تصميم أحمد بلال، المنصة
القضية الفلسطينية لم تغب عن ثورة يناير.

يناير وGen Z| درس مستمر عن طريقنا إلى فلسطين

منشور الأربعاء 4 شباط/فبراير 2026

قامت الثورة وأنا على حافة المراهقة، كان عمري 12 سنة. تسللت حالتها العامة إلى جسدي قبل لغتي. فمعها عرفت الغضب، الارتباك، والرغبة في الرفض والاحتجاج؛ ووجدت في الشارع ما يشبهني. وجد تمرّدي الداخلي مرآته في الشارع، فصار الاثنان جزءًا من التجربة نفسها.

في بيتنا، كانت النقاشات السياسة جزءًا من الحياة اليومية. تشكو أمي بُعدها عن أهلها والغلاء ونهب النظام لموارد البلد وإفقارها. ويشكو أبي ازدحام الطرق وانعدام المساحات العامة والرشاوى. أتذكر معاداتهما للنظام وخاصة سجونه، وإرهاب شُرطته للشعب، وتشبيه سلوكها بسلوك الكيان الصهيوني. ولكن كل هذا كان يُقال بحذر وتعقبه دائمًا توصية "ما تقوليش اللي بيتقال هنا برّه البيت".  

مرّت علاقتي الأولى بالسياسة عبر جسد أمي، الفلسطينية المغتربة في مصر، المعزولة عن أرضها وأهلها. كانت فلسطين جزءًا من تكويني، سياقًا نعيش داخله لا مجرد قضية مطروحة للنقاش. جدي لم يكن يستطيع زيارتنا، لأن النظام المصري لا يعترف بوثيقة اللاجئ الفلسطيني التي يحملها في لبنان.

كان هذا واقعًا يصعب عليّ فهمه كطفلة: كيف يمكن لدولة أن تمنع أمًا عن أبيها وطفلة عن جدّها؟ لم أفهم القوانين، لكنني رأيت أثرها في حزن أمي وغضبها؛ وهما شعوران تسللا إليّ عبر أمي من دون شرح. الشعور الوحيد الذي رفضته أمي كان الهزيمة. كانت تُصرّ على التمسك بالقضية، وتؤمن بالعودة مهما طال الزمن. لذلك حرصَت على أن أعرف تاريخي، وأن أفهم معنى الانتماء والمقاومة.

علّمتني أمي أن النضال من أجل العودة عملية مستمرة من المقاومة، وهي جوهر التحرّر نفسه. ومن هذا الفهم علمتني المقاطعة؛ قاطعنا الشركات الأمريكية لأنها شريكة في قتل أهلنا في فلسطين، وسبب في تهجيرهم من أرضهم. علمتني عن قريتنا "عالما" الواقعة في قضاء صَفَد، وحفَّظتني قصة جدّها الذي تمسّك بالبقاء حتى أُجبر على الرحيل تحت تهديد السلاح.

زاد إحباطي عندما أعادت الثورة المضادة خطاب الحذر والرعب من السجون إلى بيتنا

عندما نزور أهلنا في جنوب لبنان، كانوا يأخذوننا إلى قرية بنت جبيل الحدودية لنشاهد فلسطين ونتعرّف على شكل أرضنا، ولو من بعيد. في تلك اللحظة التي التقت فيها عيناي بالأرض، تشكّلت بوصلتي السياسية. وبين حرص أمي على وعيي السياسي وخوفها عليّ، كانت تذكّرني دائمًا بأن للكلام ثمن، وتحذّرني من إفشاء أي حديث سياسي خارج البيت؛ "عشان منتحبسش".

غضب يتراكم

كانت مدرستي في حي طرة جنوب القاهرة، حيث السجن الشهير حاضرًا في مشاهدي اليومية؛ في طريقي إلى المدرسة يذكّرني بأن الدولة تراقب وأن للكلام ثمن. لم أكن أفهم ارتباكي الداخلي؛ إحساسي بأنني أُخفي حقيقتي، أني أكره هذا النظام. كنت خائفة أن يعرف أحد مدى كرهي للنظام، الذي رأيت فيه سببًا لغياب أبي عني وعمله ساعات طويلة لتوفير حياة كريمة لنا في ظل ضغوطات مادية متراكمة، وسببًا لبؤس أمي لبعدها عن أهلها.

انفجر هذا الغضب مع الثورة التي كسرت كل الحواجز وأصابتني بالذهول. الشوارع امتلأت بالهتافات، والجسد الجماعي صار مرئيًا. أتذكر صرخة أمي "الناس فاقت!"، تحتفل و كأنها عاشت في انتظار هذه اللحظة.

شعرت لأول مرة أن البؤس المهيمن على منزلنا من الممكن أن يزول. راقبت شجاعة الناس وهم ينزلون إلى الشوارع بإعجاب لا يخلو من القلق. كان سؤال المصير حاضرًا دائمًا: هل سيتركهم النظام يعودون، أم سيكون السجن نهايتهم؟

الكاتبة لمى كريم مع جدّها في جنوب لبنان، صورة غير مؤرخة في مطلع الألفية

تسلّلت إلى أمي أيضًا عدوى الشجاعة. لم تعد خائفة؛ صارت تُلحّ على أبي للانضمام إلى الثوار. وبالفعل نزلنا إلى الشوارع وأصرَّت أمي أن تصحبني وإخوتي إلى الميدان خلال الأيام الأولى. كان وجودنا رمزيًا، لكنها أرادت تثبيت الواقع في وعينا؛ أن هذه الثورة لنا ونجاحها يحدد مستقبلنا.

في أول مسيرة شاركت فيها، خرج الصوت من صدري لأول مرة بلا حسابات، وصار جزءًا من صوت أكبر. كان شعورًا غير عادي أن تخرج من عزلة الغضب إلى مشاركته جماعيًا. شعرت و كأن كل شيء ممكن، سنجتمع بجدي وأهل أمي، سنحرر فلسطين، لن نعاني ماديًا، لن نخشى السجون.

انتقلت هذه الطاقة إلى المدرسة ومعها أحلامي بالتغيير. كانت المدرسة مرآةً مصغّرة للدولة. أنتمي إلى أسرة متوسطة الدخل؛ أبي موظف وأمي مدرسة، وكان التعليم هو القيمة الأهم في بيتنا. لكن المدرسة صُمِّمت على أساس طبقي واضح: تمييز بين الطلبة وفق مناصب أهاليهم، إهمال متعمّد للفصول الغير "الإنترناشونال"، وتنمّر يومي يقابله الصمت.

ثورة ناقصة

بعد الثورة، ومع كل ما تعلمته منها عن النضال والتمرّد، صار الصمت مستحيلًا. نظّمتُ، مع عدد من الطلبة، شكوى بدعم خفي من بعض المدرسين. جاء الرد سريعًا وحاسمًا: استُبعدت من أحد الامتحانات، وهددتني المديرة صراحةً بأنها لن تسمح لطفلة أن "تتحدّاها". لم يكن ما حدث صادمًا بقدر ما كان كاشفًا. لم تُسقط الثورة النظام، لكنها عرّت آلياته.

كنت غاضبة، لكن الغضب الحقيقي جاء مع انتصار الثورة المضادة. كان الانتقال إلى زمن الثورة المضادة مليئًا بالصراعات. انحاز أهلي إلى الثوار وكان لهذا ثمنه. اندلعت خلافات حادة مع أقاربنا. ومع أول انتخابات رئاسية، تسلّل شعور الهزيمة من أهلي إلي. بدا الاختيار بين محمد مرسي وأحمد شفيق صادمًا: كيف ينتهي مسار ثورة شعبية إلى هذا؟ كيف يُختزل كل ما جرى في بديلين لا يُمثل أي منهما مطالب الثورة؟

أتذكر النقاشات الحادة في المدرسة حين انقسم الفصل بين مؤيدي مرسي وشفيق. كنت أشتعل غضبًا، عاجزة عن تقبّل هذا الواقع. لم أفهم غياب البدائل. كان واضحًا أن كلا المرشحين منحاز إلى مصالحه السياسية. هذا الانسداد السياسي أحبط أهلي بشدة. تحوّل النقاش من سؤال: كيف نحقق مطالب الثورة؟ إلى تساؤل أكثر مرارة: هل تصبح المقاطعة اختيارًا؟ ضاق الأفق واستبدلت الأنظمة القمعية وجوهها.

الشرطة في تورونتو تراقب مظاهرة متضامنة مع الفلسطينيين، يوليو 2025

كان وعيي السياسي في طور التشكّل. لم أملك أدوات فهم هذه اللحظة أو تعقيداتها، لكنني شعرت بثقلها. صار ارتباك تلك المرحلة جزءًا من تكويني حين اصطدمت "الثورة" بحدود "الواقع". بدأ سؤالي عن السلطة والبدائل يفرض نفسه بحدّة. زاد إحباطي عندما أعادت الثورة المضادة خطاب الحذر والرعب من السجون إلى بيتنا.

أصابني الذهول: كيف نتخلّى عن الميدان الذي بدا، في لحظة ما، الطريق الوحيد لحريتنا ولحرية فلسطين؟ كيف عدنا بهذه السرعة إلى "إمشي جنب الحيط"؟ كان من الصعب عليّ استيعاب كيف انتهت الثورة إلى هذا القدر من الرعب، وكيف يُطلب منا العودة إلى الصمت بعد أن كسر الثوار كل الحواجز، وفتحوا أُفقًا بدا إغلاقه مستحيلًا. استقر داخلي الغضب عندما رأيت الساحة خالية من ثوارها.

مع الغضب، انتابني الحزن على الشهداء، وإحساس ثقيل بأننا لسنا على قدر تضحياتهم. ومع الوقت، تحوّلت تلك المشاعر إلى إنسحاب. ابتعدت عن السياسة، كأن النظر إلى القاهرة صار مؤلمًا. حزنت على القضية الفلسطينية، وعلى أمي التي عادت إلى بؤسها القديم. فقدت الثقة في أن "الطريق إلى القدس يمر عبر القاهرة"، وشعرت أن المدينة خانت هذا الطريق حين تركت الميدان، وتخلّت عن نفسها وعن غيرها في اللحظة نفسها.

انتهت الثورة، ووجدت نفسي مثل كثيرين من أبناء جيلي، في الغربة. سافرت إلى كندا للدراسة والعمل. كانت الغربة محاولة للنجاة: حدّ أدنى من الاستقرار المادي، ومساحة أبعد عن السجون. لكنني اكتشفت سريعًا أن الغَرب الذي لجأت إليه هو عماد المنظومة القمعية التي هربت منها. علمت أن الشرطة الكندية أرسلت عناصرها لتدريب الشرطة المصرية عام 2015. وشاهدتها تمارس القمع ذاته هنا: تفريق المظاهرات بعنف، واعتقال المتظاهرين، خصوصًا من السكان الأصليين والفلسطينيين والمتضامنين معهم، الذين كثيرًا ما يُوصمون بالإرهاب. خطاب وتبرير لا يختلفان عما يستخدم في مصر.

أصبحت السجون أدوات لضبط الخيال، تكاثرها مُوجع لأنها دليل على استمرار محاولات منع أي تصور لمستقبل مختلف

هذا الإدراك أعاد توجيه نظرتي إلى الثورة وإلى دوري فيها. انهزمت يناير لأنها واجهت نظامًا رأسماليًا عالميًا يستفيد من القمع ويعيد إنتاجه. الثورة المضادة هي نتيجة بنية عالمية ممنهجة. الاستغلال والعنصرية والسياسات الأمنية والخطاب الحقوقي الانتقائي، كشفت لي ملامح نظام رأسمالي إمبريالي عابر للحدود، يعيد إنتاج العنف والظلم من الغرب إلى الشرق، لخدمة طبقة حاكمة عابرة للقارات.

رأيت كيف ترفَع كندا ادّعاء الالتزام بالقانون الدولي في الوقت الذي تقتل سكانها الأصليين وتُموَّل الإبادة الجماعية في السودان وفلسطين. كيف يتحدَّث الساسة عن الإيمان بحقوق الإنسان والتماسك المجتمعي بينما تستهدف الشرطة الأقليات، وتُخفَّض الحكومة ميزانيات الصحة والتعليم والخدمات العامة لمضاعفة ميزانيات الشرطة والجيش.

لهذا، عدت إلى يناير في أوائل عشرينياتي بوصفها سؤالًا مفتوحًا ومعركة ممتدة لم يكتمل مسارها بعد. بدأت دراستها من جديد كنتيجة لبنية عالمية، ولحظة اشتباك غير متكافئة. ومع كل قراءة، اتّضح لي أن موقع مصر المركزي في الصراع من أجل تحرير فلسطين حقيقة ثابتة، تتجاوز موجات المدّ والجزر الثوري. فكل مسار للتحرّر الفلسطيني يمرّ عبر القاهرة. عندها تحوّل غضبي من القاهرة إلى وعي بدوري داخل هذا الصراع الطويل، صراع يعيد تشكيل نفسه باستمرار، ويعيد معي تعريف مسؤولياتي تجاهه.

في المقابل، تحاول الثورة المضادة حبس الثورة داخل إطار مأساوي: ماضٍ منتهٍ، لحظة فائتة يجب تأديب كل من آمن بها. وفي هذا السياق، استثمرت السلطة في توسيع السجون وتعميق حضورها، حتى تحوّلت إلى أدوات لضبط الخيال قبل الجغرافيا. تكاثرها مُوجع لأنها دليل على استمرار محاولات منع أي تصور لمستقبل مختلف.

تتراكم أسماء المعتقلين، ويتحوّل غيابهم إلى سؤال ثقيل عن معنى النضال في واقع لم يعد الحبس فيه مقتصرًا على السياسة بل امتد ليشمل كل شيء: الكلام، الفن والكتابة، والخيّال نفسه. اليوم، أرى يناير بعيون أقل رومانسية وأقل قسوة. أراها كتجربة كاشفة عن محدودية العالم ومحدودية التنظيم في هذه اللحظة، عن محدودية ما يمكن إنجازه بالتزامن. جيل الثورة دفع الثمن الأول بأجسادهم، وأعمارهم، وحريتهم. ونحن نعيش امتداد الصراع المستمر الذي لم يبدأ في يناير، ولن ينتهي بعدها.

وأنا، التي بدأت هذه الحكاية كطفلة منبهرة بالصوت والفعل الجماعي، أجد نفسي اليوم تلميذة لهذه الثورة. أتعلم من شجاعتها ومن أخطائها ومن حدودها. أتعلم كي أكون مستعدة، لا لتكرار اللحظة، بل لتخيل واقع ثوري جديد و لبناء لما يأتي بعده.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.