تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
واقعة سحل وتعرية جنود لفتاة في مظاهرات مجلس الوزراء، ديسمبر 2011

يناير وGen Z| وُلدتُ يوم الثورة.. وكبرتُ قبل أن تكبر هي

منشور الاثنين 26 كانون الثاني/يناير 2026

وُلدتُ في اليوم الذي خرج فيه الناس إلى الشوارع، لكن عام 1996. في الخامس والعشرين من يناير 2011، كنت أطفئ شمعة عامي الخامس عشر، بينما كانت البلاد تشتعل بأسئلة أكبر من قدرتي على الفهم. لم أكن أعرف وقتها أن هذا اليوم سيصير علامة فارقة في حياتي الشخصية، كما صار علامة في تاريخ بلد كامل.

في برد يناير، ووسط انشغال أبي الدائم بالسياسة، كنت أراقب عالمًا يتشكّل أمامي من خلال قناة الجزيرة المثبتة على ميدان التحرير طوال النهار والليل، ذلك الميدان الذي لم أعرفه إلا من شاشة التليفزيون، ولم أتخيّل يومًا أن يصير مركزًا لحكاية أكبر منا جميعًا.

كبرتُ في بيت مهتم بالشأن العام. كان والدي يتابع الأخبار باستمرار، ويتحدث عن السياسة كما يتحدث آخرون عن الطقس. في بيتنا بسوهاج كانت النقاشات العامة جزءًا من يومنا العادي: من يحكم؟ لماذا تتدهور الخدمات؟ ولماذا يبدو المستقبل غامضًا إلى هذا الحد؟

قبل الثورة بأيام قليلة، كنت في حصة الحاسب الآلي. لم يكن المدرس يشرح برنامجًا أو معادلة، بل كان يتحدث عن الرشاوى، عن بلد لا يمكن لأحد أن ينجح فيه دون واسطة، عن مستقبل يبدو مغلقًا إلا أمام من يملكون النفوذ. كان كلامه أقرب إلى اعتراف جماعي بالعجز. أستعيد هذه اللحظة الآن وأفكر: كيف يمكن لطفلة في الرابعة عشرة أن تسمع كل هذا ثم تُفاجأ، بعد أسبوع واحد فقط، بأن هناك ثورة وتغييرًا وشعارات عن العدالة والأمل؟

كان أبي أيضًا يريد أن يشارك، وأن يكون جزءًا من الحدث، لكن ظروفه الصحية لم تسمح له. ظل يتابع من البيت، على الكرسي نفسه، وبالقلق نفسه. كأن جيلًا كاملًا كان يريد الحركة لكنَّ ظروفه ومخاوفه يشدّانه إلى الخلف.

كنت صغيرة على السياسة، كبيرة على البراءة. لم أخرج، لم أشارك، لم أفهم. كنت أتابع عبر شاشة التليفزيون، ومن خلال أحاديث الكبار في البيت. لم أكن أدرك ما معنى "ثورة"، ولا ماذا يعني "تغيير".

في سنوات لاحقة من حياتي، قابلت كثيرين أكبر مني سنًا. كلهم تقريبًا قالوا الجملة نفسها، "الثورة غيّرت فينا حاجة". واحدة خلعت الحجاب، أخرى رأت العالم بشكل مختلف، ثالث صار أكثر جرأة في اختياراته. كنت أستمع إليهم بشيء من الدهشة، وربما بشيء من الغيرة الصامتة. لم أكن صغيرة بما يكفي لأجهل ما يقولونه، ولا كبيرة بما يكفي لأعيش التجربة مثلهم.

تناقضات يناير

من أوائل الأسماء التي علقت في ذاكرتي خلال تلك الأيام كان اسم سالي زهران. فتاة من محافظتنا، سوهاج، سقطت من شرفة منزلها وهي تحاول تخطّي قرار والدتها بمنعها من المشاركة في المظاهرات خوفًا عليها. مشهد منزلي بسيط: أم تحمي، وابنة تريد أن ترى العالم، وشرفة تفصل بين الداخل الآمن والخارج المجهول. أفكر الآن أن سالي لم تكن فقط ضحية لحظة عامة، بل ضحية خوف عائلي قديم، نرثه جميعًا، ونعيد إنتاجه بدعوى الحماية.

مع الوقت، أدركت أنني لم أعش "ثورة" بالمعنى الذي عاشه الآخرون. لم أكن مستعدة لأرى نفسي جزءًا من حدث أكبر مني. لكنِّي، في المقابل، عشت شيئًا آخر؛ ثورة بطيئة، داخلية، لم تأتِ من الشارع، بل من الحياة نفسها.

ثورتي الحقيقية لم تبدأ في 2011 وإنما لاحقًا، مع الاحتكاك بالعادات والتقاليد في مجتمعي الصعيدي المتشدد، ومع الأسئلة التي يفرضها الجسد الأنثوي في مجتمع يراقبه باستمرار. ثورتي بدأت حين فهمت أن هناك قائمة طويلة من التوقعات تُلقى عليّ فقط لأنني امرأة: كيف ألبس، كيف أتكلم، كيف أتحرك، كيف أخاف، وكيف أصمت.

بمرور الوقت، لاحظتُ السياق الاجتماعي من حولي وأدركت أن ثورتي مختلفةٌ وأسئلتي وجوديةٌ: مَن يملك منعي مِن الخروج مِن المنزل؟ أو مِن تقرير مصيري في التعليم أو حرماني مِن الزواج رجل أحبه؟ من يملك التحكم في جسدي باسم الخوف والفضيلة وانتهاكه بأشكال شتى كالتزويج المبكر والختان وحتى القتل باسم الشرف؟ ماذا سأستفيد من ثورة لا تواجه الجرائم التي تحدث للنساء فقط لأنهن نساء؟ ما الذي سأكسبه إن مَكنّت الثورة كل رجال عائلتي؛ فظلّوا قادرين على قمعي والتحكم في مصيري؟!

قرأت كثيرًا، وسافرت، وانتقلت إلى القاهرة، ورأيت عالمًا أوسع من محافظتي الصغيرة. هناك، بدأت أفهم التناقض: خطاب تحرري في المجال العام، وقمع شديد في المجال الخاص. رجال يطالبون بالحرية لأنفسهم، بينما يوسّعون سلطتهم داخل البيوت.

أدركت بمرور الوقت أن التغيير الذي عشته لم يكن سياسيًا بقدر ما كان وجوديًا. لم يكن مرتبطًا بنظام أو شعار، بل بعلاقتي مع نفسي، ومع فكرة السلطة نفسها: سلطة العائلة، سلطة العرف، سلطة الخوف. وبعد خمسة عشر عامًا، صار من الصعب أن أختزل كل ما جرى في كلمة واحدة مثل "ثورة". مصر اليوم ليست فقط مختلفة سياسيًا، بل مختلفة اجتماعيًا ونفسيًا.

أدركت ذلك مما رأيته من خطاب الثوار لاحقًا. نحن، كنساء، لا نمثل شيئًا لهم. هذه مصر الرجال، التي لا مساحة بها لنساء غير مُعنّفات أو موصومات، فنحن درجة ثانية، كأقلية لا حق لنا في الحياة مثل الرجال الشهداء، الذين ضحوا بأعمارهم وحيواتهم لهذا البلد، متجاهلين أننا -النساء- نواجه حربًا أخرى لا تقلُّ شراسةً عمَّا يحدث، وهي حروبنا مع عائلاتنا لأننا غير قادرات أصلًا على الخروج من المنزل أو فعل أي شيء لهذا البلد.

علينا مواجهة حياتنا الخاصة أولًا قبل أن نصبح قادرات على تقديم شيء لأوطاننا. لهذا موقفي من الثورة الذي يتجدد في ذكراها كل عام، أنها كانت محاولة جيدة، لكن قبل أي ثورات أو تغيير نحتاج لثورة في الفكر، تجعلنا مؤهلين لبناء وطن يسعنا جميعًا ولا يقتصر على فئة دون غيرها تحت أي دعوى!

اليوم، وأنا في الثلاثين من عمري، أنظر إلى يوم ميلادي القديم كمفارقة. أشعر أنني كبرتُ أسرع من الثورة. خسرت أوهامًا كثيرة، لكنني ربحت قدرة أكبر على طرح الأسئلة.

لا أرى المستقبل كامتداد مباشر للثورة، ولا كقطيعة كاملة معها. أراه مسارًا أبطأ، أقل ضجيجًا، لكنه أكثر جذرية. مستقبل لا يُقاس بعدد الميادين، بل بعدد النساء القادرات على اتخاذ قراراتهن بكرامه ودون خوف، كذلك بعدد البيوت التي تقلّ فيها السلطة الأبوية، وبعدد الأصوات التي لم تعد مضطرة للاعتذار عن وجودها.

لا أعرف إن كان جيلي سيصنع تغييرًا سياسيًا واضحًا، لكنني أعرف أننا نصنع تغييرات صغيرة في المعنى، في اللغة، في العلاقات، في تعريف الجسد، وفي مساءلة ما هو طبيعي أو متوقع أصلًا. ربما لن نرى ثورة مكتملة، لكننا نعيش تفكيكًا بطيئًا لما كان يُعتبر ثابتًا، وأعتقد أن هذا أهم درس استفدناه من الثورة، أن نفهم وندرك أن ثورتنا القادمة يجب أن تكون فكرية أولًا!

وُلدتُ يوم الثورة، نعم، لكنني كبرتُ قبل أن تكبر هي.

وربما هذا هو الدرس الأهم: أن النضج لا يعني فقدان الأمل، بل إعادة تعريفه بوعي.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.