يناير وGen Z| ما لم نتعلمه بعد الهزيمة
كان عمري 10 سنوات حين اكتشفت أن رحيل الرئيس ليس فكرةً خياليةً. قبل يناير، لم أكن أعرف معنى كلمة "ثورة"، ولم أتصور أن رأس السلطة يمكن أن يتغير إلا بالموت. أتذكر سؤالي البسيط لوالدي بعد انتخاب أوباما، "هو إمتى عندنا في مصر الريّس بيمشي؟"، فضحك قائلًا "لما يموت".
ظلّت هذه الجملة عالقةً في ذهني إلى أن جاء يوم 28 يناير، اليوم الذي فهمت فيه أن ما قاله أبي لم يكن حقيقة ثابتة، وأن ما اعتدناه ليس هو الطبيعي.
والدي رجل محافظ، لا يحب النظام ولا يكرهه. يتابع السياسة باستمرار، يقرأ جرائد مثل الفجر والدستور، ولا يهاجم النظام أو يعارضه صراحة. كان دائم الاختلاف مع خالي، الذي كان معارضًا واضحًا ومؤيدًا للدكتور محمد البرادعي. أما علاقتي أنا بالسياسة، فلم تتجاوز متابعة نقاشاتهما اليومية، دون أن أنحاز لأي طرف، ببساطة لأنني لم أكن مهتمًا بشيء سوى كرة القدم.
الغريب بالنسبة لي أن يوم 28 يناير كان أول مرة أقف فيها أمام التليفزيون وأعرف أن هناك مظاهرات في القاهرة، وأول مرة أشاهد اشتباكات بين الناس وقوات الأمن. ومع ذلك، كنت أشعر أنني أفهم طاقة الغضب الموجهة ضد الشرطة. كنت معها، دون أن أفهم دوافعها أو أسبابها. وقبل أن أسمع رأي والدي أو خالي. كنتُ متحمسًا لما يحدث، أشعر أنه يجب أن يحدث، وأنه لا يمكن الوقوف ضده.
لا أنسى ما تلا خطاب مبارك العاطفي، الذي أعلن فيه أنه لن يترشح لفترة رئاسية جديدة وسيفوض صلاحياته لنائبه. وقتها رأى والدي ووالدتي أن هذا كافٍ، وأن على الناس أن تعود إلى بيوتها. أما أنا، فكنت أردد بإصرار "لا، يجب أن يرحل". لم أكن أملك تحليلًا سياسيًا، ولا فهمًا حقيقيًا للمشهد، لكنني كنتُ مقتنعًا أنه لا توجد حلول وسط.
وحين جاء يوم التنحي، كنتُ حسمتُ أمري؛ نزلتُ في محافظتي أسوان لأحتفل في ميدان المحطة مع خالي. ومنذ تلك اللحظة تحولت للطفل، ثم المراهق، المُسيس داخل الأسرة وفي الشارع. أتطلع للاشتباك مع معارضي الثورة، وأخبر الكبار أننا الجيل الذي فعل ما خافوا هم أن يفعلوه.
دون إجابات
لا أنسى مشاهد الخلافات التي اشتعلت بعد الثورة، وكل طرف يقاتل من أجل منصب أو مكسب. كان والدي ينتقد خالي قائلًا، "بص، كله دلوقتي همّه مصلحته". فيرد خالي، "الشعب جديدة عليه الحرية، طبيعي لما يعيشها تحصل اللخبطة دي".
في المرحلة الثانوية، بدأت أقرأ عن تاريخ الدولة من 1952 وحتى الآن، وتعمقت في مذكرات القادة وتقلّبت بين كره وإعجاب. امتد هذا الأثر حتى لخياراتي في الصداقة؛ أصبحت أميل لمن لا يقبلون الظلم حتى لو وقع على خصومهم. صرتُ أنفر من العوامل التي تجعلنا نصمت طالما نحن في مأمن.
رغم أنني أرى نفسي مدينًا ليناير، وربما لولاها ما كنتُ اهتممت أن أقرأ أو أفهم أو أعرف، فإنني في الوقت نفسه غاضب منها كثيرًا. سيظل سؤالي الدائم: لماذا كانت كل تلك السذاجة؟ وكيف كانت الهزيمة بهذه السهولة؟ وكيف تحولت الصراعات بعد الثورة إلى شيء أبعد الناس عنها؟ ولماذا لم يحاول أحدٌ بجدية الاقتراب من مشكلات الناس وكسبهم؟
لا أريدُ أن أكونَ قاسيًا، فهناك من دفع الثمن من عمره، ومن استُشهد في اشتباكات شارع محمد محمود واشتباكات مجلس الوزراء واشتباكات ماسبيرو، وغيرها. وهناك من قضى سنوات في السجن أو اختار المنفى.
لم يتعلم جيل يناير هذه الدروس أو ربما تجاهلها عمدًا رغم كل التضحيات التي دفعها الشباب في الميادين
اليوم، أرى جيلي غير مهتم، يائسًا لا يرى أملًا، وكل منّا يحاول أن ينجو بذاته وأسرته. كل من أعرفهم يريدون الهجرة أو يعملون بالكاد لتوفير لقمة العيش، وكأننا استسلمنا لفكرة أن النجاة الفردية هي الحل الوحيد. قال لي صديق يومًا "إحنا عايزين نعيش، محدّش فينا هيقدر يستحمل الهزيمة الجاية".
يعود العجز عن إيجاد البديل إلى تجفيف المساحات التي كان يمكن أن تنمو فيها البدائل. مثلًا، جاءت دراستي الجامعية في وقت إحكام السيطرة الأمنية على الجامعات واتحادات الطلبة؛ لم يكن هناك أي مجال للعمل السياسي أو التعبير عن الرأي. هذا "الفراغ" القسري هو الذي أدى بنا إلى ما نحن عليه الآن.
لم تُهزم يناير في 2013 فقط، فحتى لو افترضنا أن ما حدث كان سذاجة أو فشلًا سياسيًا، فنحن منذ ذلك الحين وحتى الآن، لم نتجاوز الماضي ونفتح نقاشًا حقيقيًا حول الحلول البديلة. لماذا لا تزال أطراف كثيرة متمسكة فقط بإلقاء اللوم على غيرها وتحميله مسؤولية الهزيمة؟
دروس الثورة
أغرب ما في الأمر أن يناير علمتني معنى حرية الرأي والعدالة الاجتماعية، وعلمتني أن أحترم الآخرين مهما اختلفوا معي، وألّا أبرر أبدًا القبض على أي شخص بسبب رأيه، وأن أرفض الكراهية والحكم المسبق على أي إنسان فقط لأنه مختلفٌ عني. كل هذه الدروس صارت جزءًا من طريقة تفكيري. ومع ذلك، يبدو أن جيل يناير نفسه لم يتعلم هذه الدروس، أو ربما تجاهلها عمدًا، رغم كل التضحيات التي دفعها الشباب في الميادين، وكل الدم والجهد والأمل الذي رُمي في معترك الثورة.
هذا التناقض بين ما تعلمته وما حدث على أرض الواقع يصيبني بغضب مستمر وحيرة عميقة، ويطرح السؤال: كيف يمكن للثورة أن تهب الناس وعيًا، ثم تترك مَن يجب أن يحملوا قيمها عاجزين عن استيعابها أو تطبيقها؟ تركت يناير فيّ وعيًا وحريةً، لكنها تركت أيضًا مرارة وحيرة. منحتنا الثورة شيئًا عظيمًا، وتركناه يُهدر أمام أعيننا.
ربما لهذا السبب فشلت يناير. فشلت حين حاربت نفسها، وحاربت ما نادت به من حرية وعدالة، ليس بسبب أعداء خارجيين، بل بسبب أولئك الذين كان من المفترض أن يحموا مبادئها ويطبقوها. خيانتهم جعلت عامة الناس يشتمونها، ويقفون ضدها، ويرونها مجرد ذكرى أليمة، يترحمون على ما قبلها.
لا أعرف ماذا يخبئ المستقبل، فيناير كانت نتاج تراكم حركي ومعرفي من أحزاب وحركات وصحافة، والآن لا توجد أحزاب وحركات وصحافة. الآن لا سبيل لهذا التراكم، ولا زخم يقارب ما كان قبل الثورة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.