في سؤال التنظيم| لماذا فشل اليسار في قيادة حركة التغيير؟
بينما كانت أصوات المثقفين تتعالى، والشارع يتحرك متضمناً التيار اليساري، أصبح واضحًا أن تحليلات الجميع من أقصى يمين المعارضة إلى أقصى يسارها تتفق على أن الأزمة تكمن أساسًا في أن الديكتاتور العجوز مبارك يهيمن على السلطة، وأن أي أمل في تداولها يكاد يكون معدومًا.
كل ست سنوات، يرشح مجلس الشعب شخصًا واحدًا للرئاسة، بالطبع مبارك، ليُجدَّد له عبر استفتاء مزوّر تصل نتيجته إلى 99%، فيما كانت تُتَّخذ خطوات واضحة لتمهيد توريث السلطة لابنه جمال أمين لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم.
بحكم مسؤولية تلك اللجنة عن رسم سياسات الحزب ومراجعة مشروعات قوانين الحكومة، صار جمال اللاعب الأهم في توجيه السياسات العامة، حتى بدا في نظر كثيرين الرئيس الفعلي للحكومة.
كانت قاعدة استقرار النظام قائمة على اتفاق غير معلن بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية
وكان محاطًا بدائرة من أعضاء اللجنة، معظمهم اقتصاديون وتجار ورجال أعمال احتكاريون، مرتبطون بالغرب، بخاصة الولايات المتحدة.
تبنّى جمال الفكر النيوليبرالي، مستهدفًا تقليص دور الدولة لصالح القطاع الخاص. شملت سياساته الخصخصة وتعويم الجنيه وتقليص الدعم الموجّه للغذاء والدواء والتعليم والسكن، مقابل منح امتيازات وإعفاءات واسعة للتجار ورجال الأعمال.
كيف أخطأت المعارضة في فهم جوهر السلطة
أظهرت التجربة لاحقًا أن هذا التحليل، رغم صحته الجزئية، كان قاصرًا؛ فقد ركّز على واجهة النظام دون أن يلمّ بجوهره. فاستقرار النظام لم يكن كما تصوّر كثيرون بمن فيهم أجنحة داخل السلطة نفسها قائمًا على شخص الرئيس، ومن هذا الاعتقاد جاء مشروع التوريث بوصفه ضمانة للاستمرار.
كانت قاعدة استقرار النظام قائمة على اتفاق غير معلن بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية، تعود جذوره إلى توازنات السلطة التي استقرت بعد 1954.
أطلق رشوان على كتلة المؤسسة العسكرية والأجهزة اسم "القلب الصلب للنظام"
أهم بنود هذا الاتفاق أن يبقى الرئيس من أبناء المؤسسة العسكرية، وأن يضمن في المقابل استمرار مصالحها، عبر امتيازات مادية ومناصب تنفيذية، مثل الوزراء والمحافظين ورؤساء المدن والأحياء، فضلًا عن مواقع قيادية في القطاعين العام والخاص، وحصص مباشرة في الاستثمارات.
بهذا المعنى، لم يكن غريبًا أن يوجد جناح داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية غير راضٍ عن مشروع التوريث، لأنه يهدد هذه المصالح بشكل مباشر. ومن الطبيعي أيضًا أن يقف هذا الجناح بشراسة في مواجهة أي محاولة لإعادة تشكيل التوازن القائم.
يمكن القول، وبقدر كبير من الثقة، إن جزءًا من التيار الناصري مثّل سياسيًّا هذا الجناح داخل السلطة، ودافع عن مصالحه. فالعلاقة بين الناصريين والأجهزة لم تكن سرًا، ولم يحاول أحدٌ إخفاءها. وكان ضياء رشوان يقدّم، من خلال مقالاته بجريدة "الأهرام" ودوريات مركز الأهرام للدراسات، أحد أكثر التنظيرات وضوحًا لهذا المنطق.
رأى رشوان أن بنية النظام تضم كتلتين متمايزتين: الأولى كتلة الانفتاح النيوليبرالي المرتبطة برجال أعمال التوريث حول جمال مبارك، والثانية كتلة داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة وترى في مشروع التوريث خطرًا على "توازنات 1952".
أطلق رشوان على الكتلة الثانية اسم القلب الصلب للنظام؛ القوة التي لا تحكم ظاهريًا، لكنها تمتلك القدرة الفعلية على تعطيل مسارات بعينها، في مقدمتها مشروع التوريث.
انطلاقًا من هذا التصور، رأى أن أي تغيير سياسي جاد لا يمكن أن يتحقق بالضغط الشعبي وحده، بل لا بد أن يمرّ عبر تحالف مع "القلب الصلب"، بوصفه القوة الحقيقية داخل الدولة، لا الدائرة المدنية المحيطة بجمال مبارك.
انطلق الشوبكي من فرضية أن النظام السلطوي في مصر لم يكن كتلةً صمّاءً بل يعاني من تصدعات داخلية
لم يقتصر هذا التصور على الناصريين، ووجد صداه أيضًا لدى عدد من الأصوات "الليبرالية" التي تبنّت المنطق نفسه، وإن كان بصياغة أكثر نعومة وحداثة لغويًا. فبدلًا من الحديث عن "القلب الصلب للنظام" أو "حماة يوليو"، تحدثوا عن "مراكز قوى داخل الدولة" أو "مؤسسات وطنية" يمكن التعويل عليها لإجهاض مشروع التوريث وفتح المجال أمام انتقال سياسي محسوب.
في هذا الإطار، برز عمرو الشوبكي أحد أهم منظّري هذا الاتجاه. لم يكن مدافعًا مباشرًا عن المؤسسة العسكرية، لكنه قدّم قراءة لبنية النظام المصري تقوم على التمييز بين نظام الحكم والدولة، وبين الدائرة الضيقة المحيطة بمبارك ونجله، وبين مؤسسات أعمق وأقدم، غير مؤيدة بالضرورة لمشروع التوريث.
انطلق الشوبكي من فرضية أن النظام السلطوي في مصر لم يكن كتلةً صمّاءً، بل يعاني من تصدعات داخلية، وأن مشروع التوريث مثّل محاولةً لإعادة تشكيله لصالح تحالف جديد من رجال الأعمال والبيروقراطية المدنية، على حساب توازنات تاريخية استقرت منذ الخمسينيات.
ومن ثمّ، رأى أن على قوى المعارضة استثمار هذه التناقضات داخل بنية السلطة ذاتها، في سعيها لمقاومة توريث الحكم.
هكذا التقت قطاعات من الليبرالية السياسية مع أطروحات ناصرية وأمنية عند نقطة واحدة: الرهان على جناح داخل السلطة بوصفه أداة التغيير الممكنة. وهو رهان لم يؤدِّ فقط إلى إجهاض مشروع التوريث، إنما مهّد أيضًا، ربما دون وعي كامل، لتمركز السلطة في يد هذا الجناح نفسه، بعد أن تخلّص من خصمه المدني.
لماذا اختفت الجبهة الأصح؟ الحكاية الكاملة لـ"الحرية الآن"
وسط هذا المشهد، كانت "الحملة الشعبية من أجل التغيير" وشعارها "الحرية الآن"، التي تأسست في أواخر عام 2004، الصوت الوحيد داخل المعارضة الذي امتلك وعيًا نسبيًا بطبيعة الأزمة. رفعت الحملة شعارًا بالغ الدلالة، لخّص جوهر الصراع مع النظام بدقة: لا للتمديد، لا للتوريث، لا لحكم العسكر.
وُلدت المبادرة امتدادًا مباشرًا للروح الديمقراطية الشبكية التي ميّزت "اللجنة الشعبية للتضامن مع الانتفاضة". ولم يكن شكلها التنظيمي تفصيلًا ثانويًا، بل كان اختيارًا سياسيًا واعيًا. فالاعتماد على الاجتماعات المفتوحة، والمبادرة الفردية الواسعة، والهيكل الأفقي دون مركز صارم، عبّر عن رغبة اليسار في القطيعة مع أمراض التنظيم القديم، وتجسيد الديمقراطية في الممارسة اليومية، لا في الشعارات فقط.
بدأ الأمر بدعوة من الاشتراكيين الثوريين لعدد من نشطاء "اللجنة الشعبية" للحوار حول تأسيس جبهة جديدة تطالب بالتغيير الديمقراطي. وانعقد الاجتماع الأول في مركز الدراسات الاشتراكية، ثم اتُّفق على عقد اجتماع التأسيس في مركز هشام مبارك للقانون.
ووُجّهت الدعوة إلى كل أطراف اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة، بما في ذلك الإخوان والناصريون.
وفي اجتماع مركز هشام مبارك، حضر الناصري كمال أبو عيطة طالبًا تأجيل إعلان التأسيس، بحجة وجود مجموعة تضم ممثلين عن كل التيارات السياسية تعمل على تأسيس جبهة أخرى. وافق الحاضرون مبدئيًا بشرط الكشف عن أهداف تلك الجبهة ومن يقف وراءها، والسماح بمشاركة الجميع فيها، لكنه رفض.
فرفض الحاضرون التأجيل، وأُعلن تأسيس "الحرية الآن".
اتضح لاحقًا أن الجبهة المقصودة هي كفاية، التي كان الناصريون يعدّون لها سرًا داخل غرف مغلقة، وأن ممثلي كل التيارات الذين أشار إليهم أبو عيطة هم أحمد بهاء الدين شعبان وأبو العلا ماضي، أكثر الوجوه اليسارية والإسلامية قربًا من الناصريين وملازمةً لهم في كل الجبهات.
لم تروّج الحملة لنفسها بوصفها مشروعًا يمتلك هذا التمايز السياسي والتنظيمي ولم تسعَ بجدية إلى جذب المجموعات الجديدة
لم تضم المجموعة التي كانت تؤسس لكفاية أي ممثل عن الإخوان، أو حزب العمل (المجمّد)، أو حزب الغد، أو الاشتراكيون الثوريون، أو الحزب الشيوعي المصري، أو حزب الشعب الاشتراكي، أو اليسار المستقل المرتبط باللجنة الشعبية، ولا أي رمز سياسي واسع الاحترام من خارج الدوائر الناصرية مثل نبيل الهلالي.
وحين ظهرت الحركة بعد شهور قليلة، جرت محاولة جديدة لدمج الجبهتين. كان نشطاء "الحرية الآن" الأكثر حماسًا للوحدة، وقبلوا مسبقًا أن يحمل الكيان الموحّد اسم كفاية لما اكتسبه من زخم.
لكن حين توجّه وفد منهم لمقابلة قيادات كفاية، قُوبلوا بصلف شديد، وأعلن عبد الحليم قنديل، المتحدث باسم الحركة، وبالأسماء، أن بعض ممثلي منظمات المجتمع المدني اليساري غير مقبولين بسبب تلقي مؤسساتهم تمويلًا أجنبيًّا.
عندها قررت "الحرية الآن" مواصلة عملها المستقل، مع الإبقاء على باب الوحدة مفتوحًا رغم انسداده عمليًا من الطرف الآخر. لكن مع وضوح رؤيتها السياسية وانفتاحها التنظيمي، لم تنجح الحملة في التحوّل إلى جبهة شعبية واسعة، على غرار اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة.
لم تروّج الحملة لنفسها بوصفها مشروعًا يمتلك هذا التمايز السياسي والتنظيمي، ولم تسعِ بجدية إلى جذب المجموعات الجديدة التي كانت تتشكّل عفويًا حول فكرة التغيير. زد على ذلك أن جزءًا معتبرًا من نشطائها انصرف عنها تدريجيًا، مُركّزًا جهده على مشاريع جبهويّة أخرى، بحثًا عن مساحات أوسع أو زخم أسرع، ما أضعف قدرتها على الاستمرار.
كما لم يكن بوسع الحملة كسب المجموعات الشبابية اليسارية الصاعدة من مدونين وأناركيين؛ فغالبيتهم كانوا من أبناء نشطاء جيل السبعينيات، الذي شكّل ركنًا أساسيًا في "الحرية الآن". وكان من الصعب على هؤلاء الشباب، الذين تمرّدوا على السلطة، أن ينضمّوا إلى إطار سياسي يجمعهم بآبائهم وأمهاتهم؛ فهم كانوا قبل تمرّدهم على النظام، يتمرّدون على عائلاتهم أولًا.
وسرعان ما اجتاحت كفاية المشهد بخطاب أبسط ودعاية غير تقليدية، فالتفّ حولها الإعلام والجمهور. وفي الوقت الذي اكتفت فيه كفاية بالدعوة إلى وقفات احتجاجية في وسط البلد، كانت موجة مظاهرات انفجرت في الأحياء كثيفة السكان بدعوات من "الحرية الآن".
لكن الإعلام أصرّ على نسب مظاهرات "الحرية الآن" إلى حركة كفاية، وأصبح يطلق على أي مظاهرة اسم "كفاية"، فتوارت خلفها كل الأصوات الأخرى.
هكذا تلاشت ملامح "الحرية الآن"، رغم أنها من حيث الرؤية السياسية والشكل التنظيمي، كانت الجبهة الأصح، والأقدر على فتح مسار مختلف للنضال الديمقراطي.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

