يناير وGen Z| الأمل الذي يثير الخوف
ليلة الرابع عشر من يناير 2011، أدخلُ صالة البيت التي لا يضيئها سوى التليفزيون فيما يقف أبواي أمامه. يصرخان فجأةً فرحًا، ويتعانقان. لا أذكر يقينًا وأنا ابنة السابعة إن كانا بكيا. تأخذني أمي بين ذراعيها وترفعني عاليًا. أكاد ألامس السقف. لم تفعل ذلك من قبل. "بن علي طار! ده يوم تاريخي يا شمس!".
بعد لحظة ذهول أمام حالة والديّ اللذين يفترض بهما الرزانة، انتابتني أيضًا دفقة مشاعر جياشة، أحسست بقوة وشجاعة ممزوجة بشيء من الخطر. رأيت شيئًا في عيونهما لم أره من قبل، رأيت كمية من الأمل.. تثير الخوف.
من تونس إلى القاهرة
لعامين على الأقل، ظل التليفزيون دائرًا دون انقطاع، حتى جاء يومٌ سكت فيه إلى الأبد. جلست أمي على الكنبة، أمسكتُ الريموت، وأطفأته "خلاص". وظل مطفأً؛ التليفزيون، وأمي، والبلد.
يقول والداي إنني "بنت الثورة"، وأعتقد أننا كُثُرٌ.
في الصف الثاني الثانوي، في حصة اللغة العربية بمدرسة الليسيه الفرنسية، كتب الأستاذ على السبورة اسم كتاب. كتب ببطء، "الشعب..."، فتردد همسًا في الفصل "يريد.. إسقاط النظام". كان همسًا لا إراديًا من الفصل بأكمله كأنه صدى لصوت يرن في آذاننا. لا تُخطئوا الفهم، لسنا جميعًا ثوريين، بل كنا فقط "أطفال الثورة".
كبرنا مع هذه الشعارات؛ كنا نلعب "الثورة" في الفسحة، ونغني أغانيها حين نصاب بالملل. إذا كانت هذه الكلمات ظهرت للكبار فجأة مثقلة بالمعاني، فهي بالنسبة لنا أغانيَ ما قبل النوم. إنها أشياء تسكننا، ضجيج لا يُنسى، بل أكثر من ذلك، تفتحت عيوننا وكبرنا ونحن نسمعها ونهتف بها. حين نسمع "الشعب"، نعرف تمامًا ما يتبعها؛ شئنا أم أبينا. وإن كان لدى الكبار شكٌ فيما يفهمه الأطفال، فاعلموا أننا فهمنا كل شيء.
ذهبتُ لأمي لأخبرها بإحباط شديد أن الفتى الذي أراه ذكيًا ووسيمًا في فصلي لا يعرف سميرة إبراهيم، كانت بطلتي.
أتذكر الناس، الحشود، الوجوه الباسمة، والأصوات. كل ما تبقى لي الآن قوة كل هؤلاء الناس معًا والخوف والعنف أيضًا. أتذكر طالبات الجامعة وهنّ ينظمن حركة المرور. أتذكر أبي وهو يزيح كتل الخرسانة بسيارته ليغلق شارع بيتنا. أتذكر كل سهرات الكبار الذين أنصت لهم بينما يتحدثون، يختلفون، ويحكون قصصًا عن المعارك، قصصًا مجنونةً وأخرى مخيفة. رغم كرهي لرائحة السجائر، كنت أتحملها لأستمع لنقاشات المطبخ والبلكونة.
تعلّمت من الثورة مَن يقف مع مَن، فهمت أن هناك معسكرات، وأن الناس لا يتفقون. وعندما يخاف البعض، يكون هناك آخرون سعداء. أدركت معنى أن يجهل الفتى الذكي الوسيم الذي أعجبني في الفصل مَن هي سميرة إبراهيم، في الوقت الذي أرى أنا وجهها على كل الجدران وأعرف ما يعنيه جرافيتي الـblue bra، وأن هناك آخرين في المدرسة يقولون إن الثورة "مش كويسة".
أتذكر السندوتشات التي كنا نوزعها مع أمي في الميدان. أتذكر جدران الشوارع التي أصبحت جميلةً وملونةً، الدبابات، الناس يتحدثون.. الجميع يتكلم. أتذكر مشهد الميدان من الشرفة المطلّة عليه من أعلى. وصوت الهتاف الجماعي؛ كان شعورًا رائعًا أن نتمكن من الصراخ بكل قوتنا، فحتى حق الصراخ لا نملكه عادةً.
عشت الهلع مع أبي يوم نزلت أمي وانقطعت الاتصالات. الروائح، صوت الطلقات، الكبار وهم يحاولون إخفاء الأشياء، بدت لي أشياء كثيرة يصعب إخفاؤها. المروحيات؛ تلك التي ظلت أصواتها في أذني طويلًا بعد نهاية الثورة.
ظل الضجيج عامين حتى خيم الصمت، انطفأ كل شيء تمامًا كالتليفزيون.
من القاهرة إلى باريس
انتقلتُ من القاهرة لباريس لدراسة الهندسة المعمارية، أحببتُ تعلّم كيف يمكن بناء بيوت جيدة غير باهظة الثمن. لم أدرك وأنا أترك القاهرة أني حملت الكثير بداخلي، فما عشته طفلة انتقل هنا معي.
قامت في فرنسا حركة احتجاجية واسعة ضد قانون التقاعد الجديد شارك فيها طلاب الجامعات، فالقانون الذي يقلّص حقوق العمال سيُطبّق على الطلبة بعد تخرجهم.
قررتُ مع أصدقاء آخرين الانضمام لإحدى المظاهرات. ذهبت مع صديقتي المغربية حسناء. قلت لها يجب أن نمسك بأيدي بعضنا البعض، وإذا حدث شيءٌ نغادر فورًا؛ كنت أكرر عليها الجملة التي قالتها لي أمي قبل عشر سنوات، أدركت وقتها أني حملت معي الكثير من الثورة التي عشتها طفلة.
كان علينا الذهابُ سيرًا على الأقدام، فعمال المترو مضربون. سنمشي بعدها كثيرًا وستصبح المشاوير الطويلة عادةً. ظهرت سيارات الشرطة تدريجيًا على جانبي الطريق. تذكرت عبوري كوبري قصر النيل مع ماما، وسؤالي لماذا يحطم الناس الحجارة بدقة ويضعونها في قماش. عرفت ساعتها كيف يعمل المقلاع، حدثتني أمي حينها عن المواجهات مع الشرطة. كنت أعرف أن هناك مَن يموت حتى وإن لم تقل هي شيئًا، فالتليفزيون كان يُعلن عن أعداد القتلى.
اقتربنا من ساحة "الجمهورية"، سمعت هديرًا، أحسستُ به في صدري. شددتُ على يد حسناء.
تذكرت وصولي ميدان التحرير في حماية أبي وأمي، يحيطان بي من الجانبين. في تلك المرة لم أرَ الشرطة، لكني سمعت الهدير؛ هدير كل الأعضاء البشرية وهي تعمل، قلوب تنبض، رئات تتنفس وأمعاء تتحرك. تمامًا كما كنت أضع أذني على بطن أمي وأسمع أحشاءها. هو الهدير نفسه، صادرٌ من الجميع وفي وقت واحد.
واصلنا السير على وقع إطلاق النار، رفعت رأسي ونظرت لهما، تبادلا هما النظرات ثم عدنا إيابًا، لم نكن وصلنا بعد، لكنها كانت المرة الأولى التي "أسمع" فيها صوت الثورة في حياتي.
عند وصولي ساحة "الجمهورية"، سمعت الهدير نفسه الذي سكن بطن أمي وسمعته في الميدان. نظرت لحسناء وللشرطة المسلحة بالهراوات والخوذ والدروع. ورأيت الناس. ملأ الهدير القوي ذاكرتي، تلك القوة التي تجعلك تؤمن أن كل شيء ممكن.
الانتباه الأول
على مدار 18 يومًا عرفت بلدي حرًا، كان هذا هو سرّي الأغلى الذي حملته معي، عرفت كيف يبدو بلدي، كيف يبتسم الناس في شوارعه، رأيت إبداع فنانيه حين يستطيعون سبيلًا، سمعت أكثر النكات طرافة في العالم، عرفت شعبي حين يتحدث، حين يُداوي، وحين يناضل. عرفته حين يضيء طريقنا بألف شعلة لن تنطفئ أبدًا، نحن أطفال يناير.
أعرف اليوم أن الثورة لم تنجح في تحقيق ما قامت من أجله. ربما لم تكن الأرض جاهزة لثورة، وربما الثوار لم يكونوا جاهزين بما يكفي، وربما الصراعات شلّت الثورة وغذّت أعداءها. ولكن ما زرعته فينا، نحن أطفال يناير، ربما هو ما سيجعل أهدافها ممكنة في المستقبل.
حتى إذا استمر انطفاء التليفزيون، سيبقى ذلك الانتباه الأول الذي استيقظ في الطفولة يقود مشاعري، ذلك الوميض الذي انتقل من تونس، وصاحبني في مصر، وحملته معي إلى فرنسا.
بقي لي أن أتعلم الجري سريعًا، وربما الرمي بالمقلاع، لأكون مستعدةً للمرة المقبلة. أراجع دروس الكيمياء بين حين وآخر وأنتظر المذبحة القادمة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
