صفحة الهيئة العامة للكتاب على فيسبوك
رواد معرض القاهرة الدولي للكتاب، 2023

معرض الكتاب.. استعراض موسمي يهمش الفعل الثقافي الحقيقي

منشور الأربعاء 21 كانون الثاني/يناير 2026

لعقودٍ؛ ظلَّ معرض القاهرة الدولي للكتاب عيدًا للثقافة، وليس مجرد سوقٍ بضاعتُها الكتب ووسائل أخرى تستجيب لطلب الراغبين في المعرفة، لكن في السنوات الأخيرة تغيّر كلُّ ذلك؛ ليتحوّل إلى المعرض إلى فعل بيروقراطي باهت، أشبه بالموالد التي لا تتغير طقوسها، لا سيما مع انحراف النقاش عن القضايا الحقيقية التى تشغل الناس.

يزداد انحراف الحدث عن هدفه الحقيقي في ظل استبعاد بعض الأسماء التى كان يمكن أن تعطي المناقشات حيوية، وفي ظل تخمة من ندوات متوازية، توحي بالتعددية، وهي في حقيقتها أقرب إلى ثرثرة تصنع ضجيجًا يكاد يخلو من صوتٍ واضحٍ لمعنى أو فكرة أو قيمة أو ذوق.

سوق لا معرض

لا نتوقع أن يختلف المعرض الحالي عن سابقيه، من حيث الإقبال الشديد ليس بدافع شراء الكتب، أو حتى الاطلاع على عناوينها، أو حضور الفعاليات الثقافية، إنما تَعتبر الغالبية المعرض أشبه بحديقة عامة للتنزه، وهذه مسألة لا بد من علاجها. فإما أن نجذب هؤلاء إلى القراءة، أو نحمي الذاهبين إلى المعرض لتعاطي الثقافة من زحام يعطي ظهره لها، والأفضل أن نجذب هؤلاء المتزاحمين إلى نقاش يرون ما يشغلهم وما يتذوقونه ممثلًا فيه، وليس غائبًا على هذا النحو المخجل.

أرادت السلطةُ المعرضَ مساحةً آمنةً، فتحول إلى مساحة باردة راكدة متكلسة مفلسة. هذا التراجع لم يحدث بين عشية وضحاها، ولا مصادفة، لكن نتيجة مسار طويل من ضيق السلطة السياسية بحائزي الوعي، وأصحاب الألسنة القادرة على التعبير عن العقبات التي تعترض الطريق، والأشواق الجارفة إلى الحرية والعدل والكرامة.

لم يكن كل منتجي الخطابات المعرفية، والنصوص الأدبية، والأعمال الفنية، معنيين في سائر الأحوال والظروف بقلق السؤال، وعبء النضال ضد الاستبداد والفساد، فالسلطة السياسية نجحت في تخويف بعضهم، فالتزم الحذر والصمت، وفي استقطاب آخرين ليصبحوا مجرد أبواق لأهل التحكم في القرار، وهو ما انعكس تدريجيًا على المعرض نفسه.

وجدت السلطة أمامها مخزونًا هائلًا من الثقافة المطيعة وأصحابها، وصار أصحابها كُثرًا لدرجة أن من يختار الأسماء التي تشارك في المعرض، كي يوزعها على عناوين الندوات واللقاءات، يجد نفسه في حرج شديد إزاء استيعاب كل هؤلاء وإرضائهم، وهو في هذا لا يخرج عمَّا درجت عليه السلطة في مصر عبر عقود، في تخصيص جزء من موازنة الثقافة للترضيات عبر إصدار الهيئات الحكومية سلاسل كتب لا تهتم بتوزيعها على نحو سليم، أو تنظيم ندوات ومؤتمرات باهتة خافتة الصوت، شحيحة الحضور والاهتمام والتأثير.

تواءمت سياسة الاستمالة والاستقطاب والترضية مع إرادة نزع الثقافة الحقيقية للمعرض، فلا مناظرات فكرية على غرار ما كان يحدث من قبل، ولا قضايا راهنة مُلحّة تضغط على أعصاب المجتمع وتفرض على المثقف ضرورة الاهتمام بها، وإن وجدت من القضايا من يهتم بها يكون تناولها عابرًا، لا نقد فيه، ولا مقترحًا تراه السلطة خصمًا من رصيدها، حتى لو كان المتحدثون مثقفين مثقلة رؤوسهم بالمعرفة، فهؤلاء مطلوب منهم أن يُحسنوا تطبيق قاعدة "سَكِّن تَسلم"، حتى لا يُغضبوا أهل القرار، ولا يُحرجوا من اختاروهم للمشاركة في فعاليات المعرض.

ثقافة مدجنة

لم يكن مرد هذا كله عدم إدراك المثقف لدوره، لكن يرجع إلى تدبير سياسي وأمني واضح فاضح، لم يعد هناك مجال لإنكاره أو التنصل منه. فالمثقف، حتى في ظل خوفه وطمعه، يريد قدرًا من الانتصار لذاته، بالإبقاء على "سلطة الثقافة" حية، لأنه يعي تمامًا أن الناس ينجذبون إلى من يعبر عنهم، وأن بضاعته تبور إن لم تجد طلبًا عليها، وأن الثقافة الحقة ناقدة مبدعة بطبعها، وأن المثقف عليه السعي، بلا كلل ولا ملل، إلى الحقيقة، ويضعها أمام عينه لا تروغ عنها، ولا تزوغ منها.

هنا، يبدو الأمر أشبه بتعاقد ضمني يبلغ أحيانًا حد التواطؤ المتبادل، فالسلطة تريد ملء أوقات الندوات بكلام عابر لا يُلقي لومًا عليها، والمثقف يفهم أن عليه كبح جَنَانه، ويلجم لسانه، حتى لا يثير حفيظتها، رغم أنه يدرك تراجع صورته في المجتمع، وفقدان دوره كصوت عام معبر عن هموم الشعب.

يضيق المثقف بأن يكون مجرد محترف للكتابة والخطابة، ولا يغيب عن ذهنه أن ممارسته رقابة على نفسه تسبب له ألمًا شديدًا، حين تتسلل إلى وعيه وتوخزه بلا هوادة، وهو في الوقت نفسه يفهم أن الرقابة التي تمارسها السلطة عليه، تضعه دومًا في مساءلة وخطر، أقله أن يناله الاستبعاد من التحدث، إن لم يكن التشويه والمطاردة.

المشاركون في المعرض، بأفواههم أو كتبهم، يدركون جيدًا السياق الذي يحيط بإصدار الكتب، ويعرفون الأدوات التي تتحكم بها المنظومة في هذا، بدءًا من سعي دور النشر إلى الحصول على رقم إيداع، فإن أفلت الكتاب من يد الرقيب في هذه المرحلة، فهذا لا يعني بالضرورة أنه بات محميًا من المصادرة أو من الاستبعاد الصامت أحيانًا.

ورغم نص الدستور على حماية حرية التفكير والتعبير والإبداع، فإن إجراءات السلطة الاحترازية تفرغ هذا الحق من مضمونه. ليس فقط بأن تتدخل بغشم أو عنف لتحقيق هدفها، فالأكثر ضراوة أن يهتز قلم الكاتب حين يجلس إلى الكتابة، أي كتابة، حتى لو لم تأت على السياسة بطريقة مباشرة.

فالكاتب صار يدرك أنه إن ترك قلمه حرًا، فقد لا يجد ناشرًا يقبل إخراج ما كتبه، وإن توفر هذا، فقد لا يحصل الكتاب على رقم إيداع، وإن حصل عن غفلة أو تسامح نسبي، فإن الكتاب يظل عُرضة لمصادرة، إن تنبه إلى مضمونه أحد من كتبة التقارير، حتى لو لم يقصد بعضهم بالضرورة أن يمارس دور المراقب أو المخبر أو المفتش العام.

أعراض جانبية

انعكس حرص السلطة السياسية على إخراج الأصوات التي تراها مزعجة من معرض الكتاب، باستبعادهم عبر عملية إقصاء، تتم أحيانًا في هدوء، ودون صدام علني، ووفق رقابة ناعمة متحايلة، تجري وسط هالة من التبرير تقوم على أن مختاري المشاركين في ندوات المعرض هم من بين المثقفين أنفسهم، وهي في الواقع رقابة أخطر، لأنها تصل إلى أهدافها دون أن تثير شكوى عامة، أو تفتح بابًا، ولو ضيق، لصناعة تكتل من قبل المثقفين ضدها، أو تتيح للمستبعدين والمصادرين فرصة لجلب أي قدر من التعاطف معه.

لا أُلقى بكل اللوم على منظمي المعرض فقد بذلوا كل جهد مستطاع فى ظل الإمكانيات المتاحة لهم، وهامش الحرية المتوفر أمامهم، والرقابة الجاثمة على نفوسهم، لكننى أدين بالأساس السياق السياسي الذي ينزع إلى التسلط والتقييد والاستبعاد والإقصاء والتعتيم والتسطيح. وهي مسألة لا يمكن فصلها عن سياق أكثر شمولًا، يقوم على الفرز العكسي، والإفساد المنظم، والإصرار على إلحاق الثقافي بالسياسي السلطوي، أو بالأحرى التسلطي، لتكون الثقافة هنا مجرد خادمٍ مطيع لمشروعات وأفكار وتصورات سياسية، ليس على مستوى الندوات فقط، بل الجوائز التي يمنحها المعرض أيضًا.

تحول معرض القاهرة الدولي للكتاب من حدث ثقافي هائل مميز، ينتظره القراء كل عام على أحر من الجمر، ويشتبك معه المجتمع كله سواء بحضور فعالياته أو متابعة ما ينشر عنه في الصحف وتبثه القنوات التلفزيونية، إلى عمل يجري في الظل، وفي أجواء من التكتم والسرية وكأنه فضيحة، ما أفقده الكثير من شكله وروحه ودوره، وهي مسألة لا يستطيع نكرانها المثقفون الموالون للسلطة.

يبقى هناك شيء لا بد من ذكره في هذا المقام، وهو أن المرض العضال الذي أصاب معرض القاهرة، تعاني منه وتتألم مختلف معارض الكتب في البلاد العربية، فالارتياب من الثقافة مشترك بين جميع السلطات السياسية والدينية العربية، والرغبة الجارفة في تحويل المثقفين إلى مجرد أبواق، وما ينتجونه إلى محض قلائد زينة، محل اتفاق بين أهل الحكم والقرار من المحيط إلى الخليج.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.