عن محاكمات الثورة قبل استكمال أوراق القضية
لا يجب أن نتكلم قبل أن ننصت وأن نكتب قبل أن نقرأ وأن نحكم قبل أن نبحث
يثير الجدل الدائر حول "رأي الجيل الأصغر في ثورة يناير" سؤالًا أوسع وأعمق من مجرد اختلاف أجيال: متى يصبح من المشروع الحكم على ثورة؟ وهل تُقاس الثورات بنتائجها المباشرة أم بما تطرحه من قيم تعيد تشكيل وعي المجتمع على المدى الطويل؟
استغرابي الأول لم يكن من الشباب، بل من فكرة التوقيت نفسها. 15 عامًا في عمر الشعوب لا تكاد تُذكر؛ هي، في منطق التاريخ، أقرب إلى ومضة. الثورات، لا سيما الشعبية السلمية، نادرًا ما تُثمر نتائجها فورًا. التاريخ يكاد يكون منتظمًا في هذا: ثورة، ثم قمع، أو فوضى، وأحيانًا احتلال، ثم، بعد زمن، انتصار للقيم التي طرحتها الثورة.
الثورة الفرنسية لم تنتصر قيمها في لحظة اقتحام الباستيل عام 1789، إنما احتاجت عقودًا من الدماء والردة والإمبراطوريات قبل أن تستقر مبادئ المواطنة والمساواة وسيادة القانون نسبيًا في فرنسا وأوروبا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
الثورات لا تُقاس بالنتائج السريعة بل بالمفاهيم التي تُدخلها إلى المجال العام
والثورة العرابية هُزمت عسكريًا عام 1882، وتعرض عرابي نفسه للتشويه لعقود، قبل أن تُعاد قراءة تجربته في ضوء نشوء مفهوم الدولة الوطنية والجيش الوطني والبرلمان لاحقًا.
وثورة 1919 لم تُثمر الاستقلال فورًا، وأعقبتها عقوبات جماعية وقمع، قبل أن تُرسخ فكرة الأمة المصرية الحديثة وحقها في الاستقلال.
الثورات لا تُقاس بالنتائج السريعة، بل بالمفاهيم التي تُدخلها إلى المجال العام؛ الحرية، الكرامة، العدالة، الوطنية. هذه القيم لا تحكم فورًا، إنما تترسب، وتعيد تشكيل الوعي، ثم تشق طريقها ببطء وعناد داخل المجتمع.
من هذه الزاوية، فإن مفارقة عدم وصول ثوار يناير إلى الحكم ليس دليل فشل بالضرورة، وقد يكون، تاريخيًا، ضمانةً لبقاء القيم حيّةً. الإخفاقات الكبرى في التاريخ حدثت غالبًا حين اصطدمت المثاليات الثورية مباشرةً بضرورات الحكم، فاضطُر أصحابها إلى مواءمات أفرغت القيم من مضمونها.
من يُحاكم من؟
السياق الحالي غير عادل بالمرة لإجراء أي محاكمة تاريخية. ما تلا يناير مباشرةً كان عامًا كثيفًا من الأحداث، ثم قمعًا خانقًا، وهو، بالمناسبة، كان أحد "السيناريوهات المتوقعة تاريخيًا"، وأقل تكلفة من حرب أهلية أو احتلال.
لكن في ظل هذا القمع، لم تتح لثوار يناير فرصةٌ حقيقيةٌ لرواية حكايتهم كاملة. لا وقت، ولا أمان، ولا اتساع نفسي يسمح بسرد أمين، هادئ، متوازن، يقول: هنا أصبنا، وهنا أخطأنا. البيئة الاستقطابية الراهنة لا تسمح بالمراجعة؛ أي اعتراف بالخطأ يُجتزأ من سياقه ويُستخدم أداة إدانة، وأي نقد للذات يُحوَّل إلى شهادة من أهلها.
ما يُقدَّم أحيانًا باعتباره "صوت الشباب" هو في الواقع صوت قطاع محدود
في مثل هذه الأجواء، لا يمكن إنتاج سرد تاريخي ناضج. السرد نفسه مُؤجَّلٌ قسرًا. والسؤال المنطقي هنا: إذا كان جيل الثورة لم يحكِ بعد، ولم يُتح له أن يحكي، فعلى أي مادة معرفية يحكم الجيل الأصغر؟ وكيف يُطلب منه أن "يعرف"، بينما المعرفة نفسها محجوبة؟
من يمثّل الجيل
يُضاف إلى ذلك إشكال التمثيل. كثيرٌ من الأصوات التي تُقدَّم باعتبارها "جيلًا جديدًا" هي في الحقيقة من أبناء أسر مُسيَّسة، ورثت، بحسن نية، إحباطات وتجارب وآلامًا لم تصنعها. هذا لا يجعلهم أقل ذكاءً أو حساسيةً، لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا: هل هؤلاء يمثلون جيلًا كاملًا، أم شريحة اجتماعية بعينها؟
ما يُقدَّم أحيانًا باعتباره "صوت الشباب" هو في الواقع صوت قطاع محدود، له شروط نشأة خاصة، لا يجوز تعميمها.
ثم إن تحميل الأبناء عبء هزائم الآباء ليس فضيلةً أخلاقيةً ولا تربيةً سياسيةً سليمةً. الطفل ليس مشروع مثقف مبكر، ولا "معجزة رأي عام". من حقه أن يكون طفلًا، ومراهقًا، ثم شابًا يكتسب خبرته الخاصة، لا أن يرث خيبات لم يكن طرفًا فيها.
في لحظات القمع، تُعاد كتابة التاريخ. نرى سرديات مختلقة، وكتب "أسرار"، وروايات صحفية تُحمِّل الثورة ما لم تفعله، وتُسقط عليها إخفاقات لم تكن من صنعها.
لكن التاريخ، بعكس ما يُظَن، ليس ساذجًا. هو أبطأ، نعم، لكنه أذكى. الذين هللوا للاحتلال عام 1882، والذين هاجموا سعد زغلول بعد 1919، انتهى بهم المطاف في الهامش، بينما بقيت القيم التي دافع عنها من هوجموا.
أخيرًا، ثمة ملحوظة ليست لغويةً فقط، بل سياسية. مصطلح Gen Z ليس بريئًا ولا محايدًا؛ هو توصيف رأسمالي أمريكي الأصل، هدفه تقسيم السوق لا فهم التاريخ. في سياق ثورة شعبية، استخدام هذه المصطلحات يبدو نشازًا. لدينا تسمياتنا البسيطة: مواليد التسعينيات، مواليد الألفية. لماذا نُقحم لغة السوق الإمبريالية في تحليل حدث تحرري؟
بدل المحاكمة: ما الدور الحقيقي؟
هذا لا يعني مصادرة رأي الأجيال الأصغر، ولا دفعهم إلى معارك خطرة. على العكس تمامًا الدور التاريخي للأجيال التي تعقب الثورات مباشرة غالبًا هو الصبر. الصبر ليس سلبية، بل انتظار اللحظة التي يصبح فيها المعنى أوضح، والتكلفة أقل عبثية.
أما محاكمة جيل قام بثورة ولم يحكم، في لحظة قمع، ومن دون سرد مكتمل، فهي معركة آمنة بالفعل، لكنها بلا جدوى.
الثورات لا تُدان لأنها لم تنتصر سريعًا، ولا تُبرَّأ لأنها نقيّة. هي تُفهم في زمنها الطويل. وثورة يناير، مهما قيل عنها الآن، لم تخرج عن المسار الذي يعرفه التاريخ جيدًا.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.