يناير وGen Z| رسالة إلى الزعيم
يوم سقط الزعيم بكيتُ كما بكيتُ في الأيام السالفة حزنًا، وفي الأيام التالية فرحًا ضمن "الزيطة"، ولا تلمني أو تعتبرني متخاذلًا أو جاهلًا. كنت وقتها في مراهقتي، عمري 15 عامًا، وخوفًا عليّ أخذ أبي يحفّظني ما سأقوله لو سألني أحدٌ عن أحوال البلد أو الريّس أو رأيي: رأيي معرفش، وأنا معرفش، وأنا مش أنا. أما الريّس فربنا يبارك لنا فيه، والبلد ربنا يصلح حالها فهو ابن مصر البار، قائد مسيرتها ورمز حضارتها، آه والله حفظني الكلمتين دول من شدة خوفه من انتشار الظلم.
ولأنني كنت أتابع الأحداث عبر التليفزيون المصري الرسمي، المنفصل عن أحوال غالبية المصريين الكادحين رغم وجوده في بيوتهم، بكيت الريّس وتأسفت له، لأن البُعدا استطاعوا التأثير في الناس، خصوصًا من لَم يملكوا أيام الثورة كمبيوتر ولا إنترنت، وهم كثرٌ.
بين الجزيرة والتليفزيون المصري
كنا حين اندلعت الثورة كمشانين بجوار أمي من شدة برد محافظة الفيوم، نتدفأ تحت بطانية مهترئة على حس التراشقات والترقب، نفتح قناة الجزيرة ونتابع ما يدور في خوف، نذهب للصلاة وندعو للبلد، وأمي لا تفارق التليفزيون من شدة خوفها.
تؤدي أمي الصلاة أمام التليفزيون، دون خفض صوته، ومن آن لآخر ترمقه بنصف عين، ثم تقلب القناة إلى التليفزيون المصري فتدعو على الثوار لأنهم مخربون، ثم تعود لقناة الجزيرة فتدعو على الريس وحاشيته وزبانيته بالهلاك العاجل، وببركة دعائك يامّا هلك المذكور بالسوء في الميادين، ولكن لم يهلك كل من أكلوا على طاولته ومن احتقرونا واحتقروا فقرنا لسنوات على التليفزيون، ومن طلبوا منا أن نبوس الأيادي وش وقفا.
ينتج الإعلام اليوم صمتًا فالناس مجبورون على الصمت
ولأن أول ما يخضع للسيطرة بعد الثورات والانقلابات هو الإعلام، لم يقف البث بل تغيرت النبرة، وبكى المذيعون حزنًا لسقوط الزعيم، ثم فرحًا لتنحيه استجابةً لنداء الشعب. يا أمنا مصر الحزينة، نحن أبناؤك الفقراء المتعبون الطيبون، سففنا ترابك طول النهار وتحت الشمس، شربنا المطر، وتعمّدنا بالنيل، كنا بالأمس شياطين حمرًا، مُندسين، كفرة، متخفين، لم يكن الإعلام الذي يفترض أن يكون صوتنا إلَّا صوت السلطة الجائرة، فهل تغير حاله اليوم؟
يُنتج الإعلام اليوم صمتًا، فالناس مجبورون على الصمت. فالمصريون إلى اليوم، لم يوافقوا، ولم يطلب أحدٌ رأيهم في السردية المفروضة علينا على مدار 11 عامًا، لكن الفارق أن إذاعات وتليفزيونات العالم باتت موجودة في كل بيت، وطالما أن أتباع زعيم البلد القديم، بتوع عايزينك يا ريّس، آسفين لك يا ريّس، طالما أنهم هم هم، فلن يتوجهوا بالخطاب إلا للزعيم الجديد، وحين يفعلون سيبحث الناس عن فضاء بديل، يهيلون على أنفسهم من تراب البلد، يهدِّئون الغضب ساعات والكبت ساعات، لأن الغاضبين هنا يروحون وراء الشمس.
أدين لثورة 2011 بتحولي لدراسة الإعلام بدلًا من الطب، معاهدًا نفسي ألا أكون من الكاذبين الذين أخافوني من أهلي الذين انضموا لنداء الثورة. لكني اصطدمت، بمجرد ما أصبحت صحفيًا؛ مهنة شديدة الصعوبة والبؤس، فلم أستمر في الصحافة إلا أشهرًا. لم أجد في الصحافة سوى صدى صوت الزعيم الجديد، الطبيب النابه والفيلسوف النافذ.
هل علمتنا الثورة شيئًا؟ نحن الفقراء الخارجين لأجل العيش والحرية والعدالة والمحرومين منهم أجمعين، المُعاقبين على فتح الفم للأكل وللحرية والعدل، لا لم نتعلم أي شيء. وهل تعلّمت السلطة أي شيء فيما يخص الإعلام؟ ربما تعلمت أن ربط يد الناس خلف ظهورهم وتوجيه نفس الرسائل من خلال نفس الإعلاميين قد يفيد. وربما تعلمت أن دس التراب تحت السجاد سيفيد. ولكن وفي يوم من الأيام ستطير السجادة ومن عليها وسينزلق الجميع إن أتى فيض من الماء!
من يسمع شكاوى الناس؟
الناس يبحثون عن الاستقرار ويطلبونه، هل يعقل أن يختار إنسان غير هذا؟ لكن كيف لي أن أستقر ولحم بطني ليس مستقرًا، لا شيء فيها سوى الجوع والمرض، والجوع كافر. يا سيدي هؤلاء الناس ليسوا كفارًا لا بك ولا بالاستقرار، سيرضون بك وبقليلهم، كعادتهم على مر الزمان، لكن حتى هذا القليل لم يعد متاحًا.
يتغير الإعلام اليوم في كل الدنيا، كمفهوم ووجود وهدف. وتسقط السُلطة، أعني سلطة الصحافة، لحساب الجليل الأعلى؛ التقنيات والتطبيقات التي جعلت من الناس حشودًا. ولأن الإنسان الجالس خلف الشاشات اليوم آخره أن يكتب، أن يشارك أو يصوّر، فحين يحشد هؤلاء الغاضبون نفسهم سينقلب كل شيء، وأنا كمحبٍ للاستقرار ولهذه البلاد لا أتمنى أن يحدث هذا، ولهذا أكتب.
سيدي الزعيم، نحتاج إلى خطة تواصل. الناس يا سيدي يبتعدون عنك كل يوم، ومذيعو الليل الزاعقون فيهم ليسوا قريبين منهم.
في إحدى سفرياتي للخارج، وأنا مستقل سيارة الفندق، سمعت برنامجًا إذاعيًا لا يفعل المذيع فيه شيئًا إلا سماع الناس، كأنه ديوان رئاسي قديم لكن الناس اصطفوا على الهاتف لا أمام الأبواب والأسوار، يتحدثون مع المذيع لا مع السلطة. يتصل المذيع بعد سماع الشكوى بالمكاتب الحكومية المختصة للتدخل.
أحسست حينها، رغم أنني لست ابن تلك البلد، برغبتي في الانتماء لها. لماذا لم نجد لليوم مثل تلك القنوات؟ لماذا لم نصنع مواثيق شرف إعلامية جادة يجدد فيها الإعلام التزامه ناحية الناس ويتغير فيها هذا الطقم الكريه الكاره للمصريين، البعيد كل البعد عنهم، الذي لا يشعر بالناس اللي تحت، على العكس مما درسنا في كليات الإعلام، أن الإعلام ناقل من تحت لفوق (الطبقات للسُلطة) والعكس؟ فهل تجدون الإعلام اليوم إلا متحدثًا عن إنجازات الحكومة ومتحدثًا بلسانها؟ أليس لتلك الحكومة التي طال بها الأمد حتى وإن تغير شكلها، متحدثون؟
سيدي الزعيم، لأجل النبي وأهل بيته والأولياء الصالحين، أرجوك غيّر طقم إعلامك. اِعتمد على كروان مشاكل في الوصول للناس وسماع شكاويهم، أو على المساكين الذين تزج بهم الشرطة بيضاء الزيّ سوداء العمل في السجون بسبب تنفيثهم عبر شاشات الموبايل التي لم يجدوا سواها منفذًا. أرجوك، غيّر طقم الشركة المتحدة التي اتحدت على المصريين لا من أجلهم، ووزعت على كل مذيع جهاز سامسونج ضمن متطلبات الوظيفة.
هذه القصة من ملف يناير وGen Z| تكلم حتى أراك
يناير وGen Z| أكثر واقعيةً.. أقل اندفاعًا
من أبرز تجليات رؤية جيلي للحياة في مصر الآن هو السعي إلى الهجرة. بالنسبة للبعض، لم تعد الهجرة مجرد خيار اقتصادي بل موقف سياسي صامت يعكس فقدان الأمل في حياة عادلة.
يناير وGen Z| شهادة طفل من أطفال الثورة أصبح شابًا تحت لواء الجمهورية الجديدة
على جيل يناير الآن أن يكتب وأن يعترف بأخطائه ليمنحنا أرضًا أكثر صلابة. عليه أن يمنحنا نظرية أو دروسًا يمكننا الاتكاء عليها، أو الاحتماء بها حين يأتينا رصاص الطرف الثالث.
يناير وGen Z| ثورة بلا وريث.. لماذا تركتموها يتيمة؟
يبقى السؤال الحقيقي ليس "هل نجحت الثورة أم فشلت؟"، بل "هل الثورة التي لا تُورّث للأجيال الجديدة.. تظل ثورة؟".
يناير وGen Z| الشوك اللي طرح في جناينكم
صرنا فردانيين، كل يشق طريق نجاته وحده، لأن مشروع البيت المشترك لم يجد من يضع حجره الأول. نحن قطع حادة حية مهملة. ولكن حتى في ظل الإهمال، يستمر شيء ما في النمو، فرادى، ولكن معًا.
يناير وGen Z| العشاء الأخير للمصريين
الطبقية الثقافية هي سرطان الثورة. صحيح أن النظام عمل على تفكيك الكتلة الشعبية ولكن الطبقية ساهمت في هذا التفكيك. أي كِبَر أصاب الثوار ليروا أن كلمتهم هي العليا والأصغر منهم سفهاء؟
يناير وGen Z| لا ثورة بلا خيال
نحن لسنا بحاجة إلى تأويل جديد لأيقونات قديمة، إنما نحن بحاجة إلى فهمٍ أشد صرامة لما يقتلنا وكيف يقتلنا، وإلى شجاعةٍ أقل رومانسية في بناء ما يحمينا.
يناير وGen Z| تمنيت لو انتظرتمونا قليلًا.. أو تركتم لنا راية نحملها
رأيت من تمسك بحلم يناير يدفع الثمن حبسًا أو موتًا أو نفيًا، والبقية يشاهدون دون أن يفعلوا شيئًا. ربما لم يكن للجيل الأكبر خيار سوى التخلي عن الحلم؛ ربما كانت الخسائر أكبر من قدرته.
يناير وGen Z| نوستالجيا الذين كبروا في غضون أسابيع
عشنا معنى الحرية وتشكلت ذواتنا حوله. كانت ثورة يناير بمثابة قفزة في أعمارنا وإدراكنا، لقد حولتنا تلك التجربة المكثفة من أطفال عاديين إلى أصحاب آراء في الشأن السياسي في غضون أسابيع.
يناير وGen Z| عن ثورة لم أرَ سوى توابعها
ما نحتاجه هو بناء تنظيم سياسي قادر على غرس الأفكار قبل أن تمتلئ الميادين، وتدريب الناس على ما يجب فعله في اليوم التالي للنصر.
يناير وGen Z| وُلدتُ يوم الثورة.. وكبرتُ قبل أن تكبر هي
ثورتـي الحقيقية بدأت مع الاحتكاك بالتقاليد في سوهاج، ومع الأسئلة التي يفرضها الجسد الأنثوي في مجتمع يراقبه باستمرار. ثورتي بدأت ضد التوقعات التي تلقى علي فقط لأني امرأة.
يناير وGen Z| كبرنا.. وورثنا جرحًا لا يلتئم
إذا تكررت يناير، أو حتى ما يشبهها ولو من بعيد، سأكون من أول الناس في الشارع، لا من أجل أبي وأمي والشعب فقط، بل لأن هذا ما أدين به لنفسي ولمستقبلي، لو كان لنا مستقبل في هذا الوطن.
يناير وGen Z| عن القهر والثورة والبقاء
في السنوات التالية، تعلمنا الشك. هل كان الأمر يستحق كل هذا؟ ألم نكن لنكون أسعد لو بقي الشهداء معنا؟ لو اكتفينا بالسكوت؟ لم يُحاسب أحد على هذه الدماء. ضاعت الحرية تحت قبضة جديدة.
يناير وGen Z| أفقنا فأنعسنا الأنين وصوت أمريكا
نعيش جميعًا في عشةِ القمع نتصارع فيها كالديوك، ونقتات على الانتصارات الهزيلة غير مدركين أن الكراهية هي رفاهية لا نملكها، فحياة الكل معرضة للخطر.
يناير وGen Z| نعم.. إحنا "العيال" اللي كانت في ابتدائي!
كبرت وفهمت أن معظم الأحداث تقع في المنطقة الرمادية فلا خير مطلق أو شر مطلق. ورغم الجدل الذي يتجدد كل عام "ثورة ولا مؤامرة" إلا أني حتى الآن لا أستطيع أن أراها إلا بعين الطفل، حلمًا
يناير وGen Z| الثورة التي لم تعد كذلك
فلنحسب من منا ضحى بنفسه أكثر، كم منكم في السجون وكم منا في السجون أو المنفى؟ كم منكم له ألف مدافع وكم منا غاب عن النظر والسمع، لا نعرف عنهم شيئًا لأنكم مشغولون بأنفسكم.
يناير وGen Z| درس مستمر عن طريقنا إلى فلسطين
مرّت علاقتي الأولى بالسياسة عبر جسد أمي، الفلسطينية المغتربة في مصر، المعزولة عن أرضها وأهلها. كانت فلسطين جزءًا من تكويني، سياقًا نعيش داخله، وليس مجرد قضية مطروحة للنقاش.
يناير وGen Z| علينا اقتلاع العَفَن من بيننا
إن التهميش الواقع علينا وحرماننا من أي عمل جماعي، يتم بقصد من بعض الأطراف. لقد كفر أغلب جيلنا بكل ما سبقه، ويريد الآن أن يصنع تجربته الخاصة، ولكن دون وجود أدوات، وهذا نذير شؤم.
يناير وGen Z| مش باقي مني غير...؟
لم يتركوا لنا سوى صور الميدان وشظايا أحلام. عندما أقرأ عن يناير أفكر أنه كان حريًّا بهم أن يفعلوا كذا وكذا. ثم أذكر ما فعلنا نحن، بالأحرى ما لم نفعل حين بدأت حرب الإبادة على غزة.
يناير وGen Z| الأمل الذي يثير الخوف
تعلمت من الثورة مَن يقف مع مَن، فهمت أن هناك معسكرات، وأن الناس لا يتفقون، وعندما يخاف البعض، يكون هناك آخرون سعداء.
يناير وGen Z| ما لم نتعلمه بعد الهزيمة
لم تُهزم يناير في 2013 فقط، حتى لو افترضنا أن ما حدث كان سذاجةً أو فشلًا سياسيًا، فنحن منذ ذلك الحين وحتى الآن، لم نتجاوز الماضي ونفتح نقاشًا حقيقيًا حول الحلول البديلة.
يناير وGen Z| مكسبها الأوحد تعرية "الجماعة"
الخلاص من التيار الإسلامي لم يكن ليتأتى سوى بفعل جماعي بحجم ثورة يناير التي فتحت المجال للجميع للتعبير عن آرائهم، ومنهم التيار الإسلامي، فنضح الإناء بما فيه وطفحت قناعاتهم.
يناير وGen Z| رسالة إلى الزعيم
سيدي الزعيم، لأجل النبي وأهل بيته والأولياء الصالحين، أرجوك غيّر طقم إعلامك. اعتمد على كروان مشاكل في الوصول للناس وسماع شكاويهم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.