يناير وGen Z| مش باقي مني غير...؟
كنتُ في الثامنة، واليوم بعد مرور خمسة عشر عامًا أنا مصدومة ومحبطة.
في العقد الذي تلا الثورة، حفظتُ مشاهدها عن ظهر قلب، أنتظر الخامس والعشرين من يناير كل عام لأراجع أرشيفها الذي يُبعث للحياة على التايملاين. أدون ملحوظات في مذكرتي وأُشغِّل بلاي ليست من أغاني الثورة: في كل شارع في بلادي صوت الحرية بينادي، يا اه يا الميدان.. كنت فين من زمان؟، يا بلادي يا بلادي.. أنا بحبك يا بلادي.
أسمعها بتكرارٍ لا أمله، كأنّي أتشبث بشبح ذكرى. أتذكر والدي وأعمامي في منزلنا يجمعون ما توفر من أدوات الحماية ليشكلوا لجنةً شعبيةً أثناء موجة الانفلات الأمني التي فجّرها حسني مبارك ليرسخ معادلته "إما أنا أو الفوضى". أضحك حين أتذكر رد فعلي على "شاهد عيان" شريط الأخبار الذي يُدلي بتصريحاته على القنوات التابعة للدولة، أسأل والدي الذي يبدو غاضبًا أيضًا، "بابا هما ليه جايبين واحد عيّان يسألوه، مش يعالجوه الأول؟".
واليوم بعدما أصبحت في الثانية والعشرين، خريجة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وبعد أحداثٍ وتحولات وآلام ومخاضٍ لا ينتهي، توقفت عن مراجعة أرشيف يناير، وعن الكتابة عنها في مذكرتي منذ ثلاث سنوات، ولم تعد تغريني أغانيها بالأمل.
جيل ما بعد 2013
هذا العام هربتُ من ذكرى يناير كمن يهرب من موته؛ أتفادى التايملاين كي لا تظهر أمامي فيديوهات وصور الميدان، أبتعد عما يحمل اسمها، وعن الأشخاص الذين يذكرونني بها. ونجحت، إلى أن سمعت صوتًا مهزومًا جريحًا، يصرخ "مش باقي مني غير شوية ضي في عينيا، أنا بهديهُملك وأمشي بصبري في الملكوت، يمكن في نورهم تلمحي خطوة تفرق معاكي بين الحياة والموت".
هنا توقفت عن الهرب، وبكيت بكاء المقهور: ما الذي تبقى منّا نحن الذين كنا أصغر من نشوة الثورة وأصبحنا أكبر من أن نعيش على ذكراها؟ ماذا نفعل نحن أبناء المنتصف؟ إذا كان جيل الستينيات هو "جيل الهزيمة"، والسبعينيات "جيل العبور"، وإن كان هناك "جيل الثورة"؛ فنحن جيل المنتصف، أبناء المخاض الذي لا ينتهي.
مش باقي مني غير شوية قوة في إرادتي،
حاسبي عليهم وأنتِ بتخطي..
هل تبقّى فينا إرادة، هل تبقى منّا شيء أصلًا؟ تعود إلى ذاكرتي محاضرة لمادة الرأي العام في العام الرابع والأخير من الكلية، كانت الدكتورة تشرح كيف يتشكل الرأي العام وكيف يُصنع ويُدار، وما دور الأحزاب فيه.
وفي معرض حديثها ذكرت اسمًا لرئيس حزب وسألتنا، نحن طلاب العلوم السياسية لأربع سنواتٍ، "عارفينه طبعًا؟"، لكن الصمت ساد وأدهشها. سألَت، "عارفين حزب كذا؟، طيب كذا؟، وكذا؟". صمت طويل صادم. عبّرت الدكتورة عن خيبة أملها فينا.
"إحنا جيل ما بعد 2013 يا دكتورة"، اخترق صوتي الصمت. كنت سئمتُ تعليبنا في قالب الجيل الذي لا يكترث، الجيل الذي انكفأ على نفسه وتمحور حول ذاته، الجيل الذي كل همه الشهرة، السوشيال ميديا والترند والعلاقات، الجيل الغاضب دون مبرر. لخصَت جملة "إحنا جيل ما بعد 2013" كل هذا، زمّت الدكتورة شفيتها وتابعت شرحها دون أن تسألنا طيلة ما تبقى من الفصل الدراسي عن أي شيء يخص مصر.
مش باقي مني غير شهقة في نفس مقطوع،
وأنا صوتي مش مسموع
لماذا أكتب شهادةً؟ لماذا أكتب أحداثًا أجاهد لأنتزعها من ذاكرتي وأجزم أن ملايين غيري يحاولون مثلي؟
اقتلاع الميدان
عِشت أعوام ما بعد الثورة في إحدى دول الخليج، حيث سافر والدي للعمل، تمر ذكرى يناير كل عام بعيدًا عن الوطن، أُشارك إخوتي الصغار أغانيها وأُجبرهم على مشاهدة أرشيفها ووثائقياتها معي، حتى غدا هذا طقسًا سنويًا لنا جميعًا. كأن الميدان هو ما يربطنا بالوطن الذي قضينا معظم عمرنا بعيدًا عنه، ولم نلمح منه سوى طيف باهت في الإجازات الصيفية القصيرة.
رأيت "الميدان" للمرة الأولى وأنا في عامي الجامعي الأول، كنتُ برفقة زميلتي في السكن نتمشى في شوارع القاهرة التي عادةً ما يتوه فيها أبناء الأقاليم. وأثناء تيهي سألت عسكري في الشارع عن اسم المكان، قال، "ده التحرير يا آنسة". صُعِقت، وكررت عليه السؤال حتى ظنّ أني مخبولة، جلست على الرصيف أنظر لما أصبح عليه "الميدان"؛ مسلةٌ طويلةٌ شاهقة، أضواء كثيرة، مساحات صغيرة مقسمة. التفت لرفيقتي، "ده الميدان؟ ده التحرير؟".. وبكيت.
كيف يُنزع موقع جغرافي ثابت من مكانه؟ كيف اختفى الميدان؟ ظلّ هذا المشهد يراودني في كل مرة زرت وسط البلد بعدها، أقصّه على نفسي ومن معي كذكرى، واليوم أستميت في النسيان. فالذكرى مؤلمة، والنسيان أشد إيلامًا؟
يا حلمنا الموجوع، من المرور ممنوع، وأنا صوتي مش مسموع...
يا حلمنا الموجوع، من المرور ممنوع، مستني لما يمر موكب سلاطينك..
لم نشهد مرحلة "سيبوهم يتسلوا" التي سبقت الثورة، ولم نشهد الحرية والأمل والحلم أثناءها، ولم ندرك تشابكات الأوضاع التي أعقبت 2011. لم نفهم تعقيد أحداث ما بين 2012 و2014، وعلّ لا أحد يفهم حتى الآن. ولكننا شهدنا ما تلا ذلك من ألم، كوابيس، انقسام، غضب، ومحاولات التعافي والالتئام.
أبناء غير شرعيين
عشنا "طوفان الأقصى" وتبعاته التي قيل إنها "ستغير الشرق الأوسط كله"؛ فتابعنا كل مشهدٍ، خطاب، تصريح، حدث، وقصف، وهدنة لا تُحترم. شهِدنا آلام المخاض مرتين: مرةً في يناير، ومرةً في أكتوبر.. ورغم ذلك لا نلد.
نهرب اليوم من صور يناير، ومن أصوات الناس في الميدان تحت خنقة الغاز المسيل للدموع ومن أصوات الرصاص. ونهرب من صور غزة ومن صرخات المقهورين تحت القصف والبرد والجوع. ماذا تبقى منّا نحن الجيل الذي لم يشهد الحياة، وشهد الموت.
مش باقي مني غير شوية دم، متلوثين بالهم
مُرّين وفيهم سِم.. مقدرش أسقيكي مواجعهم
وبرضو مقدرش أرميكي وأبيعهم
يمكن في مرة تطلبيني شهيد
هحتاج يوميها الدم يمضي على شهادتي
لماذا أكتب رغم أني أقسمت ألَّا أكتب عن يناير؟ لأني حين رأيت الميدان أمامي لم أجِده، ولأن العبء أكبر من أن أحمله وحدي، ولأن النجاة الفردية التي طالما عُبّئ فيها جيلي واختُصِر؛ لا تمثلنا. أكتب وأنا مكبلةٌ بألف حلم رماه من سبقونا على عاتقنا ثم استحال كابوسًا، بألف عين ترقب، وبملايين الأسئلة.
ماذا تبقى منا، وماذا تبقى لنا؟ لم يتركوا لنا شيئًا سوى صور الميدان، شظايا أحلام، والكثير من العِبر. عندما أقرأ عن تلك الفترة أفكر أنه كان حريًّا بهم أن يفعلوا كذا وكذا. ثم أذكر ما فَعلنا نحن، أو بالأحرى ما لم نفعل حين بدأت حرب الإبادة على غزة، وحين استمرت.
ربما لا نجد رايةً نحملها ولا خريطةً نمشي عليها. تُرِكنا تائهين وسيزيفية قدرنا تحتم علينا ألَّا ننسى وألَّا نُطيق البقاء في الذكرى. لكنها تحتم علينا أيضًا أن نواجه ما عكفنا نهرب منه، أن مَن سبقونا سعوا وإن لم يُكلل مسعاهم بالنجاح. وأننا مثلهم؛ أبناء غير شرعيين لحلمٍ ربما آن أوان تجاوز ثنائية الحنين-النسيان خاصة بعد 15 عامًا من الغرق، والبدء في العيش بأعباء الحاضر والمستقبل فحسب، إذ إننا تعبنا من أعباء ماضٍ لا نملك تغييره.
هذه ليست دعوةً لانتزاع يناير من قلب الذاكرة، بل لمساءلتها عوضًا عن رثائها، لفهمها وتفهم ثوارها عِوضًا عن تبني ما ورثناه عنها وعنهم.
ربما "سيزيفية" قدرنا تحتم علينا اليوم أن نروي قصة الثورة من أعيننا الصغيرة التي التقطت لحظاتها الأولى ولم تعشها، أن نسجل ما شهدناه وما لن يحكيه أحدٌ غيرنا؛ كي لا يرى غيري الميدان مثلما رأيته، أو بالأحرى كما لم أره.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.