في سؤال التنظيم| حركة التغيير بين نخبوية "كفاية" وإقصائيتها
بينما تعثّرت محاولات اليسار الأكثر وعيًا والأكثر ديمقراطية تنظيميًا في التحوّل إلى جبهة واسعة تقود معركة التغيير، جاءت نهاية عام 2004 لتقدّم بديلًا مختلفًا تمامًا: الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية).
في بيانها التأسيسي، أعلنت كفاية أن مواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية تمرّ عبر بناء دولة ديمقراطية حقيقية، برفع حالة الطوارئ، وإجراء انتخابات نزيهة، ووضع حدٍّ لاحتكار السلطة والثروة، وتحديد واضح لسلطات الرئيس.
تَبَنّت كفاية شعار "لا للتمديد، لا للتوريث"، وهو في الحقيقة اختصار لشعار مجموعة الحرية الآن، بعد إسقاط عبارة "لا لحكم العسكر" منه. ولم تكن تلك مجرد تفصيلة عابرة، بل إشارة مبكرة إلى توجّه سياسي يرى أن الصراع إنما هو مع رأس النظام فقط، لا مع بنيته الأمنية والعسكرية.
رأس بلا جسد
تنظيميًا، تشكّلت كفاية كحركة نخبوية فوقية، رأس بلا جسد، بقيادة رموز ناصرية انضمّ إليهم يساريون وإسلاميون وليبراليون "مقبولون" لدى التيار الناصري، إضافةً إلى شخصيات عامة معظمها من جيل الستينيات والسبعينيات، مع تهميش شبه كامل للكوادر الميدانية والشباب. ورغم هذا الطابع المغلق، تحوّلت كفاية بسرعة إلى عنوان واسع للمعارضة.
أسهمت مجموعة من العوامل في صعود الحركة إلى موقع الرمز العام للمعارضة. فشعارها كان بسيطًا؛ كلمة قصيرة، عامية مفتوحة التأويل، وهويتها البصرية الموحدة باللون الأصفر وتوافر ملصقاتها في كل مكان خلقا حضورًا بصريًا لافتًا.
روّجت لنفسها كمظلّة جامعة لكل التيارات، حتى وإن لم تكن كذلك فعليًا، ما منحها شرعية رمزية كبيرة. وكانت أول حركة علنية ترفع شعارات ضد النظام وتدعو لمظاهرات في قلب القاهرة، في لحظة كان مجرد رفع لافتة سببًا كافيًا للاعتقال. كما أنها جاءت بعد أكثر من عشرين عامًا من الجمود، في وقت كان قطاع واسع من طالبي التغيير يبحثون عن كيانٍ يُعبّر عنهم.
لعبت الصدفة والسياق أيضًا أدوارًا مهمة.
الإعلام المحلي والدولي كان بحاجة لعنوان يختصر الحراك، فصارت كفاية البراند السياسي السهل. كما فتح لها الخطاب الدولي عن ضرورة "الإصلاح في الشرق الأوسط" بعد غزو العراق هامشًا ضيقًا، واستهان بها النظام في البداية، قبل أن يبدأ في احتوائها.
رسم جسد للرأس النخبوي
لم يُداري البريق الخلل العميق في بنية كفاية التنظيمية، مما فتح الباب لمحاولات فرض جسد تحت رأس الحركة النخبوي. نشأت حولها مساحات مرنة من الفعل الذاتي حاولت، بوعيٍ أو بدون، أن تعوّض غياب الهيكل الرسمي.
في المحافظات ظهرت مجموعات جغرافية أكثر ديموقراطية وانفتاحًا، ضمّت أعضاءً من أحزاب المعارضة الرسمية مثل الوفد والتجمع والعربي الناصري والغد، بل وأعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، الذين استُبعدوا من قيادة كفاية.
وإلى جانبها، تشكلت مجموعات نوعية مثل شباب من أجل التغيير و"فنانون وأدباء من أجل التغيير"، وأخرى مهنية مثل "صحفيون من أجل التغيير" وعمال من أجل التغيير. شكّلت هذه المبادرات، في مجموعها، بديلًا قاعديًا أكثر ديمقراطية حول كفاية.
امتد الانفتاح الذاتي إلى الفضاء الإلكتروني الوليد؛ شكّلت المدونات والمجموعات البريدية، مثل مجموعة شباب من أجل التغيير على Yahoo Groups، شبكةً موازية للنقاش والتعبئة خارج الأطر الرسمية.
صار الانتماء لكفاية ممكنًا دون عضوية أو لائحة داخلية. كثيرون باتوا "كفاويين" بالهوى لا عبر الانتماء التنظيمي، في ظاهرة نادرة. جبهة رمزية بلا عضوية رسمية، التفّ حولها جسم واسع غير مرتبط بها تنظيميًا لكنه شديد الفاعلية في الشارع وفي الفضاء الإلكتروني، يتغذّى على الوعي الجمعي.
وفي قلب هذا الفضاء الرقمي برز موقع مندرة كفاية كمثال أكثر خصوصية له تأثير أوسع وأعمق من مجرد المشاركة الإلكترونية العادية. كان الذراع الإعلامية غير الرسمية لكفاية، أو بالأحرى ضميرها العام.
صحيح أنه نشأ من داخلها وضمّ القائمين على التنسيق الإعلامي، لكنه اكتسب مع الوقت استقلالًا تحريريًا واضحًا، وصل أحيانًا حد نقد القيادة نفسها. لعب موقع مندرة كفاية الدور الذي غاب عن البنية التنظيمية: نقل الأخبار بين المجموعات، وفتح النقاش العام بين النشطاء، وصناعة صورة موحدة نسبيًا للحركة.
لكن غياب الصلة المؤسسية جعله يتأرجح بين كونه أداة تعبئة حرّة، أو ساحة فوضى، أو مساحة تعبير عن تيارٍ دون آخر.
تحالف الفيل والنملة
لكن كل هذه الحلول الذاتية، المجموعات الجغرافية والنوعية والفضاء الإلكتروني مندرة كفاية، لم تستطع معالجة الأزمة الحقيقية: نخبوية كفاية البنيوية وإقصائيتها المتجذّرة. ظهرت هذه الإقصائية بوضوح في الطريقة المتعالية التي تعاملت بها الحركة مع يسار المجتمع المدني، تحت ذريعة "رفض التمويل الأجنبي". كما بدا الموقف الإقصائي نفسه في تعاملهم مع جماعة الإخوان المسلمين.
رأى عدد من القيادات الناصرية، وعلى رأسهم عبد الحليم قنديل، أن دخول الإخوان إلى الحركة يعني هيمنتهم التدريجية بفعل انضباطهم التنظيمي وقاعدتهم الواسعة. التبرير الرسمي لإقصائهم كان قانونيًا: تجنب إشراك تنظيم محظور رسميًا، لكن الدافع الحقيقي كان الخوف من السيطرة.
ترك هذا القرار أثرًا مزدوجًا: من جهة أضعف قدرة كفاية على الحشد، إذ خسرت أكبر قوة تعبئة في الشارع، وتراجعت قدرتها على الانتشار في المحافظات. ومن جهة أخرى، حافظ على طابعها المدني والعلماني، وسمح بظهور خطاب سياسي جديد خارج ثنائية الإسلاميين والنظام.
"الإصلاح والتغيير" صيغة هجينة عكست تناقضات الكيان الوليد. جبهة أرادت أن تضم الجميع لكنها حملت في اسمها توترًا لم يُحسم
إلا أن هذا الإقصاء أدى إلى فراغ واضح في قيادة الحركة، حاول الاشتراكيون الثوريون تجاوزه عبر صياغة بديل جبهوي لا يستثني أحدًا. وفي ضوء ما كان متوفرًا وقتها من معلومات، كان التفكير في وحدة الصف يبدو منطقيًا.
لم تكن التجربة كشفت بعد أن الإخوان يريدون الديمقراطية وسيلةً للوصول إلى الحكم، لا غايةً في ذاتها. فإذا تحقق الهدف، فلتذهب الديمقراطية والأقليات والحقوق والحريات إلى الجحيم. وبالمثل، لم يُقدّر أحد خطورة التغاضي عن علاقة الناصريين بالأجهزة الأمنية والعسكرية، وأن هذه العلاقة تمهد لخللٍ بنيوي في مشروع التغيير نفسه.
كان رأي "الاشتراكيون الثوريون" وقتها أن "الحرية الآن" لا تصلح لأن تكون البديل الذي يوحد الحركة. فرغم انفتاحها وحضور رموز من الإخوان، مثل محمد عبد القدوس وعلي عبد الفتاح وأحمد رامي، اجتماعاتها، ظلّ هذا الحضور رمزيًا وظلت يسارية الروح مثلها مثل اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة.
رأى الاشتراكيون الثوريون أن هناك حاجة لجبهة من نوع مختلف، تتناسب مع انضمام الإخوان كجماعة كاملة بثقلها. وهو ما مهد الطريق لمبادرة التحالف الوطني من أجل الإصلاح والتغيير.
"الإصلاح والتغيير" صيغة هجينة، تعكس تناقضات الكيان الوليد: محاولة لجمع خطاب إصلاحي تدريجي، أقرب إلى حسابات الإخوان، بخطاب تغييري جذري يعبّر عن طموحات قطاعات من اليسار. جبهة أرادت أن تضم الجميع، لكنها حملت في اسمها توترًا لم يُحسم.
شاركت أطراف يسارية عدة في الاجتماعات التحضيرية للجبهة، وأبدوا حماسًا للدخول في تجربة واسعة تتجاوز حدود كفاية. لكن المفاجأة جاءت في المؤتمر التأسيسي. إذ أعلن صلاح عادلي (الحزب الشيوعي المصري) انسحاب معظم القوى اليسارية دفعة واحدة، دون تقديم أي أسباب علنية.
غير أن السبب الحقيقي كان واضحًا لكل من تابع المشهد من الداخل: أصاب الذعر قوى اليسار بعد يوم تعبئة نسّقته جماعة الإخوان المسلمين بشكل مستقل في مارس/آذار 2005، شمل القاهرة وعددًا من المحافظات. خلال اليوم، نظمت جماعة الإخوان منفردة تجمعات متعددة، شارك في كل منها المئات، قبل أن يتدخل الأمن لتفريقها ومنع التحامها. رفع أعضاء الجماعة المصاحف إلى جانب شعارات الإصلاح السياسي، في استعراضٍ صادمٍ كشف عن قدرة هائلة على التعبئة تطيح بتوازن القوى داخل أي جبهة مشتركة.
كان الخوف من الإسلاميين أقوى من الرغبة في توحيد الحركة، فخرجت قوى اليسار مسرعة بينما أعلن الاشتراكيون الثوريون بقاءهم في التحالف واستمرارهم في السعي لضم بقية الأطراف.
لكن ما تبقى كان تركيبة شديدة الهشاشة، ضمّت جماعة الإخوان، وحزب العمل (المجمّد)، و"الاشتراكيون الثوريون"، وعددًا من الحقوقيين اليساريين مثل أحمد سيف الإسلام حمد وعايدة سيف الدولة، وشخصيات عامة مثل نادر فرجاني، بالإضافة إلى وجوه ناصرية مثل عبد العزيز الحسيني. كيان غير متكافىء، لا يمثل أحدًا خارج دوائره، وغير قادر على اجتذاب جمهور جديد، وُصف لاحقًا بسخرية مُرّة بـ"تحالف الفيل والنملة".
لم يكن تحالفًا بالمعنى الحقيقي، ولا حتى جبهة، بل مجرد آلية لتنسيق مظاهرات جرت بضع مرات، ثم تلاشت.
ومع ذلك تركت التجربة صدى أكبر من حجمها داخل صفوف اليسار، وخلّفت سجالات استمر أثرها حتى الآن. كان يمكن تجنّب هذا الإرث لو تم التعامل مع فشل مشروع التحالف في التحول لجبهة واسعة بطريقة مختلفة، وليس بالتمسك بالإعلان عنه رغم الفشل.
إشكالية البديل
كان رأي اليسار الديمقراطي وقتها أن حركة التغيير يمكنها أن تتسع عبر تكتيكات مختلفة غير نموذج الجبهة الموحدة مع الإخوان، الذي يقحم على الحركة عنصرًا رجعيًا وطائفيًا ضخمًا يقيّدها بحدود صارمة.
انطلق هذا التيار من ميلٍ عام للتحالف مع الليبراليين مقابل الإخوان أو الناصريين. لا بمعنى عقد تحالفات تنظيمية مع أحزاب ليبرالية بالضرورة، بل بالانفتاح على كل من يشارك في الحركة ولم يصل بعد إلى قناعات اليسار.
بأثر رجعي، تبدو هذه الرؤية أكثر اتساقًا مع طبيعة المعارضة المصرية آنذاك. فالتجريف السياسي طوال عهد مبارك جعل معظم المجموعات السياسية محدودة العدد، لا يتجاوز أعضاء كلٍ منها العشرات، بينما ظلّت الكتلة الأكبر من الراغبين في التغيير خارج أي أطر تنظيمية.
في المقابل، كان هناك تنظيم واحد ضخم، منضبط، وواسع القاعدة: جماعة الإخوان المسلمين التي قُدّر عدد أعضائها حينها بمئات الآلاف. في ظل هذا الاختلال الهائل في موازين التنظيم، تصبح الجبهة القائمة على ممثلين عن قوى سياسية مختلفة اختيارًا شديد السوء. فأي جبهة تُبنى على هذا الأساس، مهما بلغت درجة انفتاحها، ستظل عرجاء. ولن يجد المستقلون، الذين شكّلوا القوام الحقيقي لحركة التغيير، مكانًا داخلها ولا صوتًا في قراراتها.
هذا الشكل من الجبهات القائمة على ممثلين عن قوى سياسية مختلفة، ولا يشبه اليسار، جرّنا إليه الناصريون جرًا، لأنه يناسب طبيعتهم وتكتيكاتهم المعتمدة على رموز لا على بناء حركة شعبية واسعة. كان الحل مطروحًا أمام الجميع، لكن لم ينتبه إليه أحد.
النموذج الوحيد الذي كان قادرًا على استيعاب هذه التركيبة كان نموذج اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة، الذي تبنته الحرية الآن: جبهة أفراد، مفتوحة العضوية، عابرة للتيارات السياسية، تقوم على المشاركة المباشرة لا على التمثيل الحزبي.
لكن اليسار الديمقراطي، لأنه كان أقرب إلى جماعة رفض منه إلى جماعة فاعلة سياسيًا، لم يركز جهده في بناء "الحرية الآن". وبالمثل، لم يولِها الاشتراكيون الثوريون اهتمامًا حقيقيًا، إذ انصبت أولوياتهم نحو تكتيك الجبهة المتحدة.
لو أن هاتين المجموعتين الشابتين أولتا الحرية الآن ما تستحقه من اهتمام، لكان من الممكن كسب الجيل الأصغر من المدونين والأناركيين والنشطاء المستقلين. ولربما تحوّلت الحرية الآن إلى الجبهة الرئيسية لحركة التغيير.
وربما، وهذا ليس افتراضًا مبالغًا فيه، كان مسار التغيير نفسه اتخذ طريقًا مختلفًا تمامًا.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

