DaLL.E
كرسي حكم في قصر عربي متخيَّل

في المسألة العربية.. أي الطرق تؤدي للحكم الرشيد؟

منشور السبت 21 شباط/فبراير 2026

تسعى السلطة الجديدة في سوريا إلى استعادة وحدة التراب الوطني، كذلك يفعل الجيش السوداني في وجه قوات "الدعم السريع"، التي باتت تميل إلى الانفصال بجزء من أرض البلاد، وصارت الغلبة للقوى الرافضة لتقسيم اليمن، سواء كانت في عدن أو في صنعاء، وأظهرت الجماهير التي خرجت وراء نعش سيف الإسلام القذافي رغبة قوية في عودة ليبيا موحدة.

هل هذا معناه أن هناك رفضًا لتفكك الدول العربية، رغم ما يُحاك لهذا من تآمر، وتُرصد من أموال، وتُسخر من أبواق، لكن هل يكفي الرفض؟ أم أن العالم العربي في حاجة إلى تفكير مختلف عما ساد خلال الحقبة الواقعة بين رحيل الاستعمار الخشن، وصولًا إلى انفجار انتفاضات وثورات ضد أنظمة الحكم، مرورًا بأشكال عدة من التبعية للقوى العالمية الكبرى؟

الجبر لا يوحد

إجابة هذا السؤال توضح أن أصل المشكلة ثقافي بالضرورة، قبل أن يكون خلافًا حول السلطة والثروة، أو امتثالًا للإطار التفسيري التقليدي الذي وضعه محمد عابد الجابري وأسماه العقل السياسي العربي، وأقامه على ركائز ثلاث هي: العقيدة والقبيلة والغنيمة، وهي بناء أو تفصيل على التصور الخلدوني القديم عن علاقة العصبية بالحكم.

وما يشغلنا في الأصل الثقافي للمشكلة هنا، هو طريقة التفكير، التي تغيّب "الانصهار الوطني الطوعي" ما دفع دولًا عربية نحو التفكك مع أول اضطراب اجتماعي وسياسي قوي تتعرض له. وطريقة التفكير قد ترتبط لدى البعض بـ"العقل العربي"، من حيث تكوينه وآليات عمله ومخرجاته في أرض الواقع.

خارج فهم التعدد لا يستقيم حديثٌ جاد عن إصلاح العقل

على مدار عقود، تبارى مفكرون وباحثون في قدح أذهانهم كي يقفوا على السبيل لإصلاح "العقل العربي"، إلى درجة أن هذا قد أصبح عند البعض هدفًا، ولدى آخرين وسيلة لإصلاح ديني مرتجى، ثم سياسي مبتغى، يرمي إلى بناء دولة ديمقراطية مدنية حديثة، تقوم على المواطنة التي تساوي بين الأفراد في الحقوق والواجبات، وتفهم ضرورة تداول السلطة، وتحترم التعددية، وتؤمن بحق الاختلاف باعتباره طبيعة بشرية لا يجب الجور عليها، وتصون الملكية الخاصة، وتحقق شرط الكفاية، وتعلي من مبدأ الاستحقاق والجدارة، وتجعل من الدستور إطارًا لازمًا لهندسة الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتكون القوانين النابعة منه هي الحكم بين الناس.

وخارج فهم التعدد، لا يستقيم حديثٌ جاد عن إصلاح العقل، ودون قدر من التسامح وتفهم المختلفين مع العرب في العرق أو الدين أو اللغة أو جزء من التاريخ داخل البلدان العربية، لا مجال للإصلاح. بل يجب أن يتعدى الأمر كل هذا لنسأل عما إذا كان بوسعنا الحديث عن "عقل عربي" من ناحية علمية. فهذه المقولة صارت من المقولات المعلبة التي تذهب إلى أن هناك عقلًا عربيًا، وعقلًا غربيًا، وعقلًا هنديًا، وعقلًا صينيًا، بينما العقل عقل تتداخل فيه الكثير من الأشياء المختلطة والمشتركة بين الثقافات والأمم.

إن للعقول حظوظًا متساوية ومتشابهة، من حيث الأساس والمنطلق، لكن تأتي الظروف، والثقافات وخصوصياتها، لتضفي عليها بعض السمات المختلفة عن طرق تفكير لدى آخرين، إلا أن كل هذا لا يجعل من عقل فرد في أمة ما، أو عقلية جمعية، لها من الخصائص المميزة والمتماسكة والمتفردة، التي تجعل المفكرين يتحدثون باطمئنان وثقة، وبطريقة علمية، عن عقل أمة من الأمم.

معضلة العقل العربي

والقول بـ"عقل عربي" يطرح سؤالًا جوهريًا: هل لدينا سمة في التفكير مختلفة عن تلك الموجودة لدى الأمم الأخرى؟ وهل هذه السمة هي بنت اللغة؟ أم بنت السياق الاجتماعي؟ أم التجربة التاريخية؟ أم الظروف الآنية؟ وإذا كانت عقول الأمم الأخرى قد استوعبت اللا تجانس داخل الدولة الواحدة، فما الذي يحول دون أن يحدث هذا لدينا، فلا تسارع مكونات أي دولة إلى انتماءاتها الأولية بمجرد رفع اليد القابضة عنوة عليها تحت راية واحدة؟

فإذا كنا نريد التحدث عن بعض السمات المستمدة من اللغة، ومن الدين، ومن التجربة التاريخية للعالم العربي في حيزه الجغرافي المعروف، سنجد أنفسنا أمام إشكالية يفرضها تعدد الأديان لدينا. وإذا اعتبرنا اللغة أساسًا سنواجه إشكالية أخرى توجبها اللغات الأخرى المتداولة بين هذا الحيز الجغرافي، ومنها الأمازيغية والكردية والنوبية، ناهيك عن اللهجات المحلية، وتلك المختلطة التي تروق لأفراد من الجيل الجديد.

إذا كان الدين الإسلامي متجانسًا في نصه تحديدًا القرآن الكريم والحديث النبوي فإن الثقافة الإسلامية لم تكن نتاج العرب وحدهم

لكن هاتين الإشكاليتين لا تمثلان معضلة كبرى، في حقيقة الأمر، إذا نظرنا إلى معيار القوة الاجتماعية الغالبة، فهي في العالم العربي تقول بوضوح إن المتحدثين بالعربية، هم الأغلبية، وحتى الأقليات بمعيار اللغة، لا تنفي أن التابعين لها يتحدثون العربية، وإن اختلفت اللهجة، ويدين أغلبهم بالإسلام.

لكن حتى اللغة العربية فلها أصولها السيريانية والآرامية، واللهجات المحلية في كل بلد عربي غذتها لغات قديمة أخرى في كل مكان، وأضيف إليها الكثير من المفردات التي تركها محتلون تعاقبوا على العالم العربي عبر التاريخ.

وإذا كان الدين الإسلامي متجانسًا في نصه، تحديدًا القرآن الكريم والحديث النبوي، فإن الثقافة الإسلامية لم تكن نتاج العرب وحدهم، إنما ساهمت في صناعتها، ثقافات الأمم الأخرى التي امتد إليها الإسلام. فالفرس والترك والمصريون والهنود والصينيون والأفارقة أضافوا الكثير إلى هذه الثقافة في رحاب الحضارة الإسلامية التي تسيدت العالم سبعة قرون. وكل هؤلاء استفادوا من ترجمة نتاج الحضارة الإغريقية، التي استفادت بدورها، وبشكل كبير، من الحضارة المصرية القديمة.

من أجل هذا نتحدث عن "حضارة إسلامية" وليست "حضارة عربية". وهذا التراكم التاريخي للحضارات شكَّل ما يطلق عليه البعض الآن "العقل العربي"، وهو كما رأينا نتاج أخلاط من الثقافات والخبرات، شأنه في ذلك شأن عقول أخرى، في الأماكن كافة، وعبر مختلف الأزمنة، نتيجة امتزاج الثقافات الإنسانية بنسب متفاوتة.

من أجل ذلك نجد نقاط التقاء في التصورات الدينية المتناقلة، والأساطير والحكايات الشعبية المتداولة، وبعض المفردات أو الألفاظ، في الثقافات الإنسانية كلها، كانت أسرع إلى التقارب والامتزاج مما حدث بيولوجيا نتيجة التزاوج، لا سيما في القرن الأخير الذي شهد تسارع وتيرة الهجرات بين الشرق والغرب، والجنوب والشمال.

وحدة الوطن وتنوع العقول

حتى لو افترضنا أن هناك عقلًا جمعيًا واحدًا لأمة من الأمم أو شعب من الشعوب، فهناك تفاوت في عقول أفراده خلال زمن محدد، مثل ما نراه إن ضاهينا عقل ابن خلدون مثلًا بأحد العوام في زمنه، وعلى المنوال نفسه يمكن القياس. وحتى عند السراة أنفسهم، قد نرى اختلافًا بين طرق تفكير كل منهم، فهذا يميل إلى العلم، وذاك يميل إلى الأدب، وثالث يميل إلى الفلسفة، وداخل كل حقل أو نوع في هذا هناك أيضًا تفاوت في الحظوظ. وكل هؤلاء قد يختلفون عن الطريقة التي يفكر بها درويش هائم، أو ساحر يوهم الناس، أو شارد وراء الخرافة. وسائر الناس في نظرتهم للأمر، قد يقاربونه من زاوية مختلفة عن التي يقاربه بها الحاكم، وكل يسوق تبريره.

لابد من تدابير سياسية تستند على مسألة ثقافية ترتبط بعقل يؤمن بالطوعية وليس القسر سبيلًا لتحقيق الاندماج الاجتماعي

كل هذا قد نجد فيه برهانًا على أن جذور المشكلة ثقافية أكثر منها أمنية، كما تتوهم  أغلب الأنظمة الحاكمة، وأول عنصر في هذا التصور الثقافي هو وجود عقل لا يقبل التعدد ويتفهمه فقط، بل يصنعنه، ويحافظ عليه، ويعتبره من قبيل التنوع الخلاق وليس بابًا لصراع مذهبي أو عرقي أو جهوي.

إن بلوغ الاندماج الاجتماعي ووحدة التراب الوطني يمثل الآن التحدي الأكبر الذي يواجه النخب أو القوى السياسية والعسكرية الرافضة لتفكك بعض البلدان العربية، وهو هدف نبيل، يجب ألا يقف عند حد الأمنيات، إنما لا بد من إجراءات أو تدابير سياسية، تستند على مسألة ثقافية ترتبط بعقلٍ يؤمن بالطوعية، وليس القسر، سبيلًا لتحقيق الاندماج الاجتماعي، ويتجاوز الاكتفاء بحالة "المجاورة" التي كانت قائمة من قبل، والتي أبقت على كل مكون اجتماعي يقف إلى جانب غيره، دون امتزاج أو تفاعل نابع من الإرادة الذاتية، متحفزًا لفرصة يتحلل فيها من الرابطة السياسية.

كما يجب أن ينتج هذا العقل الإطار أو المرجعية العادلة التي تُعلي من مبدأ المواطنة، ويصنع مشروعًا مشتركًا يتحلق حوله الجميع، ويخفف من الآثار الضارة للانتماءات الأولية، لا سيما العرقية والمذهبية. ويحافظ هذا المشروع على القواسم المشتركة والمصالح المتبادلة بين مختلف طوائف وطبقات وشرائح وفئات المجتمع، ويجد كل فرد مصلحته أو هواه السياسي والفكري متمثلًا فيه، ويدرك معه أن عوائد الاندماج والانصهار الوطني أفضل كثيرًا من آثار التفكك والتشتت والصراع.

ويعمل هذا المشروع على إيجاد "رابطة عاطفية"، تتمثل في توافر نقطة جذب لمشاعر الجماهير، تأخذ بعقولهم ونفوسهم أكثر من غيرها، وتتعدى مجرد الاكتفاء بالشعارات والخطب الرنانة عن "الوطن" إلى تحويل هذا الوطن إلى مسألة أولى بالرعاية والعناية من كل فرد، حين يرى نفسه ممثلًا فيه، وجزءًا منه، ويشعر أنه هو الجماعة الأساسية التي يجب الانتماء والولاء لها. 

وعلى هذا العقل أن يحفز الخصائص البنيوية المشتركة للمكونات والموارد البشرية، بما يخلق تيارًا اجتماعيًا رئيسيًا عريضًا، وذلك عبر اكتشاف وتحديد القيم الاجتماعية المحلية المتوارثة، والإيجابية من الوارد والوافد جديدًا، لخلق ثقافة مرنة تحكم الأذهان والأفهام وتصقلها، وتحدد السلوك وتعّذيه وتغنيه، وأولها التعايش وقبول الآخر والتفاهم وحل المشكلات بالحوار لا بالسلاح. وثانيها وجود إطار من القيم يحمي شبكة من المصالح الاقتصادية بين الفئات والشرائح والطوائف، تجعلها حريصة على أن تبقي علاقات جيدة مع الكتل الاجتماعية المغايرة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.