يناير وGen Z| مكسبها الأوحد تعرية "الجماعة"
الموقف تجاه الأحداث الكبرى لا يمكن أن يظل ثابتًا، ما بالك بحدث كينايرٍ شكَّل الدين والسياسة والمجتمع في مصرنا اليوم. ولا يمكن لمن عاصرها طفلًا وشاهد تحولاتها مراهقًا وأصبح رجلًا في ظل الأوضاع التي ترتب عليها أن يكون موقفه ثابتًا منها بالطبيعة.
أكتبُ هذا المقال لرفع حرج وكلفة تجاه ثورة يناير، لموقفي الأخلاقي والسياسي في تأييد النظام الحالي، وليس لرمسنتها (تدعيم طابعها الرومانسي)، أو الزعم بمخالدها. فهي في نظري لم تحقق سوى مكسبٍ واحدٍ على كثرة ما تغنّى بها مناصروها.
بالحديث عن الموقف السياسي، كنتُ في مراهقتي نشيطًا على تويتر، ومعجبًا برموز النضال الذين يبجلون الثورة والثائرين. أتذكر أربعة من رموزها كنتُ دائمًا ما أبجّلهم وأُظهر احترامي لهم، بل ربما كنت أقدِّس آراءهم أحيانًا وأحذو حذوهم في جميع مواقفهم والقضايا التي يناصرونها: محمد البرادعي وعلاء الأسواني وخالد علي وبلال فضل؛ مع حفظ الألقاب.
بالتالي كان موقفي مما تلا الثورة من الأحداث التي حددت هويتها ومسارها مبنيًا على آراء هؤلاء؛ مثلًا موقفي من المجلس العسكري ومن جماعة الإخوان المسلمين، ورأيي في كل كيان وحدث كان مبنيًا بالأساس على آرائهم وتصنيفهم وتقديرهم للأمر. الجهة "س" سيئة لأن حرية الرأي والعقيدة فوق كل شيء، والجهة "ص" معرقلة لأنها تستغل المقدَّسات في السياسة.
لم أعرف في ذلك الوقت، وأنا بعد في مرحلة التكوين، تصنيفات اليمين واليسار، الإسلاميين والليبراليين؛ كنت أرى الجميع يسعى خلف هدف واحد وهو: دولة ديمقراطية وتداول للسُلطة، وأن هناك معرقلًا واحدًا، وهو بالطبع من يرتدي البذلة الرسمية لأي جهة من جهات الدولة.
جرّني طوفان الأقصى إلى العودة لسؤال الشأن العام مرة أخرى ومساءلة ما حققَته الثورة
ولكن بعد استقرار الأوضاع في البلاد وجدتُ أن حكمة العصر الذي وُلدت فيه كانت أن "بإمكان الجميع أن يُصبح أي شيء". وعليه فقد اخترت طريق النجاة الفردية وعملتُ ما في وسعي لعدم الانشغال بأي شأنٍ عام. ابتعدتُ تمامًا عن أي تطوير لأفكاري السياسية قانعًا أن التغيير يبدأ من الفرد وينتهي به. فقط، كنت ألتقط هنا وهناك ما قد يؤيد موقفي الأخلاقي "التأييد التام للثورة واللعنة التامة لأعدائها".
حصلتُ على فرصة تدريب في الفرع المصري لواحدة من أكبر الشركات العالمية في مجالي، تصميم الدوائر المتكاملة/IC design. وفي اليوم الأول، قال لنا مدير الفرع إنه "قرر التخلي عن حلمه الأمريكي والعودة إلى مصر لتأسيس هذه الشركة في ظل الأحلام الوردية التي ورفت بعد 25 يناير"، وأردف "إن كان هذا التاريخ يمثل لكم شيئًا".
بالطبع كنتُ أنا الوحيد الذي أجبته "نعم، في ظل فترة الأحلام". كان ردي تلقائيًا، ولم أكن أتصور يومًا أنه يُمكن أن يصبح هذا موقفي تجاه الثورة بأكملها.
جرّني طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، كما جرّ غيري، إلى العودة لسؤال الشأن العام مرة أخرى، ومساءلة ما حققَته الثورة، فوجدت نفسي أمام مكسب واحد: فضح كل ما هو إسلامي. والفضح هنا ليس سلبيًا، فقد أصبحت الأمور واضحة للكافة.
ثورة يناير التي بدأت كحدث سياسي يطالب بمد الأمان الاقتصادي لجميع طبقات الشعب، وتوفير مناخ ديمقراطي يسمح للقاصي والداني ومن توافرت له الأهلية، أو لم تتوفر، باختيار مَن ينوبون عنه ومَن يديرون موارده وصراعاته الخارجية، الثورة التي بدأت كحدث سياسي يطالب بالعدالة للجميع؛ قد غيّرت مسارها.
لعجائب الأقدار، تحوّلت ثورة يناير إلى ثورة اجتماعية على التيار الإسلامي بين أطياف المجتمع، وأعني حرفيًا التيار الإسلامي لا الإسلام السياسي. وهو التيار الذي يمكن تعريفه، بكثير من الاختزال، بأنه التيار الذي يرى أن معتقداته جديرة بأن تستبدل معتقدات الآخرين، بل وتُحاكمهم وتحكمهم.
لم يتعلم التيار الثوري بعد أن الإنسان الفرد في عالمنا لم يعد فاعلًا
كانت هذه الثورة بداية النهاية لهم ولأفكارهم. لكننا لم ندرك نهايتهم بعد، فهم تيار أعاد توطين نفسه مرّات ومرّات في أحلام ومخاوف أفراده، وروابط مجتمعه. تقول نبوءتي الشخصية "إن هذه الدولة لم تشهد الإسلاميين بعد".
أولًا، لأن هذا التيار في نزعه الأخير قد يصبح أكثر تطرفًا واستماتةً. وقد أكدت لنا أحداث طوفان الأقصى أن "الدولة الحديثة" لا تُقدّم لنا -نحن أبناء الجنوب ودول الشرق الأوسط- سوى القتل في نموذج إسرائيل وأمريكا، وأن الكُفر بها أهدى وأقوم سبيلًا.
بعد الطوفان، صارت الدولة القومية بمفهومها الحديث محل تساؤل في بلادنا. صار مُبرر عدم مساعدة غزة أنها تقع خارج نطاق دولتنا، وأدى هذا إلى إعادة مفهوم الأمة بديلًا عن الدولة للنقاش من جديد، ليس فقط بين أتباع التيار الإسلامي ولكن عند أطياف واسعة.
وثانيًا، لأن الفاعل المضاد، وهو التيار الثوري، لم يتعلم بعد أن الإنسان الفرد في عالمنا لم يعد فاعلًا، وأنه لا يوجد كيان يوحد جهود الأفراد، وأقصد في الدول الغربية طبعًا.
شِبه الدولة أفضل من اللا دولة
لماذا أؤيد موقف النظام الحالي تجاه ثورة يناير؟ لأني أفضل أنصاف الدول على اللا دول، وأُفضّل المسار الواضح -حتى في الخروج من "شبه الدولة" التي نعيشها- على المسار الغامض.
ولماذا أؤيد ثورة يناير؟ لأن الخلاص من التيار الإسلامي لم يكن ليتأتّى سوى بفعل جماعي كبير بهذا الحجم، فتح المجال أمام جميع الناس للتعبير عن آرائهم. والأهم، أنه جعل التيار الإسلامي والإسلاميين يعبّرون أيضًا عن آرائهم، فنضح الإناء بما فيه وطفحت قناعاتهم التي هي في غاية الغرابة والعدوانية والإقصاء.
هذا الخيار الذي يبدو شخصيًا للغاية وجد إرهاصاته في أول انتخابات رئاسية عام 2012: بين نظام لم يمُت بعد ونظام يريد أن يكرر موت أجدادنا لأن عزاءهم الوحيد يكمن في موتنا أيضًا، وبالطريقة نفسها.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

