تصميم أحمد بلال، المنصة 2026
من مشاهد ثورة يناير

يناير وGen Z| لا ثورة بلا خيال

منشور الخميس 22 كانون الثاني/يناير 2026

"عايزين نسمع من الجيل الجديد: ماذا تعني لكم ثورة 25 يناير؟"، السؤال الذي تطرحه المنصة في هذا الملف، حاولت التملص منه عدة مرات، فقناعتي ترفض تأطير فئة "الأجيال" كمحرك لمسار التاريخ.

ما يجمعني بأبناء جيلي يقتصر على تقارب الفئة العمرية. قد تتعارض نظرياتنا للتغيير واهتماماتنا، وربما مصالحنا المادية وانتماءاتنا السياسية أيضًا. ولكن بحكم "فِرَّة" الأجيال، فنحن ملتزمون قسرًا بالانتماء لجسد متلاحم واحد؛ "الجيل زد".

نتماهى في أنظار كثيرين إن تعثرت بغلة في المغرب أو شبّت النيران في شوارع سريلانكا. يُسمُّوننا Gen Z دون أن يعيروا اهتمامًا عميقًا بالسياقات المادية المتباينة بيننا. يتمسكون بوضعنا داخل "الخيمة الواسعة"، وهذا أحد مآخذي على ثورة يناير، وهو في رأيي ما حال دون تحقيق مطالبها.

كنت وقتها بنت 13 سنة، وأتذكر أنه خلال الثورة، والسنين التي تلتها، تباهى الثوار بأنها جمعت المزيج غير المتجانس من فئات الشعب المختلفة، وتوجهاتهم المتنافرة؛ ببراءة حالمة تشبث الناس بأوهام "أنا وابن عمي ع الغريب". وحين رحل الغريب، أفاق أبناء العمومة على تضارب المصالح، في درس لم نتعلمه.

فما هي الثورة التي يفترض أن أكتب عنها؟ أهي أيام التظاهر الثمانية عشرة الدامية؟ أم هي المحراب الثقافي ذو المريدين واللغة الخاصة والأيقونات المحرمة؟ لا أعرف. فهما لا ينفصلان في نقاشاتي كثيرًا، حتى وإن فضّلت ذلك.

تخرجت من المدرسة عام 2015، أي أن أولى خطواتي في "عالم الكبار" لم تطأ أرضًا صلبًا، فقد عصف بها أول تعويم للجنيه في 2016. بالتالي، لا أعتبر نفسي ولا تكويني السياسي صنيعة مباشرة للثورة، بل أنا نتاج الثورة المضادة، وتوابع فشل الأولى، نعم فشلها. لقد فشلت الثورة في الارتكاز على نظرية محكمة للتغيير وأدواته وما يجب تغييره. أكتب هذه الكلمة المحرمة، أو المُحتَكرة من معايشي الثورة "الحقيقيين"، لأول مرة في العلن.

فما وجدته في العقد الأخير، أنه من الصعب جدًا أن تُجري حوارًا نقديًا بنّاءً مع شخص مكبَّلة يداه خلف ظهره، من السلطة القمعية والأطلال الرومانسية معًا، لا تفارق أرنبة أنفه صورة عمرها يزيد على 15 عامًا، ويصعب عليه تقبُّل أن ألوانها تبدلت وتآكلت حوافها من التعرية والمتغيرات السياسية، لدرجة ألا يدرك أنها تكاد تكون غير موجودة.

الثورة الضائعة

ما بين معتقل ومتغرِّب ومكلوم، لا تسمح لي العواطف الإنسانية بالجدال المستفيض مع مصابي متلازمة ما بعد الصدمة، وبالطبع لا ألومهم. ولكننا، جميعًا، نواجه مستقبلًا سياسيًا قاتمًا وخطرًا وجوديًا حادًا، لا يحتملان الانكفاء تحت وطأة المشاعر طويلًا.

تزامنت أولى تجاربي بالنزول إلى تظاهرة دون علم والدَيَّ مع أولى سنين دراستي الجامعية، في أبريل/نيسان 2017، ضد التخلّي عن جزيرتي تيران وصنافير. لم تستمر المسيرة أكثر من عشر دقائق قبل أن يبعثرنا الرصاص الحي لنحتمي في ثنايا حي الدقي بمحافظة الجيزة. عدت إلى بيتي، أحكي لأمي عن روعة الفيلم الذي شاهدته مع أصدقائي في السينما، في فيلمٍ آخر "عملته عليها".

رسَّخت تلك التجربة في عقلي أن استماتة النظام في ممارسة القمع لا تنبت فقط من نزعة ديكتاتورية مجنونة، بل هي من صميم دوره الحتمي في إدارة المنطقة هيكليًا وفقًا للرغبات الصهيونية. 

ظللت في ذلك التذبذب المكتوم، ومحاولات النقد على استحياء، لأعوام. لا أدّعي بها كمال رؤيتي السياسية والانتقاص من الآخرين، بل كنت فقط افتقر للمفردات اللازمة لأشرح علاقتي المرتبكة مع "الثورة" و"الربيع العربي"، وذكراهما.

ثم فجأة، في صباح يوم سبت، كنت مشغولةً بكتابة رسالة الماجستير حين اقتحمت البلدوزرات الفلسطينية سور غزة الخانق إلى الأراضي المنهوبة، ومعها تدفق الدم مرة أخرى في عروقي. وعلى مدار العامين الماضيين، بدأت الصورة تتضح في ذهني أكثر.

لم يكن "فشل" الثورة مقصودًا بل كان افتقارًا، مفهومًا إلى حدٍ ما، إلى خيال سياسي يرقى إلى ما تحتاجه الأزمة الأساسية. أعرف أنني أبدو وكأنني أعقد محاكمة بأثر رجعي، ولكني ما كنت لأكتب هذه الكلمات لو تكن نفس البراءة الحالمة تحول الآن بيننا وبين خيال سياسي أوسع من أجل ما هو قادم.

فبينما نتذلل نحن عند سفوح القلعة الأوروبية والجهات المانحة، لتلقي لنا كسرة من الحقوق أو تشفع لنا مقابل مزيد من الديون، هناك إخوة لنا على بعد كيلومترات قليلة يحلمون، بل ويعملون على، هدم القلعة كاملة.

كانت ثورة 25 يناير عنيفة ومقلقة للنظام الحاكم بالطبع، وبها نواة صراع طبقي صريح متمثل في احتجاجات العمال والإضرابات الضاربة في أنحاء البلاد. ولكن هل الحركة العمالية هي ما ترسّب أخيرًا في أرشيف الثورة؟ أم تكثفت أبخرة اللامركزية الحالمة على لوح ثلج الليبرالية المنسوخة من التجارب الغربية؟

إدراك متأخر

ما تكشّف لنا أثناء الإبادة أن الحقوق الأساسية، مثل حرية التعبير وحقوق الإنسان، التي يطالب بها الكثير من المعارضين اليوم، لن تتبلور حقًا دون السيادة الاقتصادية والسياسية لشعوب الجنوب العالمي. ولكن الخيال السياسي المنهك، للأسف، لا يطمح إلا إلى سياسات اقتصادية أقل جنونًا، وخطاب أقل إحراجًا في المحافل الدولية المرموقة، واحتواء أخوي، مستحيل في وجهة نظري، لنا من العالم "المتحضر".

وحين هرب بشار الأسد إلى موسكو وسقطت سوريا في حِجر الداعشي المستنير، اتضحت الصورة أكثر. نحن أمام عدو أكثر شراسة من السياسات الداخلية القمعية المجحفة، وعلينا أن نطمح في ما هو أكثر من الفتات والاستقرار، وما هو أبعد من نظرة العالم لنا.

من هنا، أيقنت أن المستقبل، إن كان له أن يكون، بحاجة إلى إطارٍ جديد لا يُبنى على العاطفة وحدها، ولا على مشاهد الفجيعة باعتبارها نهايةً للسياسة، بل باعتبارها بدايةً لسؤال الأدوات.

أنا لا أبحث عن "الخلاص" ولا عن صورةٍ جديدة نستبدلها بالصورة القديمة، بل عن وضوحٍ يُسمّي الأشياء بأسمائها.

العدو ليس فردًا يُلعن، بل منظومة عالمية نحن مجرد "ترس" فيها. والناس، في المقابل، ليسوا جمهورًا للصدمة ولا مستهلكين للمراثي، بل طاقةٌ اجتماعية إن امتلكت البنية والتنظيم تحولت إلى قوة، وإن افتقدتهما تحولت إلى جسدٍ يُستنزف ويُستبدل.

لهذه الأسباب لا أستطيع أن أضع روحي تحت ابتزاز المشاعر وحدها، ولا أن أقبل بتسييل السياسة إلى دمعةٍ أو إلى غضبٍ يائس. المشاعر مهمة، بل ضرورية، لكنها، إن لم تُترجَم إلى أدوات، تصبح نوعًا من الاختناق الذي يريح السلطة أكثر مما يهددها.

ولعلّ هذا كله يعيدني إلى السؤال الأول حول يناير، لا كي أستبدل حدثًا بحدث، أو أوازن بين جُرحين، بل لأقول إننا لسنا بحاجة إلى تأويل جديد لأيقونات قديمة، إنما نحن بحاجة إلى فهمٍ أشد صرامة لما يقتلنا وكيف يقتلنا، وإلى شجاعةٍ أقل رومانسية في بناء ما يحمينا.

لا يرحم التاريخ الذين يكتفون بالحزن ولا من يتشحون بالحنين. وما كشفته هذه اللحظة للعالم بفظاعتها، هو أنها لا تترك لنا رفاهية أن نظل أسرى الصورة القديمة، ولا أن نلوذ ببراءةٍ لا تصلح إلا لمن لا يُهدَّد وجوده كل يوم.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.