تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
ثورة يناير سبقتها موجات من الاحتجاج امتد لعشر سنوات مهدت الأرض للثورة.

في سؤال التنظيم| عودة الروح مع الانتفاضة الفلسطينية

منشور الخميس 22 كانون الثاني/يناير 2026

هل يمكن أن تختفي السياسة لسنوات طويلة، ثم تعود فجأة إلى الشارع كأنها لم تغب يومًا؟

في مصر عام 2000، بدا هذا المستحيل ممكنًا.

كانت مصر وقتها تعيش لحظة تشبه، إلى حدٍّ موجع، ما نعيشه اليوم: انسداد سياسي خانق، تراكم للمظالم بلا منفذ للتعبير عنها، وإحساس بأن إمكانية التغيير ضئيلة أو مؤجَّلة إلى أجل غير معلوم، في ظل رئيس يكمل عقده الثاني في السلطة، بعد اغتيال سَلفه.

في ظل قبضة أمنية خانقة، تحولت الأحزاب إلى لافتات على مقار، تتحرك قياداتها وفق توجيهات الأجهزة. اتحاد العمال ذراعٌ للسلطة، والانتخابات الطلابية تُزوَّر علنًا، بينما تغرق النقابات المهنية في الأزمات أو توضع تحت الحراسة.

في هذا المناخ، أصبحت المعارضة همسات في هوامش الإعلام الرسمي ودوائر المثقفين الضيقة، والمجموعات السياسية السرية الصغيرة. وكان الاستثناء الوحيد هو جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت محظورة؛ أي أن كل معارضة حقيقية كانت خارج الشرعية.

أما الشارع، ففقد ذاكرته السياسية تقريبًا، وأصبح الاحتجاج فعلًا استثنائيًا محفوفًا بالمخاطر، في ظل حالة طوارئ ممتدة منذ اغتيال الرئيس السابق، تُضفي على القمع كل الشرعية. وبدا كل هذا كأنه قَدَرٌ لا نهاية له.

ومع ذلك، كان تحت السكون شيء ينمو ببطء: غضب صامت، إرادة مؤجلة، وبذور لم يلتفت إليها أحد.. حتى نبتت فجأة في الشارع. وكانت تلك اللحظة هي بداية كل شيء.

البداية: الانتفاضة الفلسطينية

مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سبتمبر/أيلول 2000، تغيّر المشهد فجأة. حرّكت الانتفاضة مشاعر الناس، ودَفعتهم إلى الاحتجاج التلقائي، فعادت السياسة إلى الشارع من بوابة التضامن مع فلسطين.

ظهرت وجوه لم تعرف المظاهرات من قبل: عمّال وطلبة ونساء وأطفال، خرجوا يهتفون لقضية خارج الحدود لكنها متجذرة في الوجدان. وهناك، في الشارع، اكتشفوا أن الصوت الجماعي يمنحهم معنى وكرامة.

ومن رحم هذه الحركة العفوية، التقط اليسار الخيط. فوُلدت في أكتوبر/تشرين الأول 2000 "اللجنة الشعبية للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية".

فتحت "اللجنة" أبوابها للجميع: مستقلون، وناشطون من مختلف التيارات السياسية، وأشخاص بلا سابق تجربة في العمل العام، ولا يحملون أيديولوجيا محددة. جَمَعهم، رغم اختلافهم، إيمان بقضية مشتركة ورغبة في التحرك معًا.

كانت تجربة استثنائية؛ تنظيمًا أفقيًا حيًا بلا قيادة مركزية أو بيروقراطية، وهيكلًا شبكيًا يسمح بتشكُّل مجموعات حرة في الأحياء والجامعات والنقابات والمحافظات. كل مجموعة تبادر وتخطط باستقلال، بينما يكتفي "المركز" بدور تنسيقي تحفيزي دون تسلُّط. وكانت آلية اتخاذ القرار ديمقراطية تشاركية، تقوم على النقاش الواسع ومحاولة التوافق.

هكذا وُلدت مساحة جديدة للعمل المشترك بين مجموعات يسارية طالما فرّقتها الخلافات النظرية، ونشأت فرصة للعمل مع آخرين من تيارات مختلفة، لا عبر تنسيق فوقي، بل من خلال عمل ميداني مباشر، أعاد الحيوية إلى المجال العام بعد عقود من الجمود.

وحين لاحت نُذر الحرب على العراق، صار الاحتجاج صوتًا واحدًا ضد العدوان في فلسطين والعراق معًا. خرج الناس يهتفون "يا فلسطين ويا بغداد". ومع قمع أجهزة الأمن للمظاهرات، اكتشف الناس أن المشكلة ليست في الخارج فقط، بل في الداخل أيضًا، وأن الديكتاتورية التي يعيشون في ظلها تمثل عائقًا أمام كل قضية عادلة.

وفي لحظة وعي جماعي، ارتفع هتاف "علشان نحرر القدس، لازم نحرر مصر".

ثم جاء 20 مارس/آذار 2003، ليعج ميدان التحرير بعشرات الآلاف، الذين تمكنوا لأول مرة منذ مظاهرات السبعينيات من كسر "التابوو" والتظاهر في الميدان و"كعكته الحجرية"، بعد أن كان الميدان رمزا بعيدًا في الذاكرة. ومن قلب الحشود دوى هتاف كان غير قابل للتصور قبل ذلك اليوم "يسقط يسقط حسني مبارك".

تدريجيًا، تحولت الحركة على الأرض من التضامن مع الانتفاضة، إلى مناهضة الحرب، ثم إلى المطالبة بالديموقراطية وإسقاط النظام. وفي قلب هذه الحركة، ومن خلال النشاط في "اللجنة الشعبية"، اتضح أن اليسار المناضل أوسع من حدود التنظيمات الصغيرة القائمة آنذاك: الاشتراكيون الثوريون، والحزب الشيوعي المصري، وحزب الشعب الاشتراكي.

فالكثير من اليساريين المستقلين كانوا ينشطون خارج هذه الأطر: فرادى، أو ضمن مبادرات مدنية وحقوقية وثقافية، أو في نشاطات سياسية بلا لافتة.

ولفهم طبيعة هذه التنظيمات، لا بد من عودة سريعة إلى تاريخ الحركة الشيوعية في مصر.

فلاش باك: كيف تشكّل اليسار المصري؟

الشيوعيون لم يكونوا تاريخيًا كيانًا واحدًا مستقرًا. فالتجربة الوحيدة للوحدة الكاملة جرت في يناير/كانون الثاني 1958، حين اندمجت ثلاث تنظيمات كبرى هي حدتو والراية والعمال والفلاحين، في حزب شيوعي موحّد. لكنها كانت وحدة قصيرة العمر؛ إذ سرعان ما تعرّض الحزب لضربة قاصمة عام 1959، مع حملة القمع الواسعة التي أدخلت معظم كوادره السجون، وانتهت عمليًا بحل الحزب.

لم تختفِ الحركة الشيوعية بعدها، ولكنها دخلت مرحلة كمون طويلة، تشكّلت خلالها تنظيمات صغيرة ضعيفة التأثير.

ثم كانت هزيمة يونيو 1967 نقطة تحوّل مفصلية؛ إذ مهّدت مظاهرات الطلبة في فبراير/شباط 1968، ثم احتجاجات عمال حلوان، لظهور جيل شيوعي جديد في السبعينيات.

تشكّلت الحركة الشيوعية في السبعينيات كفسيفساء، من مجموعات تمايزت أساسًا حول تقييم التجربة الناصرية وطبيعة الدولة.

أولى هذه المجموعات كانت "الحزب الشيوعي - 8 يناير"، ويمكن اعتباره الامتداد الأقرب للحزب الشيوعي الموحّد، أو تعبيرًا عن التيار الذي رفض قرار حل الحزب عام 1959. ظلّت هذه المجموعة قائمة حتى تفككت في منتصف الثمانينيات، وخرج من رحمها مجموعة "النواة".

المجموعة الثانية تمثّلت في ثلاث حلقات: حلقة شروق؛ امتدادُ حزب العمال والفلاحين الشيوعي الذي كان يُعرف قبل ذلك باسم طليعة العمال. وحلقة الراية، إضافة إلى حلقة عُرفت بالنوبيين، وهم بقايا حدتو.

وظلّت هذه الحلقات منفصلة حتى تعرّضت لاعتقالات عام 1975، ضمن موجة قمع سياسي مُبكّرة في عهد السادات بسبب خوفه من تنظيم الحركة الشيوعية في لحظة كان يعيد فيها ترتيب المجال السياسي والاقتصادي جذريًا. لكن النتيجة جاءت عكسية، فبعد الخروج من السجن، توحّدت هذه الحلقات الثلاث تحت اسم الحزب الشيوعي المصري، وهو الكيان القائم حتى اليوم.

وفي منتصف الثمانينيات، انشقت حلقة شروق لتؤسس حزب الشعب الاشتراكي، نتيجة التحولات اليمينية التي شهدها حزب التجمع -الغطاء العلني للحزب الشيوعي المصري- إضافة إلى الخلاف حول موقف الحزب من التحالف مع الدولة.

ومع الوقت، استمر تدهور الحزب الشيوعي المصري، بينما حافظ حزب الشعب على قدر من التماسك النسبي، مُلتفًا حول رمزيه التاريخيين يوسف درويش ونبيل الهلالي.

أما المجموعة الثالثة في حزب العمال الشيوعي، فنجحت في كسب أعداد معتبرة من الطلبة والعمال، ليبلغ الحزب ذروته في أواخر السبعينيات بوصفه التيار الأكثر راديكالية. وتأسس على موقف نقدي حاد من الدولة الناصرية، وطرح مبكرًا مفاهيم مثل "البرجوازية البيروقراطية" و"رأسمالية الدولة".

وفي أواخر الثمانينيات، جرت محاولة توحيد بين حزب العمال الشيوعي وبقايا "8 يناير" المعروفة باسم "النواة"، إلى جانب كوادر شيوعية مفككة، نتج عنها تأسيس حزب العمال الشيوعي الموحّد. لكنه سرعان ما تفكك مع نهاية التسعينيات، متحوّلًا إلى عدة حلقات صغيرة تحمل الاسم نفسه، قبل أن تندثر تمامًا.

المجموعة الرابعة كانت عصبة الشيوعيين الثوريين، وهي حلقة تروتسكية صغيرة تفككت في منتصف الثمانينيات، تاركة أفرادًا مبعثرين. ومن بقاياها تشكّلت في أواخر الثمانينيات حلقة تعارف على تسميتها بـ"المنظمة التروتسكية القديمة"، نجحت في جذب شباب جديد.

وبالتوازي، تأثر عدد من شباب الجامعة الأمريكية بأفكار حزب العمال الاشتراكي البريطاني، وأداروا حلقات نقاش مكثفة حول مسألة "رأسمالية الدولة في روسيا"، وهو سؤال كان مركزيًا آنذاك في ظل انهيار الاتحاد السوفيتي. ومن هذا التفاعل، تأسست مجموعة "الاشتراكيون الثوريون" في مطلع التسعينيات. وبين عامي 1994 و2002، مرّ أغلب من انتموا إلى اليسار الثوري على المجموعة، رغم ما شهدته من انقسامات متكررة أسفرت عن تنظيمين: الاشتراكية الثورية والشرارة.

إلى أن جاءت الانتفاضة الفلسطينية عام 2000 لتفرض وحدة التيار من جديد.

لم يكن تاريخ اليسار المصري مجرد سلسلة من الانقسامات والانهيارات، بل مسار طويل من المحاولات والتجريب وإعادة التكوين، ومن خبرات تراكمت خارج التنظيمات بقدر ما تراكمت داخلها، وصاغت أجيالًا من المناضلين الذين تعلّموا العمل في ظروف القمع والهامش واللا يقين.

ما كشفت عنه تجربة "اللجنة الشعبية"

جاءت تجربة "اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة الفلسطينية" لتوحّد هذه الخبرات المبعثرة، وتؤكد أن العمل المشترك بين اليسار —مستقلين ومنظّمين— ممكنًا حين تتوفر الإرادة، رغم الخلافات الفكرية والتنظيمية.

وفي خضم هذه التجربة، ظهرت لحظة الانتقال من التضامن مع الغير إلى المطالبة بالديموقراطية بوصفها نقطة انعطاف كبرى تتطلب جبهة جديدة تجمع كل المطالبين بالتغيير. ومن هنا بدأ السعي لبناء مظلة جامعة لليسار، ومحاولات موازية لبناء جبهات للدفاع عن الديموقراطية.

لكن التجربة أثبتت أن كلا المسارين واجه دائمًا مشكلات عميقة، لا بسبب القمع وضعف الإمكانيات فقط، بل بسبب الحَلقية والميل للسيطرة وغياب تصور تنظيمي جديد يناسب الزمن الجديد. فقد ظلّ كثيرون أسرى لأشكال التنظيم القديمة: الهرمية، المركزية، وغياب الشفافية. بينما كان العالم من حولهم يتغيّر بسرعة، والتكنولوجيا تفتح آفاقًا غير مسبوقة للتواصل والتنسيق والعمل الجماعي الأفقي.

وفي المسافة بين الإمكانية التي كشفتها التجربة، والعجز عن تحويلها إلى مشروع سياسي قابل للاستمرار، ستتشكل محاولات لتجميع اليسار قبل الثورة، وذلك ما سيتناوله المقال القادم.

هذه القصة من ملف  في سؤال التنظيم| لماذا نحتاج إلى التنظيم اليوم؟



مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.