تصوير حسام الحملاوي، فليكر، برخصة المشاع الإبداعي
لافتة من احتجاجات ثورة يناير 2011 في القاهرة

الثورات العربية.. محاولة لتقييم ما جرى

منشور السبت 24 كانون الثاني/يناير 2026

مع حلول الذكرى الخامسة عشر لثورة يناير، لا يخلو السجال الدائر حول تقييم الثورات العربية عمومًا من تسرُّعٍ وتجنٍّ في ظلِّ استقطابٍ سياسيٍّ حادٍّ، وخاصة مع التحوّلات التي أحدثتها هذه الثورات؛ حروبًا أهليةً وفوضى في بعض الدول، وعودةً لنظم الحكم القديمة في بعضها الآخر.

في هذا السياق، وجدت ثورة يناير نفسها في مرمى سهامٍ حادةٍ؛ تلوم الثوار على إزاحة نظام مستبد فاسد، وتُحمّلهم مسؤوليةَ إضعافِ الدولة، وتفاقمِ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ويزيد البعض على هذا فيتهم الثوار بالعمالة أو الانسياق وراء مؤامرات خارجية.

دفاعًا عن الثورة

مثل هذا الاتجاه يتغافل عمدًا عن ثلاث مسائل أساسية: الأولى أن الثورة لم تحكم، إنما حكمت القوى المضادة لها، وصار تحت يدها المال وسلطة إصدار القانون والإعلام ووضع الخطط والبرامج. والثانية أن النظم المستبدة التي ثار الناس عليها هي التي جعلت الدولَ هشةً، بفعل استبدادٍ مزمنٍ وفسادٍ مستشرٍ.

أما الثالثة، أن الفوضى التي لحقت بالمجتمعات العربية الثائرة لم تكن بسبب ملايين الناس المنتفضين طلبًا للحرية والعدل الاجتماعي والكرامة والكفاية واستقلال القرار الوطني، لكن بسبب تشبث السلطات المستبدة بكراسي الحكم، وانخراطها في قتال الشعب، مستخدمة في هذا كل أدوات الإكراه المادي التي تمتلكها.

وسط هذا الجدل، هناك من تعامل مع الثورة على أنها نموذج واحد يجب أن يتكرر في كل زمان ومكان على غرار ما وقع في التجارب الثورية التي تركت بصمات واضحة وعلامات فارقة في تاريخ البشرية، مثل الثورات الفرنسية والروسية والصينية والإيرانية والمكسيكية وغيرها.

يقيس هؤلاء نجاح الثورة أو فشلها على مدى تطابقها مع هذه الأنماط التي يجري استدعاؤها كلما اندلعت ثورة في أي بقعة من بقاع الأرض.

مثل هذا التصور يغفل أمورًا عدة، منها اختلاف السمات النفسية للمجتمعات، واختلاف التجربة التاريخية، والجينات الحضارية، وطبيعة الشخصية القومية لأمة أو دولة عما عداها. كما يغفل هذا التصور اختلاف الزمان وتطور أساليب المعيشة ووسائل الاتصال.

فما كان يستغرق سنينًا في السابق يمكن أن يتم في بضعة أسابيع حاليًا. والتلاقي على السوشيال ميديا لعب دورًا أسرع في الثورة المصرية مقارنة بأشرطة الكاسيت في الثورة الإيرانية.

أضف إلى ذلك أن تسجيل المواقف والتعبئة للتظاهر والاحتجاج السلمي من خلال فيسبوك وتويتر ويوتيوب أسرع وأمضى من تكبير الإيرانيين فوق أسطح البنايات ليلًا، ليُقوُّي بعضهم بعضًا في وجه نظام الشاه.

ثمار الاستبداد

لكن ما يمكن قوله الآن، وبلا مواربة، إن النظم الحاكمة في البلدان العربية لم تكن رخوةً، كما ظن كثيرون. فالدول هي التي ضعفت وتراخت بينما قويت النظم بشكل لافت، وهو أمر ربما يلخصه عنوان كتاب مهم صدر قبل عشرين عامًا للدكتور سامر سليمان عن الحالة المصرية عنوانه النظام القوي والدولة الضعيفة.

ويعود هذا الوضع الغريب بالأساس إلى أمور ثلاثة، أولها دمجُ السلطاتِ العربيةِ الحاكمةِ الدولةَ في بنية النظام. فالمؤسسات التي يُفترض أن تعمل لصالح الدولة الراسخة منذ آلاف السنين، على ضفاف النيل وأرض الشام وبلاد اليمن السعيد وفي تونس وليبيا، استأثر بها النظام وسخرها لصالحه، وأعاد إنتاج الظاهرة التي تخلصت منها أوروبا بفعل ثوراتها السياسية والفكرية والمتمثلة في اختزال الدولة في شخص الحاكم، والتي كانت تعبر عنها جملة دالة في التاريخ قالها ملوك كثر وتصرف آخرون على أساسها وإن لم يتفوهوا بها وهي: أنا الدولة.

وحين اندلعت الثورات تحت شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، لم يدرك الثوار في الغالب أن إسقاط النظام يضعنا على حواف "إسقاط الدولة"، وأن المسألة تحتاج إلى مشرط جراح لا معول فلاح، أي قدر كبير من الحذر والحرص والاحترافية في الإجهاز على النظام الحاكم توطئة لبناء نظام جديد، وهذه هي الغاية الأساسية للثورات، التي تمكنها من إنجاز التغيير الجذري المطلوب.

لقد وجد الثوار في ليبيا أنفسهم في مواجهة جيش يقود ألويته الأساسية أبناء رئيس الدولة الذي يريدون إسقاطه، ووجدوا أن مؤسسات البلاد ومقدراتها كلها متصلة بمصالح هذا الرئيس وأهوائه. ووجد ثوار سوريا أنفسهم في مواجهة جيش تغلب عليه الطائفة العلوية، استخدم كل ما لديه من ترسانة لإيذاء الشعب. ولم يأخذ أهل تونس ومصر وقتًا طويلًا حتى أدركوا أن امتداد بصمة زين العابدين بن علي وحسني مبارك أبعد من القشرة الخارجية أو الطابق العلوي في بناء السلطة.

فأجهزة الأمن والبيروقراطية تم تصميمها لخدمة معادلة "الاستقرار والاستمرار" التي لا تعني في معناها النهائي سوى إبقاء الحاكم على عرشه حتى يلقى الله، وبعده قد يرثه ابنه كما كان يخطط مبارك وصالح والقذافي، أو زوجته كما قيل عقب هروب بن علي.

وعملية التوريث التي تمت في سوريا، وكان يجهز لإتمامها في مصر وليبيا واليمن، على الأرجح، هي أحد الدوافع الرئيسية التي أدت إلى دمج الدولة في النظام، حتى يمكن التحكم في كافة المخرجات التي تنتجها التحولات السياسية بما يحقق هذا الهدف المريض.

أما الأمر الثاني، هو أن نظم الحكم العربية لم تكن عادية، كتلك التي تتعاقب على الدول الديمقراطية. فطول بقاء الرؤساء والملوك والسلاطين في الحكم جعلهم بمرور الزمن يُقيمون شبكةً متينةً حولهم من أصحاب المنافع والمصالح، الذين يربطهم بأهل السلطة حبل سري غليظ.

وهؤلاء شكلوا ما يمكن أن نسميها "زبائنية سياسية" تتشكل من جنرالات الجيوش، وكبار ضباط أجهزة الأمن، وكبار رجال الجهاز البيروقراطي، وأصحاب الحظوة من رجال الأعمال، وكبار الملاك ووجهاء الريف، وبعض المثقفين والإعلاميين المستفيدين من السلطة، والذين يشكلون بوقًا لها. وهؤلاء ليسوا مجرد مجموعات قليلة، إنما تقوم حولهم جموع غفيرة من المنتفعين الصغار الذين يؤمنون إيمانًا جازمًا بأن ما هم فيه من إمكانات ما كان يمكن تحققها لولا شبكة الفساد الواسعة التي تشملهم برعايتها.

وحين تسقط الثورة رأس النظام الحاكم فإن هذه "الزبائنية" تتوارى قليلًا، أو تنحني مؤقتًا للعاصفة، فإن تراخت قوة الدفع الثوري يطلون برؤوسهم من جديد، ويحاولون قدر استطاعتهم إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، وإعادة الأوضاع إلى سابق عهدها مع بعض الإصلاحات الشكلية، إن لزم الأمر.

ويستخدم هؤلاء في محاولتهم تلك ما حازوه من مصادر وروافد القدرة، سواء كانت القوة العددية للطفيليين المرتبطين بهم، أو القوة المادية التي تخلقها ثروات طائلة راكموها من وراء النظام الذي قامت ضده الثورة.

أما الأمر الثالث، أن الدول العربية لا تزال في الغالب خارج إطار التحديث والحداثة. ففي مصر وتونس تمكن الثوار من إسقاط رأسي النظامين الحاكمين بانتفاضتين سلميتين استغرقتا وقتًا قصيرًا قياسًا إلى القدرات البوليسية الفائقة لنظامي مبارك وبن علي.

يعود هذا بالأساس إلى أن كلتا الدولتين تعيشان حالة من التحديث النسبي، الذي حرم النظامين من تعبئة الموارد التقليدية مثلما فعل علي عبد الله صالح ومعمر القذافي وبشار الأسد وحمد بن عيسى. فالأول عَبَّأ القبيلة، والثاني استعان بالمرتزقة عوضًا عن غياب الجيش النظامي الحديث، أما الثالث فاستعمل الطائفة العلوية بقدراتها وهيمنتها على المؤسسة العسكرية إلى جانب مؤسسة حديثة اسمًا وتقليدية مضمونًا ومعنى وهي "حزب البعث". وفي البحرين شهدنا تعبئة الطائفة السنية في مواجهة الانتفاضة التي أخذت في الغالب الأعم شكلًا طائفيًا.

أسئلة مفتوحة

وعلاوة على هذه التقليدية التي تم توظيفها في التصدي للثوار، فإن الدول الخمس التي شهدت ثورات ورث ثوارها تركة ثقيلة خلفتها النظم الفاسدة المستبدة، فوقعت هذه الحمولات الزائدة على قوة الدفع الثوري فأدت إلى تباطؤها، وذلك نظرًا لأمرين أساسيين: الأول هو أن قوة الثورة المضادة استغلت هذه التركة في تحميل الثورة مسؤولية الإرباك الأمني والمشكلات الاقتصادية الطارئة والغموض السياسي.

والثاني هو الانطفاء السريع لـ"ثورة التطلعات" التي ولدت في نفوس وعقول الجماهير التي عولت على الثورة في انتشالها من الفقر إلى الغنى ومن المهانة إلى الكرامة.

وهذا الانطفاء لم يتحول إلى فعل محايد إنما صار "ثورة إحباطات"، تؤدي تباعًا إلى انفضاض الناس عن الثورة، وهذا موقف أثر سلبيًا على الثوار من دون شك، لا سيما في ثورات شعبية اعتمدت في نجاحها على ضخامة الحشد، وانخراط قطاعات عريضة من المجتمع.

مثل هذا الوضع جعل كثيرين يطالبون بتوصيف سليم للمشهد، أو لما جرى، للوقوف على حقيقة ما إذا كان مجرد دفعة إلى تغيير ما وإصلاح محدود؟ أم هو ثورة شاملة، أي تغيير جذري، قد يتأخر لكن مجيئه ليس مستحيلًا؟ أم أننا كنا أمام انقلابات مقنعة؟ أم أن النظم القديمة قد أعادت إنتاج نفسها بوجوه جديدة، لا أكثر ولا أقل؟

هذه الأسئلة لا تزال مطروحة، وكل ما تم تقديمه من إجابات عنها، حتى الآن، ليس كافيًا.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.