
أنور السادات.. سنوات الجنوح والغموض والدم
بالنسبة للكثيرين، ينتهي تاريخ أنور السادات السياسي لحظة توقيعه اتفاقية كامب ديفيد في 17 سبتمبر/أيلول 1978، قبل نهاية تاريخه الشخصي كإنسان مع اغتياله على منصة العرض العسكري في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1981. أما ما بين اللحظتين؛ فليس أكثر من متابعة إتمام الاتفاقية وضمان التزام الإسرائيليين بها وتسليم سيناء كاملة لمصر.
وعليه، هناك نوع من الطناش والتناسي المتعمد لما حدث بين خريفي 1978 و1981، كمحطات في التاريخ المصري السياسي وموقع أنور السادات فيها، رغم أنها أعوام شديدة الأهمية والخطورة، تتشكل خلالها مصر الجديدة، الحليفة العسكرية للولايات المتحدة، بشكل رسمي.
فمع سريان اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979 بدأت مصر في رحلة المعونة العسكرية الأمريكية؛ مليار دولار في السنة بحسابات ذاك الزمن. رقم كبير جدًا، سيتغير معه كل شيء في علاقات السلطة ونظرة المؤسسات لمكانتها في علاقات القوة والمصالح، وستتحول القوات المسلحة المصرية إلى فاعل اقتصادي داخلي ورقم صعب في معادلات الملكية العامة.
ومن هذا التغيير سيزداد التاريخ السياسي المصري ضبابية؛ ليتحول ثلثا الحقيقة إلى نصف حقيقة، ومع الوقت سيتبقى من نصف الحقيقة هذا ربعه.
انعرجت الطريق فزاد من سرعته
تحدثت في المقال السابق عن عالم أنور السادات الذي ظنَّه ممتدًا ومستمرًا، وأنه سيناور من داخله لتحقيق أعلى المكتسبات وفق رؤيته لمصر حليفًا أول وأساسيًا للولايات المتحدة في المنطقة، في ظل استمرار الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي.
انهار العالم الذي تخيله السادات ممتدًا في عامين؛ سقط الشاه في إيران، وغرقت تركيا في أوحال تبعات الانقلاب الدموي للجنرال كنعان إيفرين، أما إسرائيل فعمَّقت من عدوانيتها العسكرية في المشرق العربي، لتعلن بوضوح أن السلام مع مصر سيعني الحرب مع باقي العرب.
والأكثر درامية هو تزامن كل ما سبق مع توقيع كامب ديفيد، لتتحول من كونها إطارًا طموحًا لإعادة صياغة مستقبل المنطقة بأسرها وفقًا للرؤية المصرية، إلى مجرد التزام إسرائيلي بالانسحاب من سيناء بضمانات أمريكية مشروطة بالطبع.
تعامَل أنور السادات مع المتغيرات السريعة المعاكسة لتصوراته بعصبية وعناد، فقد كانت ورطته كبيرة حقًا، ولم يعرف الرجل هل هذا حظ سيئ أم مؤامرة كونية أم مزيج من الاثنين.
ليس صعبًا على أي متابع ملاحظة تحول السادات في عاميه الأخيرين من رجل لطيف لديه حس دعابة فكاهي عالٍ، إلى شخص أكثر عصبية وتهوّرًا وغرائبية. وربما، ولهذا السبب تُلقَى ظلالٌ داكنة على هذه السنوات حفاظًا على سمعة ومكانة الرجل، الذي سيصبح بعد مصرعه نموذجًا وأبًا روحيًا لكل رجالات السلطة الذين جاؤوا بعده.
كان أول ملامح عناد السادات هو إصراره على تقديم مصر حليفَ الولايات المتحدة الأول والرئيسي في العالمين العربي والإسلامي. ومع انتصار الثورة الإسلامية في إيران وإسقاطها الشاه محمد رضا بهلوي ذهب السادات بعيدًا في تأييده المتحمس لعدوان العراق المباغت على إيران عام 1980، لكن الأهم من ذلك كان إقدامه على ما أُسمِّيه الأكروبات الأفغانية التي انتهت بمصيبة مصرية.
فمع استيلاء الشيوعيين على السلطة في أفغانستان عام 1977، ثم التدخل العسكري السوفيتي في 1979 لتغليب سيطرة جناح بارشام المعتدل في مواجهة جناح خلق المتطرف داخل حزب الشعب الديمقراطي الحاكم، اندلع عصيان مسلح في أفغانستان من داخل مناطق الأقليات الأوزبكية والطاجيكية والشيعية، وكان أنور السادات هو أول راعٍ سياسي معلن لهذا التمرد المسلح، وكانت مصر أول من أطلق عليه اسم "الجهاد الإسلامي في أفغانستان".
أعقب هذا قرار جريء بالمبادرة بالانسحاب من أولمبياد موسكو الصيفية عام 1980. كان السادات مَلَكيًا أكثر من الملك وهو يجعل مصر أول بلد يعلن انسحابه من العرس الرياضي الدولي، قبل الولايات المتحدة نفسها. وخلال تلك الشهور قدّم السادات نفسه للعالم الغربي بأنه الزعيم المسلم الأكثر تأثيرًا في مقابل ما سماه "الخمينية" البعيدة عن روح الإسلام الحقيقي.
ترتب على هذا الخط السياسي المغامر تورط مصر في لعبة مؤذية استمرت عشر سنوات بعد اغتيال السادات نفسه، تحولت معها إلى مورد أنفار جهادي بالتحالف مع الولايات المتحدة والسعودية بالأساس.
سنوات العلَّة الأفغانية
الأمر لا يحتاج إلى حسبة معقدة، فالمقاتلون العشرة آلاف الذين ذهبوا من مصر إلى أفغانستان، هم نتاج عملية اختيار وفرز من حاضنة سياسية وعقائدية قوامها مئات الآلاف، أي أن شرط إتمام واستمرار الصفقة هو ضمان امتداد الوجود التنظيمي الحركي للتيارات الإسلامية الجهادية في مصر، حتى بعد مشاركتها في اغتيال أنور السادات نفسه.
لعل هذا يفسر لماذا تأجلت مواجهة الدولة للجماعات الإسلامية حتى مطلع التسعينيات. الإجابة بسيطة جدًا؛ انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء العلَّة الأفغانية وأكروباتها التي جلبت على مصر الشلل والجمود السياسي والعنف المسلح لعقود.
بالتزامن مع مساهمته المركزية في نصب السيرك الأفغاني، كان السادات يخوض معارك أخرى لا نعلم عنها إلا القليل حتى الآن. يعرف الناس قصة اعتقالات سبتمبر الشهيرة عام 1981 ثم اغتيال السادات الذي أعقبها بأسابيع. ولكنها تُستعاد عادة كلحظة ثابتة في الزمن منقطعة عن سياق أوسع. أو كأنها مجرد قرار قمعي مفاجئ من ديكتاتور عصبي يحاول وأد حادث فتنة طائفية اندلع في الزاوية الحمراء.
لكن في الحقيقة فلا منطق لحبس فؤاد سراج الدين ومحمد حسنين هيكل وعبد الرحمن الأبنودي وعمر التلمساني، وعزل البابا شنودة، وقتل كمال السنانيري في الحبس، بسبب حادث الزاوية الحمراء. هذا كلام يصلح لمخاطبة حفنة من المتخلفين. الفتنة الطائفية لا تُفسّر اعتقال السادات نخبة مصر السياسية والفكرية جماعةً، من أقصى يسارها إلى أقصى يمينها.
في الحقيقة، كانت اعتقالات سبتمبر 1981 ثم حادث المنصة في أكتوبر 1981، تتويجًا لحالة من التخبط والسُّعار السلطوي المتصاعد عند السادات على مدى عامين، سعار يظلله الغموض في ظل قرار بعدم الكلام، لأن هناك دماءً سالت لا نعرف من أهدرها بالضبط وفي أي سياق.
السرية التي طغت على العلانية في عالم ما بعد كامب ديفيد، طغت أكثر فيما يتعلق بكل ما هو سيادي، وازدادت سريةً إذا ما تعلق ذلك الأمر السيادي بملابسات دموية أثارت الأسئلة أكثر مما قدمت الإجابات. ففي 2 مارس/آذار عام 1981 استيقظت مصر على خبر سقوط طائرة الفريق أحمد بدوى القائد العام للقوات المسلحة ومعه 13 من قيادات الجيش، من بينهم قائد المنطقة الغربية ومدير الهيئة الهندسية ومدير هيئة التدريب ومدير هيئة الإمداد والتموين ورئيس هيئة العمليات، وغيرهم من القادة البارزين النجباء ذوي الشعبية في قيادة الأركان.
هذا ليس حادثًا بسيطًا، وأشاع وقتها قدرًا لا بأس به من البلبلة. فالضحية ليس فقط وزير الدفاع بل نسبة معتبرة من قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، في ظل شائعات عن وجود خلافات بين السادات وبدوي بشأن إدارة مشتريات القوات المسلحة في ضوء "خصخصة" عملياتها بعد التحول من النمط السوفيتي الذي يعتمد على تعاقد حكومي مباشر بين الدولتين، إلى نمط السوق المفتوحة الذي يعتمد على وساطة شركات وبيع وشراء من شركات خاصة، بما يصاحب ذلك من عمولات للبيع والشراء.
ظلت هذه القصة محل بلبلة وقيلٍ وقال، حتى فجرها بوضوح النائب البرلماني السابق علوي حافظ عام 1990، وهو العسكري السابق وصديق أحمد بدوي وزميل دفعته في الكلية الحربية.
سقطت طائرة بدوي المروحية ومعه القادة في مارس 1981، واغتِيل السادات في منصة العرض العسكري في حماية القوات المسلحة بعدها بسبعة أشهر فقط، وفي الأثناء اضطرابات سياسية لا أول لها ولا آخر، انتهت باعتقالات سبتمبر 1981 الشهيرة.
نحن الآن في عام 2025، يفصلنا عن تلك الأحداث قرابة النصف قرن، فلماذا لا يتحدث معاصروها بشكل أكثر شفافية؟ لماذا لا يخبرنا مثلًا مقدم المخابرات الحربية عبود عبد اللطيف الزمر، الذي تحول في ظرف عامين في السجن إلى الشيخ عبود الزمر، عن دوره في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ البلد؟ ولماذا لا يتحدث الآخرون؟
نحن الآن في زمن مختلف، صحيحٌ أن إرثًا ثقيلًا من تركة السادات ومن قبله عبد الناصر ما زال يطاردنا، لكننا أبناء عالم جديد أكبر من هذا الإرث، وهو عالم لن نفهمه جيدًا من دون الإحاطة بأصول ما ورثناه وتفاصيله.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.