تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
أطفال على دبابة، من مشاهد ما بعد تنحي مبارك، ثورة يناير 2011

يناير وGen Z| شهادة طفل من أطفال الثورة أصبح شابًا تحت لواء الجمهورية الجديدة

منشور الأربعاء 21 كانون الثاني/يناير 2026

لم أعرف يومها كيف تسقطُ الأنظمة، ولا حتى ما معنى "نظام".

كنت في السابعة، لم يكن بيدي سوى تغيير شاشة قناة الجزيرة المقسمة إلى مربعات صغيرة، عندما أمسك بالريموت. عن المربعات، سألتُ أمي لمَ الشاشة مكسورة؟ أجابت أن الحقيقة لا تُرى كاملةً إلا عندما نلصق المشاهد المجتزأة.

أذكر أن المذيع كان يتكلم بسرعة والضيوف يقاطعون بعضهم البعض والشوارع تهتزّ، وتحتهم شريط أخبار لا يتوقف عن اللهاث. أبي وأمي يتابعان طوال الوقت، ويعترضان على بعض الكلمات، ثم يضحكان فجأة، ثم تبكي أمي في كل مرة تظهر فيها باقة من "الورد اللي فتح في جناين مصر".

خالتي تعيد سؤالها الذي لم يجد إجابة حتى يومنا هذا "قتلوهم، قتلوهم بالرصاص، الواد ده قد بسمة (ابنتها)، أمه هتروح فين دلوقتي؟". كنت أراقب وجوههم أكثر مما أراقب ما يحدث في الميدان، بينما كنت أخشى طرح السؤال البديهي؛ ما هي الثورة؟

ولما كنت أسمع رفقة أصدقاء أبي أغنية إيه العبارة التي اشتهرت وقتها، كنت أغني معهم الكلمات بصيغة استفهامية لا استنكارية.

قنبلة غاز ومؤامرات طفولية

عندما توقفنا في المدرسة عن لعب الاستغماية وشرعنا في لعب "ثوّار وعسكر"، كنت دائمًا في صفّ الثوّار. ليس لأنني أفهم الثورة، بل لأن كلمة "ثوّار" كانت تبدو الاختيار الطبيعي؛ أن تركض إلى الأمام بدلًا من أن تمنع غيرك من الركض.

في الفُسحة، حين كانت "الاشتباكات" تشتدّ بيننا، في مدرسة مصر الجديدة الابتدائية المشتركة، لم أتراجع خطوة واحدة مهما قلّ عدد الرفاق، كنت أرى التراجع عارًا. بينما كان الثوار الكبار في الشوارع يتراجعون خطوة وراء الأخرى، مرة بمكيدة، ومرات بانقسام، وأحيانًا بمذبحة. أما نحن الأطفال فنكاد نسيطر على سارية العلم وسط الفناء، الذي بدا لنا كميدان مصغّر، وكأن السيطرة على سارية العلم ستضيف مزيدًا من حصص الرسم والموسيقى إلى جدول الحصص التعيس. 

في حصص المكتبة، كنا نحن، رفاق تانية أول وأنا، وزملاء "تالتة تاني" الأوغاد، نخوض نقاشاتنا السياسية الأولى، كلٌّ يدافع عما سمعه بالأمس في بيته. وبينما بدا أن المدرسة تميل تلقائيًا إلى "روح يناير"، حتى دون أن تفهمها، كان تالتة تاني تقريبًا الفصل الوحيد الذي يقف ضد الثورة.

وحين عدنا مرة أخرى إلى لعبة "ثوّار وعسكر"، لم يأتوا كخصومٍ عابرين. أتوا بشارات الشرطة المدرسية الشبيهة بشارة الشرطة العسكرية التي انتشرت في الشوارع آنذاك لحظر التجوال.

انتهت اللعبة داخل المدرسة حين اشتد "بطش الشرطة المدرسية" وكسر أحدهم القوانين وزجاج غرفة الأخصائية الاجتماعية بحجر كبير، ولكنها لم تنته خارج الأسوار.

في صباح اليوم التالي أخبرنا مدير المدرسة عبر الميكروفون في إذاعة الصباح أن ما يحدث "محض مهزلة". لم أفهم هل يقصدنا نحن؟ أم ما يحدث بالخارج؟ هل كان يوبخ أطفالًا تجاوزوا الحدود، أم بلدًا خرج عن السيطرة؟ ثم اتخذ قرارًا من بندين، التربية قبل التعليم، ولا مكان للسياسة داخل أسوار "المؤسسة التعليمية". لكن السياسة لم تكن تحتاج إذنًا للدخول.

جاءت في شكل قنبلة غاز مسيل للدموع سقطت وسط فنائنا الصغير، قبيل انتهاء الحصة الرابعة مع مرور مظاهرة قرب المدرسة.

"لا تعيروا انتباهكم إليها"، أمرنا المدرس، وأقسم أن فهم القسمة المطوّلة أيسر من فهم ما يجري بالخارج، قالها وكأنه ينقذنا، وكأن ما يحدث خارج النافذة مجرد ضوضاء في الشارع، لا مصيرًا يقترب من أعمارنا ببطء.

كانت لحظة تعليمٍ من نوعٍ آخر؛ النجاة بالتجاهل، والإفلات من التفكير بأداء "واجبنا"، وزرع فكرة "أنا مالي" في عقولنا. وهي فكرة ستكبر لاحقًا لتصير أكثر أناقة: "النجاة الفردية".

درسنا الحقيقي لم يكن القسمة المطوّلة؛ كان القسمة بين الداخل والخارج، فصل يجب أن نبقى فيه، وشارعٌ لا ينبغي أن ننظر إليه.

جرس الحرية، هكذا كنا نسميه، أنهى الحصة فخرجنا للفناء بصدور خفيفة، وبعيونٍ تتفادى الاعتراف بأن الحرية قد تكون أقرب مما نتحمل، أو أبعد مما نتخيل.

فيها حاجة حلوة؟

استجابت أمي لإلحاحي واصطحبتني، لم تكشف لي وجهتنا، فقط قالت، "هتشوف حاجة حلوة".

في الطريق لميدان التحرير كان الناس أكثر من المعتاد عددًا، وأقل من المعتاد استعجالًا، كأن المدينة تؤجّل شكواها ليوم آخر، لا صراخ سائقين، لا سبابًا عابرًا، فقط حركة بطيئة تشبه المشي داخل حلم لا يريد صاحبه أن يستيقظ.

بوصولنا خلعت أمي قناع المرشدة واندمجت في الهتاف مع الجماهير خلال إحدى ميلونيات فبراير/شباط 2011، وتركتني أصارع اللحظة. لم أفهم لماذا بدا المكان أكبر مما أعرفه.

لم أستوعب الهتافات كلها، ولا اللافتات، ولا الكلمات الثقيلة التي تتطاير في الهواء. لكنني فهمت شيئًا واحدًا بوضوح؛ الجميع هنا كانوا سعداء، غرباء يتصرفون كأنهم يعرفون بعضهم منذ زمن بعيد، أتذكر شبابًا يلتقطون الصور، رجالًا يبكون دون خجل، نساء يرفعن أياديهن كأنهن يودعن خوفًا قديمًا.

بعد سنوات، حين حاولت استعادة ذلك اليوم، عرفت أن تلك كانت قوة يناير وضعفها في آن واحد؛ هذا الإحساس الجماعي بأن الحلم ممكن، وهذا التغاضي المؤقت عن سؤال "ماذا بعد؟". عرفت أن الثوار الكبار صدّقوا، ولو للحظة، أن الحلم يكفي.

كم كان الميدان جميلًا لأنه لم يُفكّر طويلًا، وكم كان هشًّا لأنه لم يُفكّر طويلًا. ولهذا، ربما، حين انتهت اللحظة، لم يعرف الثوار الكبار كيف يغادرونه بسلام.

الجمهورية الجديدة

الآن، انتهت الثورة، لم تكن مستمرة كما يدَّعي الملصق الذي علقه أبي في الممر المؤدي لمطبخنا.

وأصبحت أنا صحفيًا صغيرًا أصارع الرقابة وسياسات الصحف وأمي، لمجرد نشر خبر ذُكر فيه أو فهم حتى من سياقه أن مؤسسة من مؤسسات الدولة أو أحدًا من السادة المسؤولين ليسوا على حق.

تغيّر قانون الصحافة عمّا كان في السابق، بات تصوير ريبورتاج عن ارتفاع أسعار الخضار في الشارع أمرًا يحمل "مجازفة غير مأمونة العواقب" كما قال زميل كبير وأمي.

بعد 15 عامًا، لا يبدو لي أن يناير تركت وراءها ما يكفي لإثبات أنها "مرّت من هنا". الشوارع تغيّرت، صارت أوسع، وصار الناس أبعد عن بعضهم وأكثر انعزالًا. الوجوه تغيّرت، حتى اللغة التي كنا نستخدمها صارت موضع ريبة، مُحي أي أثر مادي يقول إن أحدًا وقف هنا يومًا وقال لا.

أُعيد بناء الذاكرة بما يليق بـ"جمهورية جديدة"، تسربت ذرات الكفر بيناير وجيلها إلى جيلنا. ليس لأن يناير لم تكن حقيقية، لا سمح الله، ولا لأن جيل يناير أصبح الآن أسير اللحظة الأسطورية التي عاشها؛ بل لأن الاشتباك معها كان، ولا يزال، من أصعب الأمور.

أصيب هذا الجيل بـ"تروما" بعدما صنع المعجزة، وبعدما رأى أن الصف البشري الموحد يمكنه أن يكون أقوى من الحديد والنار في لحظة، وفي لحظة أخرى قد "تفرمه" عربة مدرعة أو طلقة مجهولة.

ولم يكتشف، ولا نحن من بعده، ما النسب الصحيحة في المعادلة. ما الذي يجعل الصف أقوى من الرصاص في لحظة، وأضعف منه في أخرى؟

ولا عجب أن أصابهم ما أصابهم، بعدما شهدوا حرق مجموعة من المصريين في ميدان عام، وآخرين يموتون اختناقًا داخل عربة ترحيلات، أو يخطفون من منازلهم فجرًا، وفي اليوم التالي تأتيهم الأبواق الإعلامية والصحف بالتهليل للمخّلص العظيم.

لا عجب أن أصيب هذا الجيل بتروما، بل وبنوبات تشبه الصرع، حين تمر سيارة شرطة بجوارهم.

دروس الربيع الضائعة

ربما آن الأوان أن يتنحّى جيل يناير جانبًا، لا باعتباره مهزومًا، رغم هزيمته، بل بوصفه أدّى دوره ودفع الثمن، ونشاركه نحن الآن في سداد باقي الفاتورة التي امتدت ضريبتها لليوم. على جيل يناير الآن أن يكتُب، أن يروي، أن يعترف بأخطائه لا بهدف أن يجلد نفسه بل ليمنح مَن بعده أرضًا أكثر صلابة. على جيل يناير أن يمنح جيلنا نظرية أو دروسًا يمكننا الاتكاء عليها، أو الاحتماء بها حين يأتينا رصاص الطرف الثالث، من حيث لا نحتسب.

الحق أقول، لا يناير ستأتي مجددًا كما عرفناها. لأن التغيير سنة الكون، ولأن القش لا يزال يوضع على ظهر البعير بلا حساب، فكل قشة قادمة قد تكون القاسمة. وحينها إن امتلكنا النظرية أو استخلصنا درسًا من دروس يناير الضائعة ربما يمكننا أن نوجه الطوفان الهادر نحو من يستحقونه فقط دون أن يأكل الأخضر واليابس. وليعتبر في هذا كل فاسد عدو للثورة وتحرر البلاد، سواء كان من أبناء النظام الحالي أو السابق، أو من زملاء "تالتة تاني".

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.