في سؤال التنظيم| معركة الميدان ضد محاولات الاحتواء
كان يمكن أن تصيرَ مظاهرات 25 يناير، رغم اتساعها، مجرد هبَّة كبيرة جرى قمعها، مثلما حدث في مارس/آذار 2003 مع المظاهرات المناهضة لغزو العراق، أو انتفاضة المحلة في 6 أبريل 2008، خصوصًا بعد فض ميدان التحرير، لكن المشهد لم يتوقف عند هذا.
انطلقت مظاهرات ومسيرات تلقائية في أماكن متعددة، بإيقاع متصاعد. ولم يعد بمقدور أحدٍ، لا أجهزة الأمن ولا القوى السياسية مجتمعة، السيطرة على الحركة أو توجيه مسارها. لحظة نادرة تبلور فيها وعيٌ جمعيٌ الشارعُ فيها صاحب المبادرة متفوقًا على أدوات القمع. لم يعد موضوعًا لهيمنة السلطة، لكن فاعلًا يفرض نفسه.
السويس كانت نقطة التحوّل، وبينما خفتت الاشتباكات نسبيًا في باقي المدن، استمرت المواجهات العنيفة في بلد الغريب من 25 حتى 28 يناير، وبها سقط أول الشهداء، وارتفع هتاف "الشعب يريد إسقاط النظام".
الهتاف الذي صيغ في تونس تعبيرًا عن كسر حاجز الخوف، أُعيد إنتاجه في السويس بوصفه لحظة اكتشاف جماعي: أن للناس حقًا في الإرادة، وأنهم مستعدون للدفاع عنه، وأن المطلب نفسه صار ممكنًا.
مع حراك الشارع، واصلت المجموعات الشبابية التنسيق ليوم "جمعة الغضب" في 28 يناير. جاءت الدعوة هذه المرة أكثر جرأة في لغتها، وأكثر وضوحًا في نقاط التجمع.
زاد من الزخم إعلان محمد البرادعي، بعد عودته إلى القاهرة مساء 27 يناير قادمًا من فيينا، مشاركته في المظاهرات، مؤكدًا احترام رغبة المصريين في التغيير، ومطالبًا النظام بعدم استخدام العنف، ومعلنًا استعداده لقيادة مرحلة انتقالية إذا طلب الشعب ذلك.
شجّع هذا الموقف مؤيدي البردعي، خصوصًا من الطبقة الوسطى في المدن، على النزول إلى الشارع، بل ومثَّل تصريحه مؤشرًا مبكرًا إلى الدور الذي كان يسعى إليه: دور الحَكم العام للعملية السياسية، لا لاعبًا يتنافس داخلها.
جمعة الغضب.. كسر هيبة الشرطة
في خطوة استباقية لقَطع مسارات التعبئة، شنّت أجهزة الأمن يومي 26 و27 يناير حملة اعتقالات طالت عشرات النشطاء السياسيين، من بينهم وائل غنيم، الذي لم يكن كُشف بعد عن دوره كأحد مديري صفحة "كلنا خالد سعيد" على فيسبوك.
أعقب ذلك قطع خدمات الإنترنت والموبايلات، ما جاء بنتيجة عكسية؛ إذ دفع قطاعات أوسع للنزول إلى الشارع، فتحوّل الغموض نفسه إلى محرّض إضافي على الاحتجاج.
عقب صلاة الجمعة، خرج ملايين المصريين إلى الشوارع في القاهرة والإسكندرية والسويس ومدن أخرى، في أكبر موجة احتجاج تشهدها البلاد منذ عقود.
أدى البرادعي الصلاة في مسجد الاستقامة بميدان الجيزة، وسط حضور عدد من الشخصيات العامة والمعارضة، وخرج في مقدمة مسيرة حاشدة. حاصرت قوات الأمن المسجد، وأطلقت الغاز والرصاص المطاطي، واحتجزته لفترة وجيزة داخل المسجد، في مشهد التقطته الكاميرات وانتشر سريعًا. بدا لوهلة مناضلًا مستعدًا لدفع ثمن اختياراته.
غير أن هذا التصوّر لم يصمد طويلًا؛ فما بدا موقفًا حاسمًا في أيام الثورة الأولى، تحوّل لاحقًا إلى سلسلة من المواقف المائعة والملتبسة أضعفت رصيده الرمزي وبدّدت كثيرًا من الآمال التي عُلّقت عليه.
في جمعة الغضب، انضم الإخوان المسلمون بكامل ثقلهم التنظيمي بعد أيام من التردد، وكان لحضورهم أثر واضح في تنظيم الصفوف. وفي الوقت نفسه، لعبت مجموعات الألتراس دورًا حيويًا في صدّ هجمات الشرطة، مستفيدة من خبرتها الطويلة في الاشتباك مع قوات الأمن.
كان لاختيار المناطق الشعبية نقاط انطلاق أثر حاسم؛ إذ أتاح مشاركة واسعة من شباب الأحياء الشعبية والعشوائيات والعمال والحرفيين، الذين قادوا المواجهات مباشرة.
وفي مشاهد شديدة الدلالة، أُحرقت أقسام الشرطة وسياراتها، التي طالما مثّلت رمزًا للقمع، كما أُحرق مقر الحزب الوطني الحاكم، في إشارة إلى رفض السلطة.
على مدار اليوم، واجهت الشرطة المظاهرات بأقصى درجات العنف، وسقط على يدها المئات بين شهيد وجريح. ومع اتساع الاشتباكات، أُنهكت ولم تُسعفها حتى الإمدادات القادمة عبر مدرعات الجيش. وقبل حلول المساء، حُسمت المواجهة؛ "الشعب ركب"، وانسحبت الشرطة.
ظهر مبارك لاحقًا في خطاب تليفزيوني معلنًا إقالة حكومة أحمد نظيف، ومتعهّدًا بإصلاحات محدودة. ثم فُرض حظر التجول.
الخطاب والإجراءات الأمنية تأخرا. كان الناس قد اتخذوا قرار الاستمرار في الشارع، رغم نزول دبابات الجيش إلى المدن. حضور لم يكن عابرًا، بل بداية لمعادلة جديدة ستفرض نفسها على الواقع في مصر منذ تلك الليلة.
كميونة ميدان التحرير
مع تحوّل ميدان التحرير إلى مركز للثورة، تشكّلت داخله حياة كاملة. توزعت المهام تلقائيًا، وتكاملت الأدوار.
ورغم الطابع المفتوح، برزت نقطتا ارتكاز تمثّلتا في منصتين: إحداهما أقامها الإخوان باسم "منصة القوى الوطنية"، والأخرى أنشأتها المجموعات الشبابية.
لم تكن المنصتان مجرد مساحة للكلام، بل شريان الميدان النابض؛ عبرهما تتدفّق الأخبار، ويتشكّل الوعي الجمعي، ويُمنَع تفكّك الاعتصام، خاصة مع قطع الاتصالات.
في محيطهما، جرى تنظيم الإعاشة عبر شبكات دعم ذاتي مكّنت الاعتصام من الصمود رغم محاولات الفضّ والحصار.
صاغت المجموعات الشبابية مطالب واضحة، تصدّرها رحيل مبارك، ورفعتها على لافتة ضخمة امتدت بطول إحدى عمارات الميدان، في تعبير جامع ومعلَن عن الهدف المشترك للاعتصام.
ساهمت هذه المجموعات في إعادة إنتاج الزخم بانتظام، عبر تنظيم مسيرات دورية كل يومي الثلاثاء والجمعة، تنطلق من أحياء ومناطق مختلفة لتصبّ في الميدان، كأداة سياسية واعية للحفاظ على مركزيته ومنع تفريغه أو الالتفاف عليه.
وعبر شبكات أقل لفتًا للنظر، لعب ناشطون أناركيون وتقنيون دورًا حيويًا. علّق بعضهم في الميدان لافتة كُتب عليها: "نحن نجمع صورًا وفيديوهات"، في وعي مبكر بأهمية التوثيق وكسر احتكار الرواية. شكّلت هذه المبادرة نواة أرشيف 858، الذي طوّرته لاحقًا مجموعة مُصِرِّين ليصبح أحد أهم أرشيفات الثورة.
ومع انقطاع الاتصالات والإنترنت، اجتمع نشطاء وصحفيون في منزل أطلقوا عليه "مركز تويتر الثورة". كانت خدمة الإنترنت تتوفر عبر مزوّد الخدمة "نور"، آخر شركة نفّذت قرار قطع الإنترنت. من هناك، نشروا ما التقطته عدساتهم، وغردوا بما يحدث في مصر، بعد أن تحوّلت فعليًا إلى جزيرة معزولة.
واستخدم آخرون أدوات تقنية بديلة مثل خدمة "Speak2Tweet"، لتحويل المكالمات الأرضية إلى رسائل صوتية تُنشر على السوشيال ميديا، في محاولة لكسر الصمت المفروض على الميدان. ويشكّل هذا الأرشيف السمعي جزءًا أساسيًا من الذاكرة الجماعية للأيام الأولى للثورة.
في خلفية المشهد، لعب أطباء الميدان دورًا مهمًا. أطباء ومتطوعون أقاموا مستشفيات بدائية داخل الميدان ومحيطه، وعملوا في ظروف شديدة القسوة لعلاج المصابين والتعامل مع آثار الرصاص والغاز والخرطوش، ليصبح وجودهم أحد أعمدة صمود الاعتصام واستمراره.
تحت رقابة الجيش
جاء خطاب مبارك الثاني في 1 فبراير ليختبر صلابة الميدان. أعلن عدم ترشحه مجددًا، وتعهد بتعديلات دستورية، وعيّن عمر سليمان نائبًا له وكلّفه بالحوار مع القوى السياسية.
تضمّن الخطاب عبارات استدعت تعاطفًا لدى قطاعات من الرأي العام، فبدأت تظهر دعوات للانسحاب من الشارع وانتظار الأشهر المتبقية على الانتخابات الرئاسية.
لكن اليوم التالي شهد هجوم مجموعات مؤيدة للنظام على ميدان التحرير، جاء بعضهم على خيول وجمال، فيما عرف بـ"موقعة الجمل". استمرت الاشتباكات ساعات طويلة، وأسفرت عن سقوط شهداء ومئات المصابين، تحت أنظار الجيش. فتلاشى التعاطف مع مبارك سريعًا، وأطلقت المجموعات الشبابية على الجمعة التالية اسم "جمعة الرحيل"، تثبيتًا لمطلب الرحيل الفوري.
رغم هتاف "الجيش والشعب إيد واحدة" الذي ارتفع بعد محاصرة دبابات الجيش لميدان التحرير، أظهرت الأيام التالية أن العلاقة بين المعتصمين والجيش لم تكن خالية من التوتر.
كانت الشرطة العسكرية تراقب عن كثب، وتفرض قيودًا على تحركات المعتصمين، وتمنع وصول الإمدادات من طعام وشراب وأدوية، وتنفذ عمليات مداهمة لمراكز الدعم والتجمعات المحيطة بالميدان، وتقوم باعتقالات متفرقة طالت أغلب قيادات المجموعات الشبابية أثناء عودتهم من مقابلة مع محمد البرادعي.
إصلاحية في قلب الثورة
في تلك الأثناء، ظهر تكوين فوقي عُرف بـ لجنة الحكماء، ضم شخصيات عامة من طيف واسع، من بينهم أحمد كمال أبو المجد، يحيى الجمل، عمرو موسى، عمرو حمزاوي، نجيب ساويرس، ومحمد سليم العوا. قدّمت نفسها كمبادرة لحقن الدماء واحتواء الأزمة السياسية المتصاعدة، داعية إلى انتقال آمن ومنظم للسلطة عبر تفويض صلاحيات الرئيس لنائبه.
مثّلت اللجنة تعبيرًا كلاسيكيًا عن دور النخبة في لحظة ثورية: إعادة تعريفها بوصفها أزمة قابلة للإدارة، ومحاولة احتواء الغضب الشعبي سياسيًا، من دون شرعية تمثيل حقيقية أو أدوات تأثير فعّالة.
كانت مقترحاتها، المنطلقة من منطق إصلاحي قح، منفصلة عن إيقاع شارع تجاوز بالفعل المعالجة الجزئية إلى مطلب إسقاط النظام.
عندما دعا عمر سليمان إلى الحوار في 6 فبراير، كانت "لجنة الحكماء" أول الواصلين إلى طاولة التفاوض. وسرعان ما لحقت بها جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب ممثلي عدد من الأحزاب "الكرتونية" مثل التجمع والوفد والعربي الناصري.
كما ذهب عدد محدود من الشباب إلى اللقاء، من بينهم مصطفى النجار وعبد الرحمن يوسف، وياسر الهواري، العضو في حركة شباب العدالة والحرية، في خرقٍ للتوافق العام داخل الحركة، ما أثار غضبًا شديدًا وصل إلى حدّ الاشتباك معه بالأيدي في الميدان.
لم تشارك "الجمعية الوطنية للتغيير" في اللقاء، واندلع داخلها خلاف حاد مع عصام العريان، ممثل الإخوان فيها، على خلفية كسر الجماعة للإجماع السابق الرافض للحوار.
ومع ذلك، أرسلت الجمعية محمد أبو الغار برسالة إلى رئيس الوزراء أحمد شفيق، الذي تولّى تشكيل الحكومة عقب خطاب 1 فبراير، طالبت فيها بإعلان تنحي مبارك، والتعهّد بعدم ترشح جمال مبارك، وعدم اتخاذ أي إجراءات عقابية ضد المتظاهرين.
بدا موقفها، في المحصلة، رماديًا، متأرجحًا بين منطق الميدان ومنطق التفاوض.
عقب لقائها بعمر سليمان مباشرة، سعت "لجنة الحكماء" إلى الاجتماع بممثلي المجموعات الشبابية، إدراكًا منها لحدود تأثيرها. فقد كان واضحًا أن أي صيغة انتقالية لن تكتسب حدًا أدنىً من الشرعية دون دعم هؤلاء الشباب، الذين صاروا، بحكم وجودهم اليومي وأدوارهم التنظيمية، بوابة العبور إلى الميدان.
جاء الرد في اليوم نفسه حاسمًا، قطعًا للطريق على أي التفاف سياسي؛ إذ أعلنت المجموعات الشبابية تأسيس ائتلاف شباب الثورة لتوحيد الصوت الشبابي ومنع التفاوض المنفرد أو إعادة صياغة المطالب.
أكد الائتلاف على "الشرعية الثورية" في مواجهة محاولات الالتفاف عليها، بعدما بدأ بعض الباحثين والمحللين، منهم عمرو حمزاوي، في الترويج لفكرة أن رحيل مبارك الفوري قد يخلق فراغًا دستوريًا، ورفع الائتلاف شعارًا حاسمًا "لا تفاوض قبل الرحيل".
ولزيادة الضغط الشعبي، دعا "ائتلاف شباب الثورة" في يوم الجمعة 11 فبراير إلى مسيرات حاشدة استهدفت نقاطًا رمزية في العاصمة، شملت مجلس الشعب، ومبنى التليفزيون في ماسبيرو، والقصر الجمهوري في شارع العروبة، في رسالة واضحة بأن مطلب الرحيل غير قابل للتفاوض.
كانت هناك قوى سياسية، بينها أطراف في الجمعية الوطنية وبعض المجموعات الشبابية، تميل إلى التفاوض، خاصة مع تصاعد التلويح بانقلاب عسكري إذا لم ينسحب المتظاهرون من الشوارع. وكان بعضها مستعدًا لقبول تسويات مؤجلة وانتظار الانتخابات الرئاسية، بل إن بعض اللقاءات جرت بالفعل بعيدًا عن الأضواء. لكن ظهور "ائتلاف شباب الثورة" في تلك اللحظة رسّخ السقف السياسي للشارع: الرحيل أولًا.
المارد العمالي.. الحسم الأخير
بينما انشغلت النخب السياسية بسجالات التفاوض وحدوده، جاء الحسم من خارج حساباتها، من القوى التي اعتاد الجميع تجاهلها.
اندلعت موجة واسعة من الإضرابات العمالية، امتدت من المصانع الكبرى إلى قطاعات في الدولة، وأدت إلى شلل متزايد في الاقتصاد والخدمات. وفي 9 و10 فبراير، توقّف الإنتاج في مصانع عديدة، وأُغلقت المواني، وتعطلت وسائل النقل.
لم تكن هذه الإضرابات حدثًا منفصلًا، بل مثلت امتدادًا اجتماعيًا لما بدأ سياسيًا في الشارع. وإذا كان النظام قادرًا على احتمال الاعتصام السياسي لبعض الوقت، فإنه لم يكن قادرًا على تحمّل توقف الإنتاج وشلل الدولة.
تحت هذا الضغط المتراكم، لم يعد ممكنًا احتواء اللحظة أو إدارتها تفاوضيًا. وكانت التضحية بمبارك في 11 فبراير هي المخرج الوحيد.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.





