تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2025
تزايد معدلات الفقر في مصر

هل بات الاقتصاد المصري عصيًا على الإصلاح؟

منشور السبت 31 كانون الثاني/يناير 2026

يبدو أن الخرق الذي أصاب الاقتصاد المصري بات عصيًا على الرتق، ينتظر معجزة ليقف على قدميه من جديد، في ظل تراكم الديون، وضعف الإنتاج، وإصرار السلطة السياسية على الاستمرار في بيع أصول الدولة حتى وصل الأمر إلى ثرثرة البعض حول مبادلة قناة السويس بالديون الخارجية، وإصرارها أكثر على عدم النظر في أي مقترحات حقيقية بديلة، تمثل الحل العلمي والعملي للمشكلة، والذي سبق أن جربته دول أخرى وأقال عثرتها.

اليوم، حين يقول الآن يوسف بطرس غالي، وزير مالية حسني مبارك الذي لم يكن يبالي بإرهاق المواطنين بالضرائب، إن "المواطن لا يأكل ويشرب مؤشرات"، فهذا اعتراف من رجل، استعادوه من رحلة هروب إلى لندن قبل سنة لينقذ الاقتصاد، بأن وضع الناس بات غاية في السوء.

غالي نفسه لم ينكر هذا إذ قال "ما نأمله حاليًا ألا تتدهور الأمور أكثر"، وهذا التدهور، الذي يراه بعض المنتفعين من السلطة السياسية قمة الإنجاز والإعجاز، لم يعد خافيًا على أحد في مصر من أقصاها إلى أدناها، رغم أن هذا العهد قد بدأ بالعبارة الرقيقة الناعمة التي تقول "إن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه، ويرفق به"، فتحولت إلى العكس تماما، قسوة وبطش، وإنكار.

الفيل في الغرفة

تزايدت معدلات الفقر في مصر خلال السنوات الأخيرة

لم يغلق غالي باب الفرج تمامًا، متحدثًا عن إجراءات قد اِتُّخذت في الشهور الأخيرة، ساهمت في تحسين الأوضاع إلى حد ما، لكن الشعب، حتى الآن، لا يشعر بأي تحسن في مستوى معيشته، فالطبقة الوسطى ذاهبة إلى تآكل أكثر حدة، والفقراء سقطوا تحت خط الفقر، ومن هم دون ذلك بات الاستمرار على قيد الحياة يمثل لهم عبئًا كبيرًا، وهمًّا ثقيلًا بالليل والنهار.

يتحدث خبراء الاقتصاد الآن بإسهاب عن أسعار السلع الضرورية التي لا تتوقف عن الارتفاع، وعن التضخم الذي أكل مدخرات المصريين، وعن الصعوبات الشديدة التي يلقاها قطاعٌ خاصٌّ مُتراجعٌ حجم إسهامه في الإنتاج القومي الكلي، وعن الضرائب والجمارك المتواصل رفعها لتحصيل أي مال للموازنة العامة للدولة دون النظر إلى آثارها المدمرة على فرص التنافس، وقدرة المواطنين على الإيفاء بما تفرضه السلطة.

لا يكتفي بعضهم بالشكوى، إنما يقدمون مقترحات ليل نهار، سواء كانوا أساتذة اقتصاد في الجامعات المصرية، أو خبراء بورصات، أو رجال مال وأعمال، أو تجارًا، أو حتى صغار المنتجين من المزارعين وأصحاب المصانع الصغيرة والورش. لكن ما يقترحونه لا يلقى، إلى الآن، من يُنصت إليه بإمعان، ويعمل على تنفيذ الصالح منه.

على باب تغيير وزاري مرتقب، هناك حديث عن انتقال من الاستثمار في البنية التحتية إلى الإنتاج، ومن العقارات إلى التصنيع، أملًا في تحسين الأوضاع الاقتصادية. لكن هذا الانتقال المنتظر يواجه عقبات عديدة، أولها استمرار الميل إلى الاحتكار، وثانيها ضغوط المستوردين الذين يرون في نمو التصنيع المحلي خَصمًا من منافعهم، وثالثها وجود فصام شديد بين الخطط الموضوعة على الورق وبين متطلبات الواقع الاجتماعي، ورابعها عدم وجود ضمانات لإسناد المشروعات المزمع إطلاقها إلى أكفاء في الإدارة، وأصحاب استحقاق وجدارة في التسيير والتشغيل، وليس الموالين أو أصحاب الثقة، وخامسها وجود غابة من التشريعات المكبلة لإطلاق طاقة العمل والاستثمار.

هناك عقبة سادسة تتعلق بطبيعة النظام السياسي المصري، حيث تركيز القرار، بل الانفراد به، وعدم الاعتناء بصناعته قبل اتخاذه، لضمان سلامته التي تقوم على دراسة أولويات المجتمع، وحساب التكلفة والعائد، بما يضمن الجدوى. يجعل الدستور المصري من رئيس الوزراء والفريق الوزاري صناع سياسة؛ إلا أن هذا لا يجري ولا يسري في الواقع، حيث يتحولون، في الغالب الأعم، إلى منفذي أوامر، ويعتبرون إنجازهم الشخصي هو الالتزام بهذه الطريقة البائسة في العمل.

نعود إلى يوسف بطرس غالي، الذي يرفض مبادلة الأصول بالديون، ويرى أن الحل لا يخرج عن ثلاثة أمور: رفع معدلات النمو الاقتصادي بشكل حقيقي، وزيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية، والسيطرة على معدلات التضخم وتحقيق الاستقرار، وتعديل القوانين التي تحكم المسار الاقتصادي، يصاحبه "تغيير فكر تطبيق القوانين"، حيث يرى أن "العائق الأكبر في الاقتصاد المصري تاريخيًا لم يكن صياغة القوانين، بل في كفاءة القائمين على تنفيذها".

حلول لمن يريد

الحقيقة أزمة الاقتصاد المصري المتفاقمة لا تصلح معها سياسة الترقيع والتسويف أو الإلقاء باللوم على الشعب، أو تعليق الفشل في رقبة ظروف دولية وإقليمية، إنما هي في حاجة إلى حلول عملية جذرية، تزاوج بين إجراءات عاجلة للسيطرة على توحش الديون والتضخم، وأخرى هيكلية أو طويلة الأمد، يكون هدفها في النهاية هو تحسين شروط الحياة للطبقة العريضة من المصريين، وليس فقط خدمة قلة، انتفخت جيوبها في العقد الأخير بشكل لم يسبق له مثيل.

إننا في حاجة إلى إدارة رشيدة للمال العام، تبدأ بوضع سقف للديون، وحل مشكلة عجز الموازنة بغية السيطرة على المعروض النقدي، والعمل على استقرار سعر صرف الجنيه، وتقديم تسهيلات ضريبية أكثر لتشجيع أصحاب الأموال المحلية على استثمارها، بعد أن اكتفى أغلبهم بوضع رأس ماله السائل في البنك، راضيًا بالفائدة، بدلًا من خسارة ماله في ظل عدم عدالة المنافسة، واستشراء الفساد، وزيادة الضرائب.

الاقتصاد المصري في حاجة ماسة لخطط نمو بديلة لرفع معدلات النمو

وعلى النقيض من هذا ضرورة رفع الضرائب على الأنشطة التي تحقق أرباحًا بلا عمل منتج مثل المضاربات العقارية والسمسرة، مع تقليص استيراد السلع الكمالية لفترات محددة بغية ترشيد الإنفاق بالدولار.

 والاقتصاد المصري في حاجة ماسة الآن، أكثر من أي وقت مضى، لوجود خطط بديلة لرفع معدلات النمو، وجذب الاستثمار، وإنهاء الاعتماد على حلول قد تبدو سهلة اليوم، لكنها كارثية في الغد، وهي مقايضة الديون.

لكن الأهم هو الشروع في إصلاحات هيكيلة، من خلال توطين الصناعة، أو زيادة نسبة المكون المحلي فيها، خاصة الصناعات التحويلية لرفع نسبة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، وفي الزراعة يجب مراعاة عدة أشياء، هي: المحاصيل التي تلبي الاحتياجات الضرورية لغذاء الشعب، وتلك التي نتمتع في إنتاجها بميزة نسبية، وهذه التي يتم تصديرها فتسد بعض الخلل في الميزان التجاري.

كما يجب تعزيز مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني، بعد أن تم الجور عليه بقوة في العقد الأخير، وثبت خطأ هذا. وإذا كانت هناك خطة على الورق تستهدف رفع إسهام القطاع الخاص ليربو على 70% مع حلول عام 2030، إثر تخارج تدريجي للدولة من بعض الأنشطة الاقتصادية، فإن المهم ألا يبقى هذا مجرد حبر على الورق، كنوع من الدعاية أو ورقة للتفاوض مع الدائنين الخارجين، إنما يجد طريقه إلى التطبيق الفعلي.

إن هذه الإصلاحات العاجلة والجذرية معًا بوسعها أن تجعل الاقتصاد يأخذ طريقه إلى تحسن تدريجي، أما الاعتقاد في أن الحل يكمن في بيع الأصول، والتفنن في فرض الضرائب، وتعزيز الاحتكار، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من تفاقم المشكلة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.