقي معيارًا وحيدًا علميًّا قادرًا على تفسير الواقع ومتغيراته مكنهم من تنظيم صفوفهم واتخاذ مواقف جذرية ليس فقط في مواجهة الاستعمار، لكن في مواجهة الطبقة الحاكمة المصرية، سواء كانت السراي أو كبار الملاك المتحكمين في الأحزاب السياسية التي ادّعت الوطنية والمعارضة.
إن العمال اليوم، وإن افتقروا إلى الأساس النظري الأيديولوجي والتنظيم، يظلون هم الطبقة الوحيدة التي ما زالت تواجه بكل ما تملك سياسات الإفقار والإسكات، هذا ما يبينه حجم الاحتجاجات العمالية التي تتصاعد عامًا بعد عام، هذه الحركة المتصاعدة نفسها من شأنها تطوير أدوات الوعي والتنظيم في أوساط العمال لتكمل الحركة ما تفتقر إليه.
هذا ما يعيد إلى الأذهان الدور الذي لعبته الحركة العمالية عشية ثورة يناير وخلالها، غير مكترثة بحديث صراع الأجيال أو المحاكمة غير العلمية لحدث مر عليه 15 عامًا أو تصنيف مرحلة عمرية كاملة وحصرها في مسمى فضفاض كـ"Gen Z"، فإن كنا نريد فعلًا تحليل الواقع والماضي فلنقتدي بهذه الطبقة التي أكسبها موقعها وعيًا فطريًّا يمكنهم اليوم من حسم مواقفهم تجاه السلطة.
هذه القصة من ملف يناير وGen Z| تكلم حتى أراك
يناير وGen Z| أكثر واقعيةً.. أقل اندفاعًا
من أبرز تجليات رؤية جيلي للحياة في مصر الآن هو السعي إلى الهجرة. بالنسبة للبعض، لم تعد الهجرة مجرد خيار اقتصادي بل موقف سياسي صامت يعكس فقدان الأمل في حياة عادلة.
يناير وGen Z| شهادة طفل من أطفال الثورة أصبح شابًا تحت لواء الجمهورية الجديدة
على جيل يناير الآن أن يكتب وأن يعترف بأخطائه ليمنحنا أرضًا أكثر صلابة. عليه أن يمنحنا نظرية أو دروسًا يمكننا الاتكاء عليها، أو الاحتماء بها حين يأتينا رصاص الطرف الثالث.
يناير وGen Z| ثورة بلا وريث.. لماذا تركتموها يتيمة؟
يبقى السؤال الحقيقي ليس "هل نجحت الثورة أم فشلت؟"، بل "هل الثورة التي لا تُورّث للأجيال الجديدة.. تظل ثورة؟".
يناير وGen Z| الشوك اللي طرح في جناينكم
صرنا فردانيين، كل يشق طريق نجاته وحده، لأن مشروع البيت المشترك لم يجد من يضع حجره الأول. نحن قطع حادة حية مهملة. ولكن حتى في ظل الإهمال، يستمر شيء ما في النمو، فرادى، ولكن معًا.
يناير وGen Z| العشاء الأخير للمصريين
الطبقية الثقافية هي سرطان الثورة. صحيح أن النظام عمل على تفكيك الكتلة الشعبية ولكن الطبقية ساهمت في هذا التفكيك. أي كِبَر أصاب الثوار ليروا أن كلمتهم هي العليا والأصغر منهم سفهاء؟
يناير وGen Z| لا ثورة بلا خيال
نحن لسنا بحاجة إلى تأويل جديد لأيقونات قديمة، إنما نحن بحاجة إلى فهمٍ أشد صرامة لما يقتلنا وكيف يقتلنا، وإلى شجاعةٍ أقل رومانسية في بناء ما يحمينا.
يناير وGen Z| تمنيت لو انتظرتمونا قليلًا.. أو تركتم لنا راية نحملها
رأيت من تمسك بحلم يناير يدفع الثمن حبسًا أو موتًا أو نفيًا، والبقية يشاهدون دون أن يفعلوا شيئًا. ربما لم يكن للجيل الأكبر خيار سوى التخلي عن الحلم؛ ربما كانت الخسائر أكبر من قدرته.
يناير وGen Z| نوستالجيا الذين كبروا في غضون أسابيع
عشنا معنى الحرية وتشكلت ذواتنا حوله. كانت ثورة يناير بمثابة قفزة في أعمارنا وإدراكنا، لقد حولتنا تلك التجربة المكثفة من أطفال عاديين إلى أصحاب آراء في الشأن السياسي في غضون أسابيع.
يناير وGen Z| عن ثورة لم أرَ سوى توابعها
ما نحتاجه هو بناء تنظيم سياسي قادر على غرس الأفكار قبل أن تمتلئ الميادين، وتدريب الناس على ما يجب فعله في اليوم التالي للنصر.
يناير وGen Z| وُلدتُ يوم الثورة.. وكبرتُ قبل أن تكبر هي
ثورتـي الحقيقية بدأت مع الاحتكاك بالتقاليد في سوهاج، ومع الأسئلة التي يفرضها الجسد الأنثوي في مجتمع يراقبه باستمرار. ثورتي بدأت ضد التوقعات التي تلقى علي فقط لأني امرأة.
يناير وGen Z| كبرنا.. وورثنا جرحًا لا يلتئم
إذا تكررت يناير، أو حتى ما يشبهها ولو من بعيد، سأكون من أول الناس في الشارع، لا من أجل أبي وأمي والشعب فقط، بل لأن هذا ما أدين به لنفسي ولمستقبلي، لو كان لنا مستقبل في هذا الوطن.
يناير وGen Z| عن القهر والثورة والبقاء
في السنوات التالية، تعلمنا الشك. هل كان الأمر يستحق كل هذا؟ ألم نكن لنكون أسعد لو بقي الشهداء معنا؟ لو اكتفينا بالسكوت؟ لم يُحاسب أحد على هذه الدماء. ضاعت الحرية تحت قبضة جديدة.
يناير وGen Z| أفقنا فأنعسنا الأنين وصوت أمريكا
نعيش جميعًا في عشةِ القمع نتصارع فيها كالديوك، ونقتات على الانتصارات الهزيلة غير مدركين أن الكراهية هي رفاهية لا نملكها، فحياة الكل معرضة للخطر.
يناير وGen Z| نعم.. إحنا "العيال" اللي كانت في ابتدائي!
كبرت وفهمت أن معظم الأحداث تقع في المنطقة الرمادية فلا خير مطلق أو شر مطلق. ورغم الجدل الذي يتجدد كل عام "ثورة ولا مؤامرة" إلا أني حتى الآن لا أستطيع أن أراها إلا بعين الطفل، حلمًا
يناير وGen Z| الثورة التي لم تعد كذلك
فلنحسب من منا ضحى بنفسه أكثر، كم منكم في السجون وكم منا في السجون أو المنفى؟ كم منكم له ألف مدافع وكم منا غاب عن النظر والسمع، لا نعرف عنهم شيئًا لأنكم مشغولون بأنفسكم.
يناير وGen Z| درس مستمر عن طريقنا إلى فلسطين
مرّت علاقتي الأولى بالسياسة عبر جسد أمي، الفلسطينية المغتربة في مصر، المعزولة عن أرضها وأهلها. كانت فلسطين جزءًا من تكويني، سياقًا نعيش داخله، وليس مجرد قضية مطروحة للنقاش.
يناير وGen Z| علينا اقتلاع العَفَن من بيننا
إن التهميش الواقع علينا وحرماننا من أي عمل جماعي، يتم بقصد من بعض الأطراف. لقد كفر أغلب جيلنا بكل ما سبقه، ويريد الآن أن يصنع تجربته الخاصة، ولكن دون وجود أدوات، وهذا نذير شؤم.
يناير وGen Z| مش باقي مني غير...؟
لم يتركوا لنا سوى صور الميدان وشظايا أحلام. عندما أقرأ عن يناير أفكر أنه كان حريًّا بهم أن يفعلوا كذا وكذا. ثم أذكر ما فعلنا نحن، بالأحرى ما لم نفعل حين بدأت حرب الإبادة على غزة.
يناير وGen Z| الأمل الذي يثير الخوف
تعلمت من الثورة مَن يقف مع مَن، فهمت أن هناك معسكرات، وأن الناس لا يتفقون، وعندما يخاف البعض، يكون هناك آخرون سعداء.
يناير وGen Z| ما لم نتعلمه بعد الهزيمة
لم تُهزم يناير في 2013 فقط، حتى لو افترضنا أن ما حدث كان سذاجةً أو فشلًا سياسيًا، فنحن منذ ذلك الحين وحتى الآن، لم نتجاوز الماضي ونفتح نقاشًا حقيقيًا حول الحلول البديلة.
يناير وGen Z| مكسبها الأوحد تعرية "الجماعة"
الخلاص من التيار الإسلامي لم يكن ليتأتى سوى بفعل جماعي بحجم ثورة يناير التي فتحت المجال للجميع للتعبير عن آرائهم، ومنهم التيار الإسلامي، فنضح الإناء بما فيه وطفحت قناعاتهم.
يناير وGen Z| رسالة إلى الزعيم
سيدي الزعيم، لأجل النبي وأهل بيته والأولياء الصالحين، أرجوك غيّر طقم إعلامك. اعتمد على كروان مشاكل في الوصول للناس وسماع شكاويهم.
يناير وGen Z| الطفل يرصد لكم لماذا فشلت الثورة
التقدم مرهون بالتحرر من آفات السابقين؛ فإن أخطاء مثل العمى الأيديولوجي أو الفكري يجب أن نتجنبها، وعلينا أن ندرك طبيعة الشعب المصري ونعرف مفاتيحه. هنا تكمن أهمية النقد والإصلاح.
يناير وGen Z| بين جيل 46 وجيل يناير وجيل زد
من المشاكل الرئيسية في التعاطي مع الثورة أن فكرة الاجيال كانت حاضرة في يناير نفسها في الخطاب الإعلامي و خصوصًا في خطاب من تصدروا للكلام باسم الثورة وأنهم "جيل الثورة"
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
