تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
الرخص المتجلي في سياسة دونالد ترامب وطوابير ماكينات الصرف في مصر

شؤم الرخص

الأهداف الصغيرة التي تقوض الإمبراطوريات

منشور الثلاثاء 2 حزيران/يونيو 2026

لكل ما يسعى تحت الشمس وقت؛ للإنسان وقت، وللدول وقت. وبين لحظة الميلاد ولحظة الموت مسيرة من الصعود حتى بلوغ القمة ثم معاودة الانحدار.

لحظتا البداية والنهاية قدرٌ بيولوجيٌّ، أو هذا ما يبدو حتى الآن، لكن ما بينهما من مراحل القوة يتوقف على السلوك الذي يسلكه البشر وتسلكه الدول ويأخذ بأيديهم من النمو وارتفاع القدر إلى الاضمحلال، وهي المسيرة ذاتها من رفعة السلوك إلى الرُخص.

والكلمات، كسائر الموجودات، لها وقت ودورة حياة؛ فالمعنى الذي يتبادر إلى أذهاننا اليوم لكلمة "رُخص" ليس المعنى الذي كان للكلمة وقت طفولتها وفتوتها. حسب لسان العرب، الرخص هو النعومة واللين، توصف به المرأة فيكون دلالةً على النعمة ورقة البشرة، والثوب الرخص والرخيص هو الناعم. وشيئًا فشيئًا بدأت الكلمة تبتعد عن مدلولها الجمالي لتصل إلى المعنى الحديث دلالةً على قلة السعر، وصولًا إلى المعنى المجازي عندما نصف شخصًا أو هدفًا بالرخيص أي قليل القيمة والكرامة.

تعمل الكلمة بالمعاني نفسها في المجال السياسي؛ فكل الإمبراطوريات التي انهارت اتخذت المسار ذاته من الرفعة السياسية والتمسك بالأهداف الكبرى إلى اكتمال النعمة والتمتع بلين الحياة وصولًا إلى غلبة الرعاع وفرضهم الرخص السياسي الذي يقوض إمبراطورياتهم.

الرخص الترامبي

بهذا المعنى، من يمنحه الله بضع سنوات إضافية سيسعد برؤية نهاية الإمبراطورية الأمريكية بسبب الرخص الترامبي الذي لم يسلم منه الداخل الأمريكي ولا الخارج، فمن التنمر إلى التباهي بجرائم الحرب إلى إدارة الدولة والعلاقات مع الغير بمنطق السمسرة والعمولات وإحصاء الغنائم قبل شن الحروب.

يميل الرئيس دونالد ترامب لكل ما هو فاقع، ومتلألئ مثل الذهب

لا يمكن الزعم بأن الإمبراطورية الأمريكية خرجت اليوم من التاريخ، فالإمبراطوريات لا تهوي من قمة جبل فجأة بل تضمحل، وقد كانت الإمبراطورية تضمحل بالفعل منذ فقدت عدوها بسقوط الاتحاد السوفيتي.

لم يَفعل الرُخص الترامبي الفج سوى الكشف عن سوس الرخص السياسي الذي ينخر في مفاصل الإمبراطورية منذ ما يربو على أربعين عامًا مارست فيها الولايات المتحدة كل ألوان الغزو من أجل الغنائم وعمولات السلاح، وبفضل هذه الوفورات أمكن إفراغ الديمقراطية من مضمونها ورهن إرادة أمريكا لإسرائيل؛ القوة الصغيرة التي انقلبت من تابع إلى مسيطر على القرار الأمريكي.

ولم يكن هذا التوغل الإسرائيلي ممكنًا إلا بفضل استخدام عمولات وفوائض بيع السلاح، في شراء الرئيس والنواب والإعلام سرًا، وأخيرًا جاء رجل الرخص العلني.

لم يفعل ترامب سوى رفع القناع عن الرخص المتخفي بالكياسة واللباقة، ودفع اللغة السياسية الأمريكية إلى طورها الرخيص القارح. وبينما ادعى جورج بوش الابن أن غزو العراق مهمة إنسانية لنشر الديمقراطية، قال ترامب صراحة إن إيران بها ثروات عظيمة يجب أن تكون لنا، وبعد أن كانت حروب الرؤساء السابقين ضرورة واضطرارًا بحكم مسؤولية أمريكا عن الديمقراطية أصبحت الحرب مع ترامب شيئًا يوصف بالرائع، وبدلًا من تدمير آثار العراق في صمت صار التباهى بإبادة حضارة إيران علنًا.

أصبح واضحًا لكل ذي عقل الآن نهاية انفراد الولايات المتحدة بقيادة ما يُسمى بـ"العالم الحر" منذ نهاية الحرب العالمية

في خطرفاته لم يفرق الرجل البرتقالي بين أعداء وأصدقاء وجيران مثل كندا وجرينلاند، ولم يُفرِّق في تنمره على قادة الدول بين رئيس منتخب ورئيس وصل بغلبة السلاح. تهديد الحلفاء لا يعني سوى الانفضاض من حول الإمبراطورية الأمريكية، وأصبح واضحًا لكل ذي عقل الآن نهاية انفراد الولايات المتحدة بقيادة ما يُسمى بـالعالم الحر منذ نهاية الحرب العالمية، ونهاية انفرادها بالعالم الذي تمتعت به منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

بات كل هذا شيئًا من الماضي. والباقي من عمر هذه الإمبراطورية التي تمكن منها الرخص يتوقف على عوامل كثيرة ليس من شأن هذا المقال الخوض فيها. لكن يبقى أن الرخص يدرك ذاته؛ فالمرأة الرخِصة تدرك نعمة ليونة أطرافها، والسياسي الرخيص يدرك ذاته أيضًا، لذلك يعمد إلى إكراه اللغة على تعظيمه، فالرجل البرتقالي أوعز إلى أتباعه بمناداته بـ"الملك"، وعندما ظهر ملك حقيقي في ضيافة الملك الزائف بدت المهزلة؛ عبر خطاب بروتوكولي قصير فضح الملك تشارلز جنون سعي ترامب إلى العظمة الملكية.

الرخص المصري

إكراه اللغة من أسوأ نذر موت الإمبراطوريات. نحن أنفسنا كنا إمبراطورية وصلت بالرخص السياسي إلى نهايتها، وهو ما توصفه نصوص التشاؤم أو "أدب الفوضى الاجتماعية"، من بينها النصوص المنسوبة إلى الحكيم أيبور التي يتحسر فيها على انقلاب النظام الكوني ما جعل الوضيع يرفع نفسه فوق الأشراف، ووضع المرأة الشريفة في بؤس وأفقر الأغنياء وانتهك المقابر.

وسط هذه الفوضى صارت مصر ميدان تنافس بعد أن وصلت حدودها إلى الشام، وتسللت قبائل ليبية سيطرت تدريجيًّا في مفاصل الجيش والإدارة، وأسست أسرًا حاكمة، ثم تعرضت مصر لغزو الآشوريين، ثم الاحتلال الفارسي عام 552 ق.م، وانفتح الباب بعد ذلك لليونانيين والرومانيين والعثمانيين حتى الإنجليز.

في العيد كانت أرقام السحب النقدي من بنوكنا هي الوحيدة المعلنة بينما أنفقت بقية شعوب الأمة الإسلامية في ستر وراحة

الآن، مصر ليست إمبراطورية، لكنها دولة كبيرة بمعيار الإقليم، وعلينا أن نشعر بالخطر والحرج بين الجيران من مظاهر الرخص وحديث الرخص الذي يصل إلى الآخرين ويشكل صورتنا.

دعونا من ميلاد الضمير على أيدينا ومن التاريخ، ولننظر اليوم إلى شعب من مائة مليون، بينهم المخترع والأديب والطبيب والمهندس، بينما لا تخرج عنه سوى صغائر الأخبار التي يعاد تدويرها مرة في شكل إحصاءات لاستهلاك هذا الشعب من الخبز، مرة من الشاي والسكر، ونفقة رمضان، ونفقة العيد، وعدد الأرغفة التي يؤمنها الراتب، وتفاصيل سهر الحكومة لتوفير الرغيف.

في العيد كانت أرقام السحب النقدي من بنوكنا هي الوحيدة المعلنة، بينما أنفقت بقية شعوب الأمة الإسلامية في ستر وراحة. ماكينات الصرف المصرية هي الوحيدة الشهيرة بين ماكينات العالم؛ آليات تغذيتها وصيانتها شأن يؤرق المستخدمين دونًا عن شعوب الأرض التي تسحب من الماكينات كما لو كانت نهرًا من فلوس ينبع من الجنة، بلا أعطال أو نقص سيولة، ولا أعذار ورخص تفاصيل.

ما قيل في أزمة الكاش أيام العيد كان أرباع حقائق وأنصاف استهتار وأنصاف تغفيل، وأول التغفيل هو تصوير الأزمة كأنها استثناء، والحقيقة أن الأزمة موجودة في أوقات صرف المعاش أول كل شهر، وطوال ساعات الليل والنهار يندر أن يوفق المستخدم إلى السحب من أول ماكينة يقصدها ويندر ألا ينتظم في طابور.

طبقًا لإحصاء يعود إلى عام 2023 على موقع The Global Economy الذي يستند إلى بيانات المؤسسات الدولية، هناك 30 ماكينة صرف لكل مائة ألف بالغ في مصر، في حين تحتل بوروندي المعدل الأدنى بماكينتين فقط للمائة ألف، وتحتل الأورجواي المكانة الأعلى بنحو 300 ماكينة.

لكن الإحصاءات لا يمكن أن تقول كل الحقيقة. عندما نريد قياس كفاءة نظام الصرف الآلي لا بد من الأخذ في الاعتبار قيمة العملة نفسها وحجم التضخم وكفاءة أنظمة الدفع الموازية وعدد القادرين على استخدام كل هذه الوسائل الحديثة، لأن زيادة عدد العاجزين عن التعامل مع النقود بالبطاقات والهواتف يجعل القادرين مجبرين على التزود بالكاش مما يشكل ضغطًا على الصراف الآلي.

طابور منتظرين صرف 500 جنيه من ماكينات الصراف الآلي بفرع البنك التجاري الدولي، 25 مايو 2026

ولو تمت مناقشة الواقع الاقتصادي المصري وقدرة البنوك على الوفاء بهذه الخدمة بطريقة إنسانية لما كانت هناك مشكلة، لكن الذي حدث كان التوجيه القسري بتحويل الرواتب والمعاشات إلى البنوك واستخراج بطاقات الفيزا لموظفين وعمال ومسنين لم يسعوا إليها، والإغداق على التليفزيونات والصحف والشوارع واليوتيوب بإعلانات الشمول المالي والتغني بجمال البنك والكارت.

عقيدة "الفكة" والعمولة هي التي حكمت ميكنة الصرف دون خطة، وهي الأساس لإطلاق أي خدمة أو مشروع، كبيرًا كان أو صغيرًا، وبعد ذلك يأتي إجبار اللغة على اعتبار الخدمة أو المنشأة "حضارية".

الترام الذي يعمل مثله في كل مدن العالم يُزال من أجل نقل جديد "حضاري". سوق صغير يقام لجمع الباعة البسطاء في دكاكين تثقل كواهلهم بإيجار شهري لا بد أن تحمل واجهته لافتة "السوق الحضاري" علمًا بأن أجمل مدن العالم تسمح بأسواق الشارع، وتقدم الدولة بنية أساسية حضارية تخدم البائعين، وتتولى البلدية النظافة بعد فض السوق آخر اليوم، لأن الدولة تنظر إلى مصلحة المزارع والمستهلك فتجعلهما يلتقيان دون وساطة سلاسل الإمداد الطويلة.

كارت السحب حضاري ليس في هذا شك، لكنه لم يحقق سوى مصلحة البنوك، بينما يلهث حامله بحثًا عن ماله في  ماكينات فارغة أو معطلة ويُجبر على إهدار وقته وعافيته وكرامته في حشود استجداء الماكينات، ثم إهدار إمكانات الناس بالجدل حول التافه والرخيص من التفاصيل، ونصبح الشعب الوحيد الذي يكافح للحصول على البديهيات، وتبدو الدولة مثل سفينة مفقودة وسط بحر صاخب في عالم وإقليم يعاد ترتيبهما بين إمبراطورية أمريكية آفلة وكيان توسعي تخايله أحلام الإمبراطورية، بينما لا يُسمع من سفينتنا سوى أصوات الاستغاثات.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.