تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
سألوم الأغلبية الكاسحة من الشعب على تسليمها البلاد للأبطال الجنرالات المخلّصين

يناير وGen Z| أفقنا فأنعسنا الأنين وصوت أمريكا

منشور الأحد 1 شباط/فبراير 2026

أشارك في هذا الملف عن ثورة يناير وجيل زد متأخرًا. هذا ما أملكه من رفاهية، فأنا مثل أغلب أبناء جيلي في مصر، مش إيجبت، أقضي أيامي في مطاردة لقمة العيش.

هذا عصر ما بعد الثورة الذي قد يتشابه مع سابقيه، لكنه جديد المعطيات، خصوصًا في قسوته، حيث التفكير والتأمل عمومًا رفاهيةٌ لا يمتلكها الكثيرون، أو تحتاج لكفاح يزيد من الإرهاق اليومي للحياة. 

ما أصعب أن تجد لقمةَ عيشك في المجال الذي تعده الحكومة مظهر إنجازها الأساسي؛ الهندسة المعمارية. تقاربُ مرتبات الخريجين الجدد الحد الأدنى للأجور، أما ساعات العمل فتتجاوز العشر ساعات يوميًا، بخلاف السهر في أوقات تسليم المشروعات.

وإن كنت تعمل في مشاريع حكومية كالعاصمة الإدارية الجديدة، فسينطبق عليك كل ما سبق مع إضافة رداءة المنتج النهائي الذي تفني فيه أيامك لأسباب عدة؛ أهمها قلة الوقت المخصص لمشروعات بهذا الحجم رغبةً في الإنجاز السريع، مع الاعتماد على خبرات حديثي التخرج، وعدم تقدير الجهد المبذول، إضافة إلى التعديلات العبثية النابع أغلبها من جهل، وبالطبع عليك السمع والطاعة.

وإن كنتَ مغتربًا من الأقاليم، كحالي، ستواجه الإيجارات المرتفعة لأماكن سكنية رديئة فقيرة الخدمات. وإن كان وضعك المادي أصعب ستجد شققًا مقسمة من الداخل لغرف منفصلة، أو عنابر قد يصل عدد الأسرّة فيها إلى ستة، أو غرفًا مقسمة من الداخل لـpartitions بحائط خشبي مثل الزرائب؛ "هتروح فين الشمس من على قفا الفلاح".

ما العمل؟

أتفق مع من سبقوني في هذا الملف بأن الكتلة المسماة بجيل زد ليست متماسكة، لكن لماذا؟ هل لأن الفروق بين شباب إندونيسيا وأمريكا ومصر شاسعة على مستوى البنية المجتمعية والاقتصادية والفرص المتاحة؟ أم لأني شخص منفتح يتقبل الآخر، لكن أرفض قطعًا أن يكون الشاب المحافظ السلفي "القفل" هو الآخر من أبناء جيلي؟

ربما ليس هذا ولا ذاك، ربما لأني شاب أبدأ حياتي بيقين أني سأدفع كل عمري من أجل البقاء أنا وأسرتي على قيد الحياة، إذ أصبح الحد الأدنى من الاستقرار وتكوين أسرة حلمًا صعب المنال. على الجانب الآخر؛ هناك من بين سكان المناطق الإيجيبتية من يشاركونني الفئة العمرية ويحصدون الفرص دون طلبها، شتان بين الاثنين!

نحن جيل المعارك الآمنة الذي اتخذ السوشيال ميديا وسيلة للإحساس بالتحرك دون أن نتحرك إراحةً للضمير

قد أتحدث عن الثورة وذكرياتي في الطفولة معها رغم قلتها، لكني مشغول بنتائجها أكثر لأنها حياتي اليومية. تأتي في مقدمة النتائج قتل رومانسية الحدث، وحصره في نطاق سخرية جلسات المقاهي والسهراية والمزمزة، وربما تجلّى ذلك في أحداث السابع من أكتوبر.

ألم تكن تبعات طوفان الأقصى دامية؟ ألم يكن قصف مستشفى المعمداني مزلزلًا؟ لكن كل مأساة، بالنسبة للعاجزين، مجرد سهراية نتذكرها قبل أن نطلب قهوة للمرة الثانية.

يأتي مع قتل الرومانسية، فقد القدرة على العمل العام ما يدفع البعض للتساؤل "والعمل؟"، وهنا ربما أمد بصري أنا ومن يشاركونني الفئة العمرية إلى جيل يناير 2011، متمنين أن يشاركونا تجربتهم وخبراتهم فنتعلم. وكلٌ يسأل من على شاكلته فيسأل الاشتراكيُّ الاشتراكيَّ، والإسلاميُّ الإسلاميَّ، واللا إكتراثيُّ اللا إكتراثيَّ، فكلهم يتشاركون المحفوظات ويتفقون في الموات؛ من اليأس ومخدِراته للفردانية وحتمية فشلها، وانتهاءً بالعمل العام البطيء شبه الجمعي، المشبع بأمل ضئيل فينا نحن كجيل.

نحن طبعًا أكثر حذرًا. لم نتوارث محفوظات الحياة السياسية في مصر ولا نتعارك على التفضيل بين عبد الناصر والسادات. أو ربما نحن جيل المعارك الآمنة الذي اتخذ السوشيال ميديا وسيلةً للإحساس بالتحرك دون أن نتحرك، إراحةً للضمير. أو ربما نحن لا نتعارك لأننا جيلٌ مُفككٌ على الطريقة الأمريكية الهويّاتية، وكلٌ في هويةٍ يسبحون، دون الانتباه لأن المصري يوجد من عينته الإيجيبشيان والمسلم والمسيحي واللا أدري والمثلي والمرأة.. إلخ.

ربما نتأمرك أيضًا في كراهية الآخر، فإذا كنت ضد الحريات الشخصية كرهتك، أو إذا كنت معها كرهتك، ولكننا نعيش جميعًا في عشةِ القمع نتصارع فيها كالديوك، ونقتات على الانتصارات الهزيلة غير مدركين أن الكراهية رفاهية لا نملكها فحياة الكل معرضة للخطر.

"لقد كانت ثورة يناير شعاراتية دون مضمون يحركها إلى الأمام"، يقول أبناء جيلي الواعد في هذا الملف، لكننا جيلٌ لن يتحرك دون مضمون. صحيح أن المضمون يتكون بانتشار الثقافة والتعليم الجيد و"الحياة الكريمة"، ورأب الفجوة بين الطبقات، وأن نتوقف عن الارتياب من الآخر وعن لهاثنا الدائم للهرب من الجوع، ولكننا لن نستطيع تغيير كل هذا، وفي الوقت نفسه لن نتحرك دون مضمون.

صحيحٌ أن سمة هذه المرحلة هي الصراع الهوياتي، حيث لا تتعدى الهوية الشكل الظاهري ما بين كيميتيين يبحثون عما يجمعهم مع المصريين القدماء، وإسلاميين يبحثون عن خلفاء يعيدون أيام المجد، وامرأة تبحث عن خلاصها في إضفاء سمات حيوانية على الرجال، ورجل يبحث عن احترامه في قمامة التقاليد، ومسيحيين ينشدون النجدة ما بين البيادة والرداء البابوي، وكلهم يتجادلون في الفضاء الافتراضي دون حركة، لكننا نعيد ونكرر أننا نؤمن بالمضمون، ولن نتحرك دونه، ونكره الشعارات السطحية.

الخوف من التضحية

الحديث عن يناير هو حديث عن التخبُّط الذي نواجهه الآن، وهو تخبُّط تعدى كونه نتيجة قرارات السلطة في مصر وأصبح عالميًا. ومع كل موجة تخبُّط في البنك الفيدرالي الأمريكي يعلو صوت الأنين في مصر.

قد أعاتب جيل الثورة على تمسكه بالشعارات دون تنظيم يؤدي إلى برنامج سياسي، يؤدي بدوره لبرنامج اقتصادي وعمراني يؤمن به الناس. وقد ألوم جيل الثورة على انفرادهم بالحالة الثورية والاستعلاء على من لم يشارك عندما "مسّهم الحلم مرة".

يتوهم البعض بإمكانية النجاة الفردية بالهجرة لعالمٍ أبيض يغلق أبوابه يومًا بعد يوم

يمكنني أيضًا لوم الثورة على ابتلاعها للمشاركين فيها، فقد كانوا "شهداء تحت الطلب" كما كتبوا على التيشيرتات وقتها. هذه التضحيات الكبرى آلَ بها الواقع الحالي إلى الخوف من التضحية حتى ولو بجزء من الحياة الشخصية، فما بالك بالروح؟

الاتجاه الآن هو للنجاة الفردية التي يعيش قاطنوها الوهم بأنها مستدامة سواءً بالمخدرات أو بالتحقق الشخصي رغم صعوبته داخل مصر، أو بالاستهلاك على الطريقة الأمريكية، رغم أنه في مصر لا يرقى لأن يُسمى استهلاكًا نتيجة لرداءة المنتج والخدمة. يتوهم البعض بإمكانية النجاة الفردية بالهجرة لعالمٍ أبيض يغلق أبوابه يومًا بعد يوم، وعولمة تتحرك فيها كل البضائع والتجارات ولكن البشر ثابتون. 

لكنني طالما بدأت اللوم فسألوم الأغلبية الكاسحة من الشعب على تسليمها البلاد للأبطال الجنرالات المخلّصين، فجعلوا الحركة أصعب كثيرًا. وسألومهم على خوفهم من "الآخر" واحتقارهم للأقليات، وعلى رغبتهم الدائمة في الرجوع للوراء. لكننا بالطبع "كجيل" على درجة كافية من الوعي لنفهم أن لكلٍ منظوره، والحكم على الأشياء من الخارج ومن داخل أفكاري يلغي السياق، ولو أن الفهم قد لا يلغي الحُكم، ولكن قد يقلل من قسوته ويفتح أي فرصة لتدشين طاولة نقاش قد ينتج عنها أي فعل.

أو هكذا أتعشم.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.