برخصة المشاع الإبداعي- Florian Lehmuth- فليكر
يمثل ارتفاع أسعار الطعام والشراب تحديًا كبيرًا أمام المصريين.

المصريون وأسعار الوقود.. مشكلات سبع في السنوات العجاف

منشور السبت 14 آذار/مارس 2026

فاقم الرفع الأخير لأسعار الوقود من حدّة مشكلات سبعٍ ليست جديدةً على المصريين، لا في نوعها ولا أسبابها ولا السياق المحيط بها، لكنها هذه المرة أعقد في ظل اقتصاد يزداد هشاشة، مع تراجع قدرة المصريين على امتصاص آثار هذه الارتفاعات كالسابق.

تتمثل المشكلة الأولى في تراجع قدرة الطبقة العريضة من المصريين على تحمل "أي" عبء إضافي في ظل تدني الدخول والارتفاع المتواصل لمعدل التضخم، ومن ثم زيادة أسعار السلع الضرورية وعلى رأسها الغذاء والدواء والكساء والإيواء.

والثانية، أن أثر ارتفاع سعر الوقود لا يقف عند ما تنفقه الأسرة على التنقل، الذي يقتطع بمفرده جزءًا لا يُستهان به من الرواتب والأجور، إنما يسري في أوصال كل شيء من أسعار الخضروات وصولًا إلى الأجهزة الكهربائية.

صعود دون نزول

الزيادة هذه المرة كبيرة، بل جارحة، قياسًا إلى مرات سابقة. ارتفع لتر البنزين 95 و92 و80 والسولار، ثلاثة جنيهات مرة واحدة، بنسبة تربو على 14%، فيما ارتفعت أسطوانة البوتاجاز 12.5 كجم 50 جنيهًا، وفئة 25 كجم مائة جنيه، بنسبة تزيد على 22% لكل منهما، وارتفع غاز السيارات من 10 إلى 13 جنيهًا للمتر، أي بنسبة 30%.

ورغم أن السلطة السياسية تقول دومًا إن السوق يخضع لقانون العرض والطلب، فإن تصريح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بأنه "إذا توقفت الحرب سيتم مراجعة القرارات التي تم اتخاذها فيما يتعلق بقرار تحريك أسعار البنزين"، لم يلق تصديقًا لدى الشعب، فالمعتاد من الحكومة أنها لا تلتزم بمثل هذا الوعد، ولن تعدم وقتها حجة، فالناس اعتادوا أن ارتفاع سعر الشيء لا يعقبه انخفاض في الغالب الأعم، وهذه هي المشكلة الثالثة.

لا ينسى الشعب لهذه الحكومة أن "الظروف الاستثنائية" لديها تتوالى بلا نهاية

المشكلة الرابعة تتمثل في سأم الناس مما يصفونه بـ"القرارات الغادرة"، حيث يُستغل أي حدث خارجي لتحريك أسعار الوقود وغيره، بدعوى الظروف الاضطرارية. وحتى لو كان في هذا بعض الصواب هذه المرة، فإن الشعب يدرك أن الحكومة التزمت مسبقًا بتنفيذ أجندة وتعليمات صندوق النقد الدولي، ولا تملك حيالها رفضًا أو تمنعًا، لأن من يُقدم الديون يفرض شروطه، وليس عليه التزام، مثلما هو على الحكومة، تجاه الآثار الاجتماعية القاسية للسياسات الاقتصادية المطبقة على مدار عقد من الزمن على الأقل.

بررت الحكومة الزيادة الكبيرة في سعر الوقود بـ"الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتأثيراته المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي"، ثم قالت إنها "تتابع عن كثب تطورات الأسواق والتكلفة، في إطار العمل على استدامة إمدادات المنتجات البترولية والغاز للمواطن وجميع قطاعات الدولة"، مؤكدة أن "أي إجراءات استثنائية يتم اتخاذها تأتي في إطار إدارة مسؤولة للتحديات الدولية الراهنة، مع الحفاظ على أمن الطاقة واستقرار السوق المحلي كأولوية قصوى".

لكن الشعب لا ينسى لهذه الحكومة أن "الظروف الاستثنائية" لديها تتوالى بلا نهاية، فقد سبق لها أن تذرعت بتفشي وباء كوفيد 19 ورفعت الأسعار، فلمَّا انحسر الوباء لم تعد الأسعار إلى سابق عهدها. وتذرعت أيضًا بالحرب الروسية - الأوكرانية، مع أنها لم تؤثر على الدول المجاورة للطرفين المتحاربين، بل لم ترتفع الأسعار في روسيا وأوكرانيا بالقدر الذي شهدته مصر.

وجاء الدور على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مع أن مصر في سنتي الحرب فتحت أبواب تعويض الخسائر التي ترتبت على مخاطر النقل عبر قناة السويس، بل ودعم النظام السياسي دوليًا بعدما كان يواجه حالة من الجفاء على المستوى العالمي قبيل الحرب.

القادم أسوأ

وصلت سخرية الناس من هذا الوضع إلى حد قولهم "لو أن بغلة عثرت في العراق لارتفعت الأسعار في مصر"، بل إن بعضهم تحدث قبيل وصول منتخب مصر لكرة القدم إلى كأس العالم، خلال التصفيات الأخيرة، عن مخاوف من أن يؤدي هذا إلى انتهاز الحكومة فرصة فرح الناس وتلهيهم بالكرة وتتخذ قرارًا برفع الأسعار، أو تعويم الجنيه.

يخشى كثيرون من أن يمتد أمد الحرب ويزيد الضغط على توفير الوقود

المشكلة الخامسة تتعلق بإخفاق الحكومة المتواصل في حماية المواطنين من مستغلّي الظروف الاستثنائية، ومن يبالغون في فرض زيادات كبيرة في أسعار السلع تتخطى نسب ارتفاع الوقود، سواء كانوا أصحاب سيارات النقل الخاص، أو تجار الجملة والتجزئة. لا سيما وأن السلطة نفسها باتت منخرطة في الاقتصاد بإفراط، وتمارس الاحتكار أحيانًا، وتفرض ما تريد على مختلف الأسواق.

يمثل ارتفاع أسعار الطعام والشراب تحديًا كبيرًا أمام المصريين

تابعنا البيان الذي أصدرته وزارة التنمية المحلية يوم 10 مارس/آذار عن منع الاستغلال، وطمأنة المواطنين بعدم تحميلهم أعباءً إضافيةً "غير مبررة" عبر تحديد عادل ومدروس لتعريفة النقل، ومراقبة هذا على أرض الواقع، ومنع احتكار المواد البترولية داخل محطات الوقود، ووجود شفافية كاملة في إعلان الأسعار، وإجراء تنسيق كامل بين المحافظات في كل ذلك، والحديث عن إشراك المواطن في الرقابة. لكن هذا ما سبق وسمعه الشعب من قبل مع كل زيادة في أسعار الوقود دون أي التزام، ليبقى كلامًا هائمًا في الفراغ.

المشكلة السادسة تتعلق بضعف الثقة في حديث الحكومة عن استعدادها المسبق لهذا الظرف الطارئ بمخزون الوقود، وهو ما يتناقض مع اتجاه الحكومة السريع لرفع أسعار الوقود وبنسبة كبيرة دون انتظار.

هنا يخشى كثيرون من أن يمتد أمد الحرب، ويزيد الضغط على توفير الوقود، لا سيما مع بدء استهداف ناقلات النفط في الخليج، إضافة لاستمرار وقف تصدير الغاز الإسرائيلي، الذي تعتمد عليه مصر في الفترة الأخيرة، ما يعني فتح الباب أمام زيادة جديدة في أسعار الوقود.

أخيرًا ترتبط المشكلة السابعة بمدى قدرة الحكومة على اتخاذ إجراءات تخفف العبء على المواطنين. نعم تحدث مدبولي عن مد العمل بقرار زيادة رفع الدعم النقدي المقدم للمستفيدين من برنامجي تكافل وكرامة والأسر الأولى بالرعاية من حاملي البطاقات التموينية، الذي سبق الإعلان عنه ضمن حزمة الحماية الاجتماعية، لفترة إضافية تمتد شهرين إضافيين، حتى عيد الأضحى، لكن التضخم جعل هذه الإعانات بلا وزن في ظل الاحتياجات المتصاعدة للمواطنين من الضروريات، واتساع رقعة الفقر إلى معدلات غير مسبوقة في تاريخ مصر المعاصر.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.