عصف ذهني حول حرب نتنياهو وترامب على إيران
لم يكن ممكنًا تفادي الدخول في نقاش عميق، على قدر المعلومات والخبرة والاستطاعة، حول الحرب الدائرة. نحن مجموعة أصدقاء اعتدنا اللقاء كل رمضان على مائدة الإفطار، ثم نجلس لنتجاذب أطراف الحديث حول قضية ما، عادة تكون الأكثر حضورًا وسخونة وأهمية.
عقول متعددة المشارب والاتجاهات والمهن والاهتمامات، ما يجعل النقاش على هدوئه متعددًا، أشبه بعصف ذهني لا يراعي شيئًا سوى التفكير العقلاني المحمول على المصلحة الوطنية، فهي المقصد والغاية والبوصلة والإطار والمسلك والاعتبار، بما يضبط سير النقاش ويجعله مفيدًا.
عصف ذهني أشبه بذلك الذي يُنظم في الغرب، ويحضره مختلفون في تخصصات إنسانية وطبيعية، كي يقارب كل منهم القضية من زاوية مغايرة، وتجتمع الزوايا لتصنع رؤية متكاملة. فقد كان بيننا أستاذ العلوم السياسية، وأستاذ الفلسفة، والقاضي، والإداري الكبير، وأستاذ الهندسة، والسفير السابق، وضابط الجيش المتقاعد، والأديب، والناقد، والكاتب الصحفي، والفنان التشكيلي، ورئيس الحزب، والسياسي صاحب التاريخ، والطبيب. وجميعنا موزعون على التيارات السياسية والفكرية، لكن في وسطية واعتدال، حيث اليساري والإسلامي المستنير والليبرالي والقومي العربي والناصري، وكلهم على اختلاف أيديولوجياتهم يؤمنون بأن "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها".
مخاطر ونصائح
لأن النقاش كان ثريًا بحق، اقترحت عليهم أن ألخصه للقارئ، لتعميم فائدته، فرحبوا، وها أنا أطرح ما دار في نقاط محددة على النحو التالي:
أولًا: لا يمكن أن نهمل في هذه الحرب الخطابَ الدينيَّ الذي يتبناه التيار المسيحي-الصهيوني في الغرب عمومًا، والولايات المتحدة خصوصًا، والمبني على تصورات توراتية، أفصح عنها السفير الأمريكي في تل أبيب، عن إقامة دولة إسرائيل المزعومة من النيل إلى الفرات، وفق اعتقادهم بأن هذا وعد إلهي.
بغض النظر عن الأسطورة الوضعية التي تسكن هذا التصور فإن هناك من يعمل لها، وهو ما يجب أخذه في الاعتبار، فنحن لسنا بصدد مناقشة حقيقة هذا، الدينية والتاريخية، إنما تأثيرها في الواقع المعيش.
ثانيًا: لا يجب أن ننسى ما كانت تخطط له إسرائيل من وقيعة بين المسلمين، سنة وشيعة، بحيث يقتتلان لصالح المشروع الإسرائيلي، المسنود أمريكيًّا، وهو ما يتم توجيه دفة الأحداث إليه الآن، بمحاولة تجييش دول الخليج العربية، أو توظيف التيار السلفي، الذي يستعيد الخلافات السياسية التي ألبسها ثوب العقيدة، ويسترجع الضغائن التاريخية، وهو مخطط إن نجح سيدفع العرب جميعًا ثمنه الباهظ فيما بعد.
تصور تل أبيب وواشنطن عن هشاشة هذا النظام هو نوع من الأوهام
ثالثًا: يجب أن نتذكر جيدًا ما يقال الآن في إسرائيل عن الاستعداد لمواجهة "محور سني" بعد الإجهاز على المحور الشيعي، فهذا معناه أن إسرائيل لن تكتفي بمواجهة الجماعات السياسية الإسلامية، مسلحة أو غير ذلك، مثلما تروج، إنما ستواجه دولًا بعينها على رأسها تركيا ومصر والمملكة العربية السعودية، خاصة أن أرض الأخيرتين تدخل ضمن ما يؤمن به المتطرفون في إسرائيل من أنها أرضهم التي سيمنحها لهم الرب.
رابعًا: من الضروري الانتباه إلى ما حدث من قبل حين تم تهييج جهات وفئات إيرانية داخلية ضد مشروع محمد مصدق، الذي لم يرُق للغرب، وهنا نضع أعيينا على طبيعة التركيبة السكانية لإيران، وكيف توظفها أمريكا وإسرائيل، إن طال أمد الحرب، في زعزعة الاستقرار الداخلي في إيران، لا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، أو وجود تيار شعبي يعترض على طريقة الحكم الحالي في إيران، رأيناه يخرج في مظاهرات مرات عدة.
خامسًا: استطاع النظام الإيراني، عبر 47 سنة من الإمساك بالسلطة، التجذر داخل المجتمع الإيراني، مؤسسيًا وعقديًا، لذا فإن تصور تل أبيب وواشنطن عن هشاشة هذا النظام هو نوع من الأوهام، والدليل خروج مظاهرات مليونية في مختلف المدن الإيرانية تندد بالعدوان على بلادهم، وإصدار حزب تودة الشيوعي المناوئ للسلطة في إيران بيانًا يرفض فيه العدوان على بلادهم.
هنا يجب النظر إلى تنوع عرقيات كبار المسؤولين الإيرانيين، وكذلك القادة العسكريين، بين الفارسي والأذري والكردي والعربي الأحوازي والبلوشي.
من مصلحة مصر والأردن وأمنهما القومي بنسبة أكبر من غيرهما ألا تخرج إسرائيل منتصرةً في هذه المعركة
سادسًا: لا يمكن إغفال طبيعة الشخصية القومية لإيران، حيث الشعور الجارف بالكبرياء الوطني، والانتماء إلى حضارة قديمة، والتحلي بصبر شديد على المكاره، صنعه المذهب الشيعي في نفوس أتباعه، وكذلك النعرة القومية، فضلًا عن إيمان أهله بالاستشهاد في سبيل ما يعتنقون، وهذا معناه قدرة الشعب الإيراني على التحمل، إن طالَ أمد الحرب، أو فكر نتنياهو وترامب في حرب برية لإسقاط النظام، أو دخلت المعركة إلى طور "حرب الاستنزاف".
سابعًا: من مصلحة مصر والأردن وأمنهما القومي، بنسبة أكبر من غيرهما، ألا تخرج إسرائيل منتصرة في هذه المعركة، فوقتها ستعربد في المنطقة، وتفكر في الاعتداء على دول عربية أخرى، من أجل تنفيذ مخطط تهجير الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية.
ثامنًا: نقد النظام الإيراني، كسلطة سياسية قائمة على أساس ديني "حكم ثيوقراطي"، ضرورة عند من يريد حكمًا عصريًا، لكنه خصوصًا الآن أمر يهم الشعب الإيراني أكثر من غيره، فهو وحده صاحب الحق المشروع في التغيير، ومثل هذه النبرة التي يتبناها بعض المثقفين العرب تستوجب مساءلتهم عن رأيهم في المسحة الدينية المتشددة التي تغلف خطاب نتنياهو وترامب وبعض أركان السلطة في إسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما يعني، إن حلّلنا خطابهم، أنها "حرب دينية" من وجهة نظرهم يشنها التيار المسيحي - الصهيوني الذي أنتجته تحولات فرع من البروتستانتية، والذي انحدر بالمسيحية نفسها من دين يقول نصه "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" إلى أيديولوجية عدوانية مسلحة.
علينا في هذا المقام ألا ننسى المجموعة التي ظهرت قبيل غزو العراق عام 2003، تحت لافتة الليبراليون العرب الجدد، التي أشاعت خطابًا موجهًا وممولًا من الغرب عن الديمقراطية والتحديث السياسي، لتفت في عضد الشعب العراقي، فلما تم الغزو، وإسقاط نظام صدام حسين، أُهمل هؤلاء تمامًا، وأدركوا أنهم مجرد "منديل كلينكس" مسحت به أمريكا ومن معها أوساخهم، ثم ألقوه في أقرب سلة نفايات.
الحرب على إيران سببها الخفي هو التخلص من أي قوة منازعة للمشروع الإسرائيلي
تاسعًا: علينا التعلم من التاريخ القريب، فحديث ترامب عن تحرير الشعب الإيراني مجرد لافتة كاذبة يريد من خلالها تبرير الاعتداء على إيران، وإثارة شعبها وقت الحرب على السلطة هناك، حتى يتسنى هزيمة إيران وتركيعها سريعًا، وبعدها لن تعبأ واشنطن بالإيرانيين، وستتركهم في فوضى عارمة، مثلما حدث في العراق وليبيا، ومثل هذا الوضع سيشكل خطرًا داهمًا على الاستقرار الاجتماعي والتنمية بدول الخليج العربية.
عاشرًا: الحرب على إيران سببها الخفي التخلص من أي قوة منازعة للمشروع الإسرائيلي، ليستتب له الأمر في الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، فتتركها أمريكا لتل أبيب، وتتفرغ لإدارة صراع أشد مع الصين، لا سيما وأن إيران محسوبة، ولو بدرجة ما، على المشروع الصيني، أو على الأقل مناهضة المشروع الأمريكي.
هناك أسباب أخرى تتعلق بالاستيلاء على نفط إيران وغازها، وهو ما نطق به ترامب جهارًا نهارًا، علاوة على ضرب الدولة الوحيدة في المنطقة التي تصنع سلاحها بنفسها، وهي إيران، وتلك مسألة لا تروق لأمريكا، التي تعتبر تصدير السلاح إحدى ركائز اقتصادها.
حين كان الفدائيون المصريون يضربون القاعدة البريطانية في منطقة السويس لم يكونوا وقتها يعتدون على أرض مصرية
حادي عشر: يجب أن ندرك المعطى التاريخي في الصراع ضد إسرائيل، إذ اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979، وهي السنة نفسها التي أبرمت فيه إسرائيل اتفاقية سلام مع مصر، نظرت إليها تل أبيب على أنها تحييد لأكبر
دولة عربية في الصراع، لا سيما أن الثورة الإيرانية حددت منذ أول عهدها أن إسرائيل عدو، لأن إسرائيل اعتبرت "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" عدوًا، كما اعتبرت السلطة في إيران نصرة الشعب الفلسطيني واجبًا دينيًّا وأخلاقيًّا، ولم تكتف بالقول بل انتقلت إلى العمل من خلال مساعدة حركات المقاومة، حتى لو كانت تعتبرها خط دفاع عن المصلحة القومية الإيرانية.
ثاني عشر: رفض الحاضرون أي اعتداء على الشعوب العربية في منطقة الخليج، وفرقوا بين استهداف القواعد الأمريكية هناك، باعتبارها مناطق عسكرية أمريكية داخلة ضمن بنك أهداف الجيش الإيراني، واستهداف مصالح وطنية خليجية، وقال أحدهم "حين كان الفدائيون المصريون يضربون القاعدة البريطانية في منطقة السويس لم يكونوا وقتها يعتدون على أرض مصرية، إنما أرض بريطانية مغتصبة من مصر عنوة".
ومع هذا رأوا أن من صالح إيران ألا تستعدي دول الخليج بقدر ما نبهوا الأشقاء في الخليج إلى عدم الانجرار إلى الحرب، لأن هذا في النهاية يحقق أهداف إسرائيل، التي يشمل مشروعها إيذاء العرب جميعًا، دون تفرقة، سواء ما يتم من هذا الآن، أو ما سيقع مستقبلًا.
ثالث عشر: على بلادنا أن تحصن نفسها في وجه الخطر، ولن يكون هذا إلا بالاهتمام بالتعليم، وإشاعة العلم في وجه الخرافة، والأخلاق في وجه الانحلال، وضمان التماسك الاجتماعي، وبناء الشرعية على الرضاء، وإصلاح كل خرب، واستقامة كل معوج، ومحاربة أي فساد، وتحرير إرادة الشعب، والنظر إليه على أنه هو مصدر القوة والثروة، والأولى بالعناية والرعاية.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

