تصميم أحمد بلال، المنصة 2026
نجا إحسان عبد القدوس من السجن، لكن عبد الناصر كما يليق بسيكوباتي عريق، أصدر قرارًا بتأميم روز اليوسف

روشتة الديكتاتور لعلاج وتأهيل الكتاب الثائرين

عبد الناصر وإحسان عبد القدوس.. ميلودراما الكاتب والرئيس

منشور الخميس 1 كانون الثاني/يناير 2026

قبل ربع قرن بدأ المترجم والأكاديمي الأمريكي جوناثان سمولين دراسةَ اللغة العربية في القاهرة، حينها تعرَّف لأول مرة على أعمال إحسان عبد القدوس بفضل أستاذه فاروق مصطفى الذي كان يُدرِّس أعمال عبد القدوس لدارسي العربية من غير الناطقين بها، نظرًا لبساطة لغتها وأسلوبها.

سيُكمِل جوناثان دراسته حتى يحصل على دكتوراه الأدب العربي ويتخصص في الأدب المغربي، ليصبح اليوم أستاذًا لدراسات الشرق الأوسط في جامعة دورتموث. وبعد ربع قرن من العمل في مجال تخصصه، يعود لشغف البدايات في كتابه الأخير "سياسات الميلودراما: الحياة السياسية والثقافية لإحسان عبد القدوس وجمال عبد الناصر".

يبدأ الكتاب من لحظة مفصلية في حياة إحسان؛ اعتقاله عام 1954 بسبب مقاله "الجمعية السرية التي تحكم مصر". سُجِن نجم الصحافة والمجتمع المخملي في زنزانة انفرادية دون تحقيق ولا محاكمة، محرومًا من الزيارات، حتى أُفرِج عنه دون تفسير.

عندما وصل إلى منزله قادمًا من السجن، رن جرس التليفون، كان المتحدث صديقه القديم جمال عبد الناصر، الذي دعاه وكأن شيئًا لم يكن لتناول الغداء، وأخبره أن سيارةً خاصةً في طريقها لإحضاره.

وصل إحسان إلى عبد الناصر، وتناول الاثنان غداءهما وهما يتحدثان كالمعتاد، دون أي ذكر لفترة الاعتقال. في اليوم التالي تكررت الدعوة نفسها، ثم اليوم الذي يليه، والذي يليه والذي يليه، حتى سأل إحسان الرئيس: لماذا؟ لماذا السجن؟ ولماذا دعوة الغداء؟ بلطف ومحبة رد عليه عبد الناصر: أنا أحاول علاجك نفسيًا يا إحسان.

حلم الثورة وقد صار كابوسًا

هذا المشهد الافتتاحي يُكثِّف جوهر العلاقة السيكوباتية التي أصبحت تربط أي كاتب متحقق من التيار السائد، برأس السلطة في مصر، كما وضع أساسها عبد الناصر. ويقدم جوناثان تحليلًا عمليًا لهذه العلاقة عبر التدقيق في مشروع إحسان عبد القدوس الصحفي والسياسي، مازجًا في منهجه عدة سياقات وتقنيات بحثية وتحليلية.

يقدم جوناثان في هذا الكتاب قراءةً مبتكرةً لتراث إحسان عبد القدوس، بمنهجية تمزج الرواية بالصحافة لتضعهما في سطر واحد. فحين بدأ في جمع روايات إحسان لقراءتها، انتبه إلى أنها كُتبت أولًا للنشر مسلسلة في روز اليوسف، بينما كان إحسان يكتب في العدد نفسه افتتاحياته السياسية.

الرواية والمقال يتحركان معًا، يقول أحدهما ما لا يستطيع الآخر قوله. وحين صدرت الروايات لاحقًا في كتب، تغيّر النص: جمل حُذفت، أخرى أُضيفت، وبقي الأثر. لكن في رأيه لا يمكن فهم الأبعاد المتعددة لمشروع إحسان الأدبي دون قراءته بالتوازي مع ما كان يكتبه وينشره في مقالاته السياسية.

نشر إحسان أولى قصصه وهو مراهق في روز اليوسف باسمٍ مستعار. حين أخبر والدته فاطمة اليوسف صاحبة المجلة لم تكافئه بل ضربته لاحتياله عليها وعلى المحرر. لكنها أيضًا سمحت له بالعمل صحفيًّا تحت التمرين في المجلة. وبنهاية الأربعينيات، أصبح المتدرب نجمًا صحفيًا صداميًا، وصوتًا ثوريًا يشتبك مع طبقته وسلطة زمنه بلا مواربة.

في مقالاته المبكرة، مع نهاية الأربعينيات، كان يكتب بروح ثائرٍ ينتظر لحظة الانفجار. طالب بالثورة بلا مواربة، وتحدّث عن "البطل المنتظر" القادر على انتشال مصر من كبوتها وتحريرها من أغلالها. لم يكن هذا انتظارًا مجازيًا؛ فمع اغتيال أمين عثمان عام 1946 وهو سياسي موالٍ للإنجليز، دخل إحسان قلب الفعل السياسي، حين ارتبط بقاتل عثمان الهارب وقتها توفيق حسين، وأخفاه في منزله بينما كانت الشرطة تطوّق القاهرة بحثًا عنه.

تلك الواقعة، التي ستتحوّل لاحقًا إلى رواية في بيتنا رجل، لم تكن مجرد إلهام أدبي، إنما بوابة عبور إلى شبكة التنظيمات الثورية الناشئة، على رأسها تنظيم الضباط الأحرار. بعد حرب 1948، صار إحسان صوتهم العلني، وعبر تسريبات وشهادات من رجال التنظيم، كشف فضيحة الأسلحة الفاسدة، ومع الوقت أصبح جزءًا من المشروع لا مجرد صوت، لدرجة أنه عرف موعد ثورة يوليو.

حين قامت الثورة، حضر صوت إحسان في الإذاعة إلى جوار صوت أنور السادات بوصفه المتحدث غير الرسمي باسمها. بشَّرت مقالاته وأحاديثه الإذاعية بالبطل المنتظر، لكن حلمه تشقق بانقلاب جمال عبد الناصر على المسار الديمقراطي بحل الأحزاب ومصادرة الصحف. وحين حاول رفع صوته كان مصيره السجن، ثم جلسات العلاج النفسي على الغداء. بالطبع لم يكن علاجًا للشفاء من سقم أو مرض، بل إعادة تأهيل لكاتب، وإرجاعه إلى الموقع الذي تريده السلطة له.

إحسان بالنسبة لناصر لم يكن مجرد صديق قديم أو كاتب يهوى قراءة أعماله، فقد أدرك أنه الكاتب الأكثر مبيعًا في مصر، والاسم الأدبي الأقرب إلى نساء وبنات الطبقة الوسطى المتعلمة، وصاحب التأثير الأوسع في تشكيل الخيال العاطفي والأخلاقي لجيل كامل. في قصصه ورواياته، كانت تُعاد صياغة قواعد الحب، والأسرة، والالتزام، والسلطة، وأراد لإحسان أن يكون صوته وأداته لتشكيل ذلك الخيال العاطفي.

لكن المفارقة التي يسجلها جوناثان أن إحسان نفسه، المنخرط في الثورة والمؤمن بالرئيس، كان أكثر من أدرك خطورة هذا التحوّل. فخلف القرب، وخلف محاولات الاحتواء، كان يرى بوضوح ملامح ديكتاتور يتكوّن، وسلطة لا تقبل الشراكة. من هنا، لا تصبح كتاباته اللاحقة، وانسحابه التدريجي إلى الميلودراما، هروبًا من السياسة، بل تكيف مع ثورة تحوّلت إلى نظام، وبطل منتظر لم يعد يحتمل إلا صورته وحده.

بعد تجربة السجن والانكسار، بدأ انسحاب إحسان عبد القدوس من السياسة وأيضًا نشر رواياته، التي يقرأها جوناثان ويحللها تعبيرًا عن الصراع بينه وبين عبد الناصر. فمثلاً، يرى رواية لا أنام أكثر من حكاية ميلودرامية اجتماعية، لأنها أيضًا تجسيدٌ لعلاقةٍ مختلةٍ مع سلطة مهووسة تبرر السيطرة بالحماية، والقمع بالحرص، والإقصاء باسم الأخلاق.

"نادية" بطلة الرواية مجرد قناع سردي يكتب من خلاله إحسانُ نفسَه بعد الصدمة السياسية وتجربة السجن. هي لا تحب الأب بل تريد احتكاره، وهو ما يعكس موقع إحسان من سلطة الثورة؛ لا يستطيع الفكاك منها، لكن يُرعبه في الوقت نفسه فقدان مكانته داخلها. البطلة تدمّر كل امرأة أخرى باسم الحب، كما دمرت الدولة الناصرية كل صوت بديل باسم الحماية. وهي، مثل إحسان، لا تمارس القمع من موقع القوة الخالصة، بل من موقع الخوف من الإقصاء. لتصبح "لا أنام" حكايةً مشفرةً عن كاتب يراقب السلطة من داخلها وقد أدرك متأخرًا أنه صار يشبهها أكثر مما يحتمل.

لكن حتى الهروب لعالم الرواية لم يُنجِّ إحسانَ من العواقب، فأعماله بما تحملها من ميلودراما ورغبة وجسد سرعان ما وضعته في اشتباك مع الرقابة. واجهت أعماله اعتراضات وهجمات أخلاقية وصلت للذروة مع نشر أنف وثلاث عيون، حيث استُدعي للتحقيق لـ"خدش الحياء العام". وتصاعدت الهجمات وكادت تسجنه مرة أخرى لولا تدخل عبد الناصر، في مفارقة تُلخّص مأزق إحسان كله: الكاتب يُستدعى للمحاسبة باسم الأخلاق، ثم يُنقذ بقرار سيادي.

نجا إحسان من السجن، لكن عبد الناصر كما يليق بسيكوباتي عريق، أصدر قرارًا بتأميم روز اليوسف مع عدد من الجرائد والمجلات، وبعد صدور القرار كتب إحسان مقالًا يعبر فيه عن سعادته بهذا القرار الذي انتظره طويلًا، في تعبير دقيق عن نجاح العلاج/التدمير النفسي الكامل الذي مارسه عبد الناصر عليه.

لا تأكل التبولة

بينما كانت روايات إحسان تتحدث عن الخوف والرغبة في الحرية، كالت مقالاته الافتتاحية المديح لناصر وعبقريته، ولم تتوقف إلا بعد واقعة التبولة.

في بداية الستينيات التقي إحسان بحنان الشيخ التي أتت من لبنان لاستكمال دراستها في القاهرة ونشر قصصها ومقالاتها. كانت في التاسعة عشرة وإحسان في الأربعين، ورغم زواجه وقتها وقع الاثنان في الحب.

لم تكن علاقة سرية؛ فقد اصطحبها معه إلى كل اللقاءات والمناسبات الاجتماعية، وفي صيف 1964 سافرا معًا إلى أوروبا. تروي حنان الشيخ التي صارت الآن من أهم الأصوات الروائية في الأدب العربي واقعة تلخص الحالة النفسية لإحسان وقتها حين كانا يتناولان الغداء في مطعم إيطالي تحت الأرض.

باغتته الأزمة فجأة فلم يستطِع التنفس. خرجا من المطعم ليسقط على أرض الشارع، ظل هكذا ثلث ساعة حتى تمكن من السيطرة على نفسه مجددًا. يُمكن أن نقرأ ما حدث كنوبة فزع وقلق، وحسبما قال لها لاحقًا فإن طبيبه أخبره أن السبب نفسي وليس عضويًّا.

بعد تلك الرحلة زاره السادات وطلب منه أن يتمشيَّا سويًا على النيل، وأثناء التمشية نقل له تحيات عبد الناصر ووصيته بالتوقف عن تناول سلطة التبولة اللبنانية. ثار إحسان وماج على التدخل في حياته الخاصة. بعد هذه الموقعة يرصد جوناثان أن إحسان ولأكثر من 18 شهرًا، لم ينشر أي افتتاحية مديح، كما توقف أيضًا عن نشر الروايات.

في أحد حواراته الصحفية اللاحقة، قال إحسان إنه عاش في تلك الفترة أصعب أيامه نفسيًا، وانتهى به الأمر إلى انهيار نفسي حاد. كان عبد الناصر  استولى على كل شيء وأخضعه له تمامًا، لكن كما قال كل مرة عاد وانتشله ثانيةً حين عينه رئيسًا لتحرير أخبار اليوم، حيث عاد لكتابة مقالات التصفيق والمديح. أما الأدب فهجره تمامًا.

لخمس سنوات لم ينشر إحسان أي رواية جديدة، حتى زاره السادات يومًا وأثناء الحديث أخبره أن الرئيس مستاءٌ جدًا من توقفه. صُعق من الطلب وشعر بإمعان في إهانته وإذلاله، لكنه ابتلع كل ذلك وطلب من السادات أن يخبر عبد الناصر أنه "سيقرأ روايتي حين أستطيع كتابتها". لكن ناصر مات سنة 1970 دون أن يقرأ رواية إحسان.

مثل الكثير من مثقفي الحقبة الناصرية وطباليها؛ انقلب عبد القدوس على صديقه القديم بعد رحيله، وبدأ في كتابة المقالات وإجراء الحوارات والأحاديث الصحفية التي يهاجم فيه الرئيس وميراثه السياسي.

لا يقدّم كتاب جوناثان سمولين قراءة جديدة لإحسان عبد القدوس وحده، إنما يفتح مدخلًا مختلفًا لقراءة تراث الأدب العربي الحديث كله. فإحسان لم يكن استثناءً؛ معظم ما نعدّه اليوم "التراث الروائي المصري" كُتب أولًا في الصحف، ونشر مسلسلًا داخل زمن سياسي حيّ، قبل أن يُنقّى ويُعاد ترتيبه في شكل كتب.

إعادة قراءة هذه الأعمال من داخل لحظة نشرها وربطها بما كان يُقال ويُحذف ويُخشى في الوقت نفسه، تفتح الباب أمام استنتاجات جديدة عن علاقة الأدب بالسلطة، وعن النص بوصفه حدثًا لا أثرًا فقط. وفي الوقت نفسه، يكشف الكتاب عن لعنة المثقف المصري مع الديكتاتورية؛ حياة تُعاش تحت الخوف، وكتابة تُستنزف حتى تتحول إلى جسد بلا حواس، أو إلى وعاء مؤقت للسلطة.

لعنة لا تنتهي بالموت، تلاحق الكاتب حتى بعد غيابه، فبعد عقود من وفاة إحسان عبد القدوس، تعرّض قبره للتعدي والهدم في يوليو/تموز 2020 مرة أخرى من قبل السلطة، وكأن علاجه النفسي لا يزال مستمرًا.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.