سراب 25 يناير
التدني النسبي لموقع قيمة الحرية في سلم القيم أدى لخسارة كل المعارك الكبرى التالية
هل كانت 25 يناير ثورةً أم انتفاضة؟
هذا سؤال يتعلق بالمستقبل أكثر منه بالماضي.
هل كان الهدفُ تغييرَ نظام الحكم؟ أم إسقاطَ الرئيس حسني مبارك؟ أم قطعَ الطريق فقط على توريث الحكم لنجله جمال؟ أم إثباتَ أن مصر ليست أقلَّ ثوريةً من تونس التي أنجزت ثورتها قبلها بـ11 يومًا؟
هذا النمط من الأسئلة تتعدد الإجابات عنه ربما بعدد الرموز الذين شاركوا في صناعة هذا الحدث التاريخي وساهموا في توجيه مساراته.
للاقتراب من هذه الحقيقة؛ يكفي على سبيل المثال إلقاء نظرة سريعة على المساهمات الخصبة التي نشرتها المنصة في المناسبة ذاتها على مدار عامين سابقين بمشاركة بعض رموز 25 يناير ومحللين ونشطاء، وربما أيضًا على تلك التي قد تُنشر هذا العام. جدير بالذكر أن مديري صفحة "كلنا خالد سعيد" التي بادرت بالدعوة لـ25 يناير اختلفوا لاحقًا حول حقيقة الهدف الذي كان يتوخاه نداؤهم "التاريخي".
يمتد الافتراق في التفسير، وفي تعريف الهدف بين دوائر رموز الحدث وبين دوائر بعض محلليه، إلى الافتراق الحاد أيضًا في تحديد طبيعة من لعبوا الدور الحاسم في صنعه ووضعوا بصمتهم على مساره ومآلاته: هل هم النخب السياسية، أيًا كانت انتماءاتها الأيديولوجية، أم جموع المجهولين من عموم المصريين في مدن مصر التي ساهمت في الحدث ميدانيًا ودفعت ثمنًا غاليًا بالدم والعيون؟
تبقى حقيقة مؤكدة، وهي أن النداء من أجل الخروج للتظاهر يوم 25 يناير 2011 كان مجرد دعوة لـ"يوم الغضب" للاحتجاج، ولم يكن دعوة لإسقاط حسني مبارك أو لتغيير نظام الحكم أو للثورة. لكن عدّة عوامل تضافرت لتصعد بالحدث إلى نطاق لم يدر بخلد الداعين له، ولا بأذهان أبرز الوجوه التي تصدّرت موجات الغضب التي تواصلت 17 يومًا إضافية.
من هذه العوامل: تعدد أسباب الغضب ذاته، واستطالة عمر بعضها لسنوات وبعضها الآخر لعدة عقود، واليأس من الإصلاح، خاصة بعد مهزلة الانتخابات البرلمانية عام 2010 (بصرف النظر عن أنها كانت أقل هزلية بكثير من انتخابات 2025)، وحافز النموذج التونسي الذي تطور خلال 4 أسابيع فقط من إشعال بائع متجول النار في نفسه يأسًا واحتجاجًا إلى اضطرار الرئيس السابق زين العابدين بن علي للتنازل عن الحكم ومغادرة البلاد.
في مصر أيضًا توافرت عدة عوامل يمكنها أن تحول يوم الغضب إلى تغيير جوهري في طبيعة نظام الحكم، شبيهة بتونس أو تتجاوزها، لكن الاختلاف الكبير بين طبيعة المؤسسة العسكرية في كلا البلدين، والاختلاف الكيفي بين موقفيهما من مسألة التغيير، لعبا دورًا حيويًا في افتراق المسارين.
لا شك أن ازياد الشكوك حول توريث مبارك الحكم لنجله "المدني"، اقتداءً بتوريث الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد الحكم لابنه الطبيب بشار، كان عاملًا إضافيًا حيويًا. فتراكمت انتقادات إعلامية حادة، بل ملتهبة ومتواصلة، في عدة صحف مصرية خلال عام 2010 لهذا السيناريو المحتمل، حظي أصحابها بحماية ضمنية -على الأرجح من المؤسسة العسكرية المعروفة بمعارضتها لهذا السيناريو- من التحرش الأمني والقضائي، بينما أدي مجرد تلميح أكاديمي مصري (راحل) لهذا السيناريو قبل عدة سنوات، إلى دفعه ثمنًا باهظًا من حريته وصحته النفسية والجسدية، بالرغم من ضغوط الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي للإفراج عنه كسجين رأي، والمطالبة بوقف التحرش القضائي به باتهامات مختلفة.
سقف 25 يناير السياسي
كان من المنطقي أن ينعكس عدم التوافق على الهدف من "يوم الغضب" في عدم التوافق على البرنامج/البرامج السياسية لقوى 25 يناير. فهذه القوى هي أحزاب شرعية وشبه شرعية، وجماعات شبابية واحتجاجية وأفراد نشطون في المجال السياسي والثقافي والنقابي والحقوقي، وشخصيات مرموقة ذات صيت مصري وربما عربي وعالمي. لم يمنحهم النداء المباغت للغضب وقتًا كافيًا لإعداد أنفسهم وأذهانهم بأكثر من الاستعداد ليوم أو أكثر من الصدام والمساهمة في تحريك عجلة التاريخ للأمام.
رغم التباين الأيديولوجي الحاد بين بعض أطراف حدث 25 يناير، الذي ضم إسلاميين إلى جانب ماركسيين، فإنه من المدهش أن المحاور العامة لمطالبهم تقاطعت تلقائيًا عند السقف السياسي لنظام 23 يوليو -الذي تخيل بعض المحللين أنهم يتطلعون للإطاحة به- مع إدخال بعض التحسينات عليه دون السعي لتغيير جوهره.
أبرز التحسينات المرغوبة في المجال السياسي كانت تتعلق بمزيد من الحرية وإصلاح الأجهزة الأمنية. أما في المجال الاقتصادي والاجتماعي فكانت تتمحور حول العودة للطبعة الناصرية من نظام 23 يوليو، وذلك بتقييد خصخصة القطاع العام وتحسين الأحوال المعيشية للفئات الفقيرة. هذا لا يعني أن الناصريين -أو أي جماعات أيديولوجية أخري- كان لهم تأثير نوعي في إرساء هذا السقف السياسي. بالطبع؛ كان حراك 25 يناير يضم أيضًا أفرادًا ومجموعات محدودة العدد لها توجهات أيديولوجية تتجاوز يسارًا ويمينًا سقف 23 يوليو، خاصة فيما يتعلق بطبيعة النظام السياسي والاقتصادي ومنظور إدارة العلاقات مع العالم. غير أن هذه التوجهات كانت هامشية التأثير على الاتجاه العام.
من ناحية أخري، كان "برنامج" حراك 25 يناير ديناميكيًا، يتطور عبر الأيام متأثرًا بعاملين رئيسيين؛ أحدهما هو الميول السياسية والأيديولوجية لأبرز رموز "الميدان" والتنظيمات المشاركة، ثانيهما عامل توافقي، وهو تطورات الصراع الميداني (خاصة بعد الصدامين الكبيرين مع القوى الأمنية في 28 يناير و2 فبراير)، والتطورات السياسية، بما في ذلك ردود فعل رئيس الجمهورية وتفاعلات المجتمع الدولي.
أيضًا كان الحوار السياسي مع الوسطاء والصراع الميداني محكومين بسقف 23 يوليو. فقد كان الخصم هو رئيس الدولة المشكوك في عزمه توريث الحكم لنجله "المدني"، بينما "الوسيط" هو المؤسسة العسكرية الحارسة لنظام الحكم الذي أسسته في أعقاب انقلاب 23 يوليو 1952، والذي حصر من تعاقبوا على الحكم منذ ذلك اليوم في أبناء هذه المؤسسة، بمن في ذلك من تولوا المواقع العليا في القطاع العام ووزارات ومؤسسات مدنية وأجهزة أمنية.
ميدانيًا، كانت 23 يوليو أيضًا حائط الصد الأمني، حيث كان الصدام الدامي يجري في القاهرة وعدّة مدن مصرية في 25 يناير مع شرطة أعاد نظام يوليو هيكلتها وتسييسها منذ أيامه الأولى، لتتحول من مؤسسة مهنية إلي حامٍ لنظام الحكم، مع الاستعانة بمشورة السفارتين البريطانية والأمريكية في القاهرة، وجلب خبراء ألمان لهذا الغرض، كانوا قد تمرسوا في تأسيس وإدارة توحش أجهزة أدولف هتلر الأمنية خلال العقدين السابقين لهزيمة الحكم النازي. لاحقًا، صارت تأدية واجب "الخدمة الوطنية" في الجيش لقطاعات عريضة من الشباب غير المتعلم في مصر تجري ضمن قوات الأمن المركزي -التابعة لوزارة الداخلية- والمسؤولة عن حماية نظام حكم 23 يوليو، لا الوطن.
قوات الأمن المركزي بالنسبة لدولة يوليو هي خط الدفاع الميداني، في حال فشل السجون ومراكز التعذيب في إعادة تأهيل الفاعلين السياسيين والثقافيين والنقابيين، بإقناعهم بتبني الخطاب السياسي والأيديولوجي لنظام يوليو، أو في إلزامهم بالتوقف عن تحريض المصريين على المساهمة في تغيير سلبيات واقعهم السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي.
وفقًا لشهادة المناضل الشيوعي سعد زهران، فإنه ورفاق كفاحه في خمسينيات القرن الماضي كانوا مصابين بالذهول إثر تعرضهم لساعات طويلة يوميًا من التعذيب الوحشي، أدت لوفاة/مقتل بعضهم، دون أن يُطلب منهم الاعتراف بشيء، في الوقت الذي كان هو وزملاؤه يعتبرون أنفسهم حلفاء لجمال عبد الناصر.
لكن المشكلة أن ناصر لم يكن يومًا يفتش بين المصريين عن حلفاء. إنه لا يطلب أقل من التبعية، سواء من محمد نجيب رئيس مجلس قيادة ثورة 23 يوليو الذي أطاح به لاحقًا وسجنه، أو من باقي زملائه أعضاء المجلس الذين تنحوا على التوالي دون ضجيج، أو من بين قيادات التنظيم الواحد المهيمن الذي أسسه: الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي لاحقًا. وعندما بدأ صديق عمر ناصر وزير الدفاع -غير المؤهل لمنصبه- عبد الحكيم عامر يتطلع لمعادلة مختلفة في العلاقة بينهما؛ دفعت مصر كلها الثمن، وما زالت تدفعه، منذ أبشع هزيمة عسكرية في 5 يونيو 1967.
محطات على الطريق إلى 25 يناير
توصف السجون في الأدبيات القانونية في العالم بأنها بمثابة مراكز تأهيل للأشخاص المعاقبين لإعدادهم لإعادة انخراطهم في مجتمعهم بعد إنهاء عقوبتهم. لكنها صارت منذ العهد الناصري أداة تحويل ضميري للسياسيين، باستخدام وسائل غير قانونية وأساليب لا إنسانية بشكل منهجي مع المختلفين سياسيًا أو عقائديًا مع العهد الجديد، بما يستهدف دفعهم لاختيار الاعتزال السياسي والامتناع عن أي نشاط مجتمعي، بل ومغادرة مصر إن تمكنوا؛ سعد زهران مثالًا.
كما تهدف السجون إلى تغيير توجهاتهم والالتحاق بأجهزة العهد السياسية أو الإعلامية أو الثقافية التي تسهر، ضمن مهام أخرى، على تأطير المجتمع كقطيع له وجهة سياسية وحيدة، تُملى عليه ولا تناقش، تجاه القضايا الداخلية اليومية، وتجاه الدول العربية وغير العربية التي يصنفها رأس نظام الحكم وأجهزته باعتبارهم دولًا عدوةً أو صديقة. أحد هذه الأجهزة يمنحها جورج أورويل في روايته الأيقونية 1984 عن النظم الشمولية اسم "وزارة الحب". أما الهدف الأسمى فهو أن يؤمن القطيع بأن 2+2=5.
في ذلك النظام الشمولي تسمي الرواية عملية تحويل ضمير ضحية عن طريق التعذيب "علاجًا" له. يقول القائم على وزارة الحب: "إننا نحول معتقده ونأسر عقله الداخلي، ونحن نعيد تشكيله. نحن نحرق كل الشر الذي في داخله والوهم؛ نحن نجتذبه إلى صفنا، ليس في المظهر بل في الحقيقة، في قلبه وروحه.. إننا لا ندع أحدًا نحضره هنا يفلت من أيدينا دون أن يُشفى.. نحن نجعل من جريمة الفكر أمرًا مستحيلًا حرفيًا.. حيث إن الحرية السياسية والفكرية لم تعد موجودة حتى كمفاهيم".
هذا "العلاج" متعدد المستويات هو ذات منطق نظام يوليو، وهو ذات التعبير الذي ردّ به جمال عبد الناصر على سؤال إحسان عبد القدوس الصحفي والأديب المناصر لانقلاب 1952، حين عبّر له عن اندهاشه من اعتقاله في زنزانة انفرادية دون تحقيق أو محاكمة عام 1954، ثم مبادرة ناصر بعد الإفراج عنه بدعوته لمنزله لتناول الغداء عدة مرات معه ودون أن يفسر له سبب الاعتقال أو الدعوات المتكررة للغذاء في بيته؟ بكل "الحب" أجاب ناصر "أنا أحاول علاجك نفسيًا يا إحسان".
لم يكن عبد القدوس حالةً استثنائيةً، فقد أخذ ناصر على عاتقه مهمات "الهداية العلاجية" لشخصيات سياسية أخرى لها وزنها، اصطفاها بالتوازي مع جهود مراكز التعذيب التي لم تتوقف نسبيًا إلا في عهد أنور السادات، ثم استأنفت مهامها "العلاجية" بحمية أكبر بعد اغتياله.
نشر أورويل روايته عام 1949، أي قبل نشأة نظام ناصر التوتاليتاري، لكن بعد 18 عامًا من نشرها خرج في 9 يونيو 1967 ملايين المصريين المؤمنين بأن 2+2=5 ليتوسلوا باكين إلى رأس النظام الذي قادهم لأكبر هزيمة عسكرية وحضارية في تاريخ بلادهم الحديث، ألّا ينحي قبضته عن مقبض القيادة، وعن رقابهم وعقولهم.
ترى بماذا كان يعلق أورويل لو كان لم يزل حيًا حينذاك؟ يفسر المؤرخ شريف يونس هذا المشهد بأنه نتاج "التعبئة"، إنه "نتيجة تحطيم طويل المدى للحياة السياسية... السلطة تُنتج الوعي وتشكله، والسلطة المطلقة هي الأقدر على ذلك".
لا يعني يونس بذلك أن مسيرات رفض التنحي كانت استجابة لتعليمات الاتحاد الاشتراكي، بل كانت استجابةً لنداء داخلي تلقائي في جموع بائسة، سُلب منها على مدار 15 عامًا كل أدواتها في التفكير والتصرف المستقل، عيونها شاخصة في الفراغ في انتظار دائم لإشارة "الأخ الكبير"، بتعبير أورويل، فالولاء المطلق يعني انعدام الوعي.
يثير مشهد 9 يونيو سؤالًا مشروعًا حول مشهد 25 يناير؛ إلى أي حد تجاوز وعي وضمائر المصريين في فجر 25 يناير رواسخ هذه "التعبئة" التي تجذرت في عقولهم خلال 6 عقود، خاصة مع استمرار "التحطيم طويل المدى للحياة السياسية" ومقاومة النخب الثقافية والسياسية لمراجعات بادر بها مفكرون وأدباء مرموقون لسياسات وممارسات وأخلاقيات العهد الناصري/"الأخ الكبير"؟ هل يكفي نبذ حراك 25 يناير لحسني مبارك للتدليل على تجاوز المصريين لرواسخ التلاعب المنهجي بعقولهم وتدجينها على مدار 6 عقود متواصلة؟ هل يكفي مجرد تعاقب الزمان والأجيال وحكام آخرين لهم بصمات مختلفة لتتآكل جذور هذه "التعبئة" وتتلاشى، رغم أن هؤلاء الحكام الآخرين يستندون بصيغ مختلفة لمؤسسات حارسة لم يتغير جوهرها، وخطاب سياسي واعلامي وتعليمي وديني لم يتبدل جوهره؟
ما بعد 25 يناير
كانت 25 يناير مثلثًا سياسيًا فريدًا من نوعه في تاريخ مصر الحديث؛ قوى سياسية مدنية محرومة لعدة عقود من ممارسة النشاط السياسي الحر تخوض صراعًا سلميًا ميدانيًا مدفوع الثمن بالدم والعيون تحت السقف السياسي لـ23 يوليو. يتصدى لها ميدانيًا بالذخيرة الحية قوات أمنية مهمتها حماية آخر طبعة من نظام 23 يوليو. بينما يقوم بدور الوسيط المؤسسة المنشئة والحارسة تاريخيًا لنظام يوليو.
كان حصاد هذا المشهد متوقعًا ما لم تحدث مفاجآت كبرى غير متوقعة. في جانب، كان يتمركز طرفان متمرسان بالسياسة العملية ويحظيان بالشرعية القانونية والدستورية، ويتمتعان بانضباطية تلقائية. وعلى الجانب الآخر كانت تقف جبهة تضم اتجاهات سياسية مختلفة وأيدولوجيات متصادمة، لم يُتح لها التصحير السياسي المتواصل لعقود مجالًا لحوار جدّي، ولا يؤطر هذه القوى مجلس تنسيقي معلن ولا برنامج حد أدنى موحد.
لا يقل أهمية؛ أنه في هذا المشهد وتحت سقفه السياسي، احتلت قيمة الحرية موقعًا متدنيًا نسبيًا في سلم القيم المشتركة لأطراف 25 يناير، مع استعداد خجول للتضحية بها مقابل مكاسب وهمية أو قصيرة المدى، أو قصيرة النظر بمعنى أصح، أو لصالح قيم أخرى، أو أولويات تنظيم بعينه على حساب المصالح العامة لعموم المصريين، أو في سبيل الانتصار المؤقت لتصور أيديولوجي ما.
عامل التدني النسبي لمكانة قيمة الحرية في سلم قيم وأولويات قوى 25 يناير لا ينحصر تأثيره فيما حدث 25 يناير، بل سيلعب، للأسف، دورًا مؤثرًا في تحديد مسار التطورات التالية منذ يوم تنحي مبارك في 11 فبراير وخلال 15 عامًا متوالية، بما في ذلك خسارة كل المعارك السياسية الكبرى التالية.
كانت جماعة الإخوان المسلمين آخر من التحق "بالميدان"، وأول من كسر التوافق العام ولبّى دعوة اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية للحوار قبل تنحي الرئيس. لكن المساومات لم تنحصر بالجماعة. فقد صمتت أطراف رئيسية متعددة في حراك 25 يناير على الهجمة الأمنية القضائية المسيسة على المنظمات الحقوقية (بدأت في نوفمبر 2011 وما زالت متواصلة)، بل وباركها بعض رموز يناير.
وفي العام التالي أصدر رئيس الجمهورية المنتخب المدعوم من قوى يناير إعلانًا دستوريًا ذا طبيعة ديكتاتورية، ثم بارك مذبحة أشرف عليها وزير الداخلية. متعللةً بمثل هذه الممارسات السلبية من جانب جماعة الإخوان المسلمين؛ قررت أغلبية الأطراف المدنية والعلمانية التحالف مع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية للإطاحة بالرئيس المدني، ثم انزلقت للتواطؤ على أكبر مذبحة في التاريخ في يوم واحد "مذبحة رابعة العدوية"، وعلى عدم التعامل مع عشرات ألوف المسجونين الإسلاميين باعتبارهم سجناء رأي.
لاحقًا، خنق نظام الحكم الجديد هذه الأطراف العلمانية المدنية سياسيًا، وهمّشها كليًا، رغم وجود سجلات لعشرات الأحزاب على الورق. بينما تتعاقب بالتوازي أنماط أخرى من "العلاج" التأهيلي الجماعي على نهج "الأخ الكبير" المؤسس، مثل جلسات ما يسمى "الحوار الوطني" وموالد "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان"، بالتوازي مع جلسات العلاج "الخشن" المتواصلة 13 عامًا لعشرات الألوف من سجناء الرأي إسلاميين وعلمانيين، بمباركة نسخة منقحة من "وزارات الحب" أو ما يسمى "المجلس القومي لحقوق الإنسان" ولجان "حقوق الإنسان" في عدة وزارات.
تأمُّل مواقف بعض أبرز رموز يناير، علمانيين وإسلاميين، من أبرز أحداث العالم اليوم، لا يقود للأسف لاستنتاج مختلف: قيمة الحرية في أدنى السلم. حرية الشعوب وتطلعاتها للتقدم الاقتصادي والاجتماعي والروحي لا يُنظر إليها إلا من ثقب موقع بعض دول الغرب و/أو إسرائيل من هذه التطلعات، حتى لو ارتكب الحكام جرائم إبادة بحق شعوبهم، مثل بشار الأسد ومن قبله صدام حسين، أو كانوا نُظم حكم فاشية أكثر شراسة من الحاكم الذي أطاح به المصريون في 25 يناير، مثل إيران.
بكلمات أورويل؛ إنها "الوطنية البدائية" التي تملأ فراغ التصحر السياسي والفكري.
في عرض أسبوعي متواصل خلال العامين الماضيين، برهنت أغلبية شعوب دول الشمال العالمي من السويد شمالًا إلى أستراليا جنوبًا، بالتعارض مع مواقف بعض حكوماتهم، على الأولوية الحاسمة لموقع قيمة الحرية لديها، وذلك من خلال التعبير بمشاركة ملايين، بينهم شخصيات يهودية مرموقة، على تضامنها مع الشعب الفلسطيني. مثلما سبق أن جسّدت تلك الشعوب تضامنها مع الشعب الأوكراني، وقبل ذلك مع الشعب الفيتنامي والعراقي والسوري، ولاحقًا مع الشعب السوداني والإيراني. بينما عجز المصريون (حتى) عن التعبير الرمزي عن تضامنهم مع الفلسطينيين، رغم أن قطاعًا عريضًا من الناشطين المصريين ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها المسألة المركزية للمصريين.
قد يُمكن تفسير هذا العجز بأن الحرية لم ترتق بعد لتكون المسألة المركزية الأولى في كفاح المصريين.
أخيرًا؛ لقد كان حراك 25 يناير حدثًا هائلًا في سياق عملية تاريخية متواصلة ستؤدي يومًا إلى "فطام" المصريين من نظام سياسي استبدادي، استباحهم لسبعة عقود، جردهم خلالها مما تمتلكه شعوب أخرى في الشمال والجنوب، من قدرات وأدوات التفكير المستقل والعمل الجماعي والفردي وحرية تنظيم حياتهم، بالتالي حال دون ارتقاء دولتهم لموقعها اللائق في مراتب النمو الاقتصادي والإنساني التي ترشحها لها مواردها الطبيعية والبشرية.
صحيح أن المصريين يعانون اليوم من انتكاسة في نظامهم السياسي والاقتصادي، انزلقت بهم إلى وضع أكثر استبدادًا وأقل حريةً وأكثر فقرًا وأكثر انحطاطًا ثقافيًا وتعليميًا مما كانوا عليه منذ 15 عامًا، لكن كفاح الشعوب لا يسير دائمًا في خط مستقيم أو صاعد، رغم فداحة التضحيات.
الخطوة التي لا غنى عنها لتقصير الطريق وتقليل المعاناة والتضحيات هي استخلاص الدروس بشكل سليم. ذلك هو أيضًا أقل تعويض لشهداء 25 يناير، وبمثابة اعتراف رمزي بقيمة تضحياتهم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.