من النيل إلى الفرات.. ما قبل تغيير الخرائط
على مدى عقود، تعاملتْ شريحةٌ كبيرةٌ من المثقفين والسياسيين العرب مع المخاوف من خطط إسرائيل التوسعية بكثير من الاستخفاف، بل واتهمت المحذرين من مشروع إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات بأنهم أسرى لنظرية المؤامرة، وغرقى في خيالات وأوهام قديمة صاغها القوميون والناصريون في لحظات تجاوزها الزمن.
تصريحات سفير واشنطن لدى إسرائيل مايك هاكابي مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون تؤكد أن هذه المخاوف لم تكن مجرد أوهام، بل استراتيجية واضحة ومعلنة وتكتسب أرضيةً ونفوذًا أكبر داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة منذ سنوات، وترتكن إلى نصوص دينية يلتف حولها الملايين وتعتبر الانحياز المطلق لإسرائيل تنفيذًا لمشيئة الإله وليس خيارًا سياسيًا أو استراتيجيًا.
هاكابي يقول بوضوح إن إسرائيل لها حق إلهي في هذه الأرض، ويرى استيلاءها على الشرق الأوسط كله أمرًا جيدًا. وحين منحه كارلسون فرصةً أخرى لمراجعة تصريحاته أو حتى إعادة صياغته بأن ذكّره بأن هذه الأراضي تقع في نطاق دول قائمة حاليًا، أصرّ على أن تصل الفكرة كما هي، لإسرائيل الحق في السيطرة على ما تشاء من أراضٍ ما دامت تقدر على ذلك.
مقدمات دون رد
هكذا تبدأ الأمور دائمًا بإعادة تعريف الخريطة في الخيال الجمعي. هذه الأرض "ليست نهائية". هذه الحدود "مصطنعة ومؤقتة"، وهذا الامتداد "حق تاريخي"، حتى يأتي الظرف التاريخي أو يصنعوه.
لم يبدأ تيودور هرتزل بدولة على الأرض، بل بفكرة في كتاب، تلتها عقود من الخطاب الديني والقومي الذي استعاد أرض الميعاد كتصور ثقافي يجري تغذيته وإقحامه في كل المحافل، وحين جاءت الحرب العالمية الأولى وانهارت الدولة العثمانية تحوّلت الفكرة إلى فرصة سياسية. سبق الرمز البندقية، والجمعيات الصهيونية الجيوش.
قبل الحروب الصربية في التسعينيات بدأ لسنوات الترويج لفكرة أن الصرب ضحايا تاريخيون يجب أن يستعيدوا أرضهم وكرامتهم، وتم استدعاء معركة كوسوفو التي وقعت في أواخر القرن الرابع عشر وتحولت لرمز قومي يحتل مساحة كبيرة، حتى إن الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش ألقى خطابًا شهيرًا في ذكرى المعركة تحدث فيه عن المعاناة التاريخية للصرب وأعاد ربط كوسوفو بالهوية القومية. ثم جاءت الحروب والمجازر والتطهير العرقي.
تستغيث الدول العربية بترامب ليس جهلًا منها لكن لعجزها
هذا ما يسعون إليه الآن. إعادة إدخال الخريطة العربية إلى حقل التخييل السياسي، والخرائط حين تدخل الخيال تبدأ رحلة طويلة نحو التحقق إذا لم تواجه بخطاب مضاد قوي وحاسم.
حتى الآن الرد العربي على هذه التصريحات أكثر من ناعم، بيانات منفصلة من بعض الدول العربية، وبيان مجمع لوزراء خارجية مجموعة من الدول العربية والإسلامية، وجميعها يرفض ويشجب التصريحات ويحذر من السياسات التوسعية ومخالفتها لرؤية الرئيس ترامب وخطته للسلام.
الرئيس ترامب الذي نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وكسر قاعدة دبلوماسية عمرها عقود، قالت إدارته إن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية مخالفةً للقانون الدولي. الرئيس ترامب الذي دعم كل ضربات إسرائيل على لبنان وإيران وسوريا واليمن بالقول والسلاح وواجه بحق الفيتو كل محاولات إنهاء الحرب، تطلب منه الدول العربية الآن التصدي لتصريحات سفيره لدى إسرائيل الذي عينه بنفسه وقال عنه في تجمع انتخابي إنه يعرف الشرق الأوسط أكثر من معظم الناس في واشنطن، وأنه أحد الوجوه التي تمثل القاعدة المؤيدة بقوة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.
تستغيث الدول العربية بترامب، ليس جهلًا منها بكونه أحد أهم قادة وواضعي ومنظري هذه السياسة، لكن لعجزها عن مواجهة تبعات الاعتراف بذلك، لكن ما يحدث ليس إلا إهدارًا للوقت والفرص.
أنت أمام سياسة واضحة ومعلنة وفجة، تستهدف أمنك وأرضك حتى وإن كنت محسوبًا على واشنطن وتدور في فلكها، لأن التجارب أثبتت أن ولاء اليمين الأمريكي لإسرائيل الذي يمثله ترامب وهاكابي عابر لكل التحالفات، عابر لإسرائيل نفسها، في هذه السردية العرب وإسرائيل أدوات لتحقيق هدف ديني وروحي يؤمن به عشرات الملايين وتتبناه الإمبراطورية الأقوى في هذا الكون.
قبل فوات الأوان
الواقع يقول إن القطيعة مع أمريكا ليست خيارًا واقعيًا، لكن التبعية الصامتة ليست خيارًا حكيمًا أيضًا. هناك مساحة كبيرة في المنتصف وأوراق عديدة يمكن استخدامها، حتى ولو داخل الغرف المغلقة.
يجب أن تلح الدول التي وردت في هذه الخطة في طلب توضيح رسمي من الإدارة الأمريكية، وهو طلب مشروع باعتبار صاحب التصريح صاحب منصب دبلوماسي رفيع في الإدارة الأمريكية، لو أصرت واشنطن على عدم الرد فهذا يعني اعترافًا ضمنيًا بما ورد في التصريحات، وإن استجابت وردَّت بالنفي ستكون وثيقةً مهمةً في يد العرب، وستوضع الإدارة في مواجهة مع مؤيديها.
اختبرت إسرائيل رد الفعل العربي والإسلامي مرارًا منذ السابع من أكتوبر والأكيد أنه يشجع على مزيد من التصعيد
يجب أن تصل رسائل واضحة بأن دعم أي مشاريع توسعية لن يمر دون تبعات على المصالح الأمريكية نفسها، يجب أن تستثمر الدول العربية في شراكات دولية أخرى، لو لم يكن لإحداث توازن في العلاقة مع واشنطن فمن باب استخدامها ورقة ضغط. يجب استخدام لغة المصالح لا العواطف، بدلًا من الحديث عن الغضب وخيبة الأمل من التصريحات، نربطها بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة وتأثيرها على الملاحة والطاقة ومكافحة الإرهاب وغيرها من الملفات التي تعتبرها واشنطن أولوية كبرى، يجب أن تضغط الدول العربية بكل ثقلها من أجل إزاحة هاكابي عن منصبه، صحيح أن السياسة ستستمر وإن تغير الأشخاص لكن تغيير من هذا النوع ستكون له رمزية كبيرة.
مرور تصريحات هاكابي بهذا اليسر سيكون له ما بعده، اختبرت إسرائيل رد الفعل العربي والإسلامي مرارًا منذ السابع من أكتوبر، والأكيد أنه يشجع على مزيد من التصعيد واغتنام الفرص، فأي مناخ سيكون أفضل من ذلك لاتخاذ أي خطوة مؤجلة؟ أمريكا يحكمها تيار يميني متطرف يؤيد إسرائيل أكثر من الإسرائيليين، أوروبا في أضعف حالاتها اقتصاديًا وسياسيًا، المحور الإيراني تفكك تمامًا، والدول العربية والإسلامية دائمًا تكتفي بالبيانات الخجولة.
لذلك، قد تكون الفرصة الأخيرة، قبل تحقيق أحلام إسرائيل في خرائط جديد.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
