النداء الأخير بشأن ترام الإسكندرية
فرصة التراجع لم تزل ممكنة
كنت اعتذرتُ عن عدم كتابة مقالي في الثلاثاء الأول من الشهر لانشغالي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، لكنني أعود عن اعتذاري لأكتب اليوم، بأمل ضعيف جدًا، لإنقاذ ترام الإسكندرية من تطوير العنوة، الذي كتبت عنه في المنصة من قبل. ورغم الحجم اللانهائي من الخذلان الذي لقيته خلال مسيرة طويلة من الكتابة في الشأن العام، تظل فكرة الأمل الرومانسية دافعًا للكاتب إلى الاقتطاع من وقته لأداء ما يراه واجبًا، بشأن تفصيل عمراني خطير، يوشك أن يقع.
والعمران يأتي على درجة من الخطورة تالية أو موازية للسياسات العليا في العلاقات مع الدول والأحلاف والخيارات السياسية للدولة اليوم؛ فهو غير منفصل عن كل هذا، وهو سبب الاقتراض الكثيف منذ 2013. والإسكندرية هي المدينة الثانية في مصر وتتعرض لتحولٍ مهمٍ في عمرانها وشكل الحياة فيها بسبب النية في تطوير الترام، وقد أسفر الإيقاف الجزئي للترام عن فوضى عارمة وزيادة في تكلفة الانتقال واختناق مروري، جعل من الإسكندرية صورةً أخرى من فوضى القاهرة.
ولأن رفع قضبان الترام لم يحدث بعد، تبقى هناك فرصةٌ للتراجع عن المشروع، ولن يقلل هذا من هيبة الدولة، وإنما سيعد سابقة واعية وإشارة سياسية إيجابية في الاستماع إلى ما يريده المجتمع المحلي، وبادرة اقتراب من الناس واحتياجاتهم وتحكيم التخطيط والعلم، بخلاف كل ما سبق في مشروعات الطرق والكباري، حيث تمضي الإجراءات كالقدر، غالبًا دون تفسير، وأحيانًا، عند الضرورة، تقديم تفسير بلاغي يحاول تزيين الإجراء دون أي نية للتراجع، أو التفاعل مع الآراء المخالفة.
طالعة السلالم
بعيدًا عن كل الاعتبارات العاطفية، وعراقة الترام التي تدخل في رأس المال الرمزي للإسكندرية، فحديث المنفعة البحت يحتم إعادة النظر في مشروع رفع 45% من خط ترام الرمل فوق كبارٍ علوية؛ على صفحة محافظة الإسكندرية شرحٌ وافٍ لمزايا المشروع من وجهة نظر الدولة، بينما تشتعل صفحات المواطنين ووسومهم التي يدونون تحتها. الإدارة في طريق والناس في طريق لا يلتقي الطرفان!
عرض المحافظة للمشروع موفق جدًا، ومعه خرائط توضيحية، وبعد تخليص العرض من البلاغة الموفقة جدًا، تتلخص المزايا التي تعرضها المحافظة في أن القطار كان يعاني أزمة تشغيلية حقيقية، كانت تهدد استمرارية الخدمة، حيث لم تكن الطاقة الاستيعابية قبل التطوير تتجاوز 80 ألف راكب يوميًا بزمن رحلة يزيد على ساعة وسرعة تشغيلية لا تتجاوز 11 كم/س. وأن التطوير رفع الطاقة الاستيعابية إلى نحو 220 ألف راكب يوميًا مع تقليص زمن الرحلة إلى 33 دقيقة مع تقليل زمن التقاطر من 9 دقائق إلى 3 دقائق بما يحقق انتظامًا وكفاءة حقيقية في الخدمة.
صور المحطات العلوية في التصميم تبعث على الانشراح، مثلما تفعل فينا صور الغابة، بينما في الغابة الحقيقية تكمن التفاصيل؛ الحشرات الدقيقة والوحوش والأشواك والرطوبة. الصور أنقى من الطبيعة دائمًا، لكننا لا نعيش في الصور. والرد على النقاط الجوهرية في ما تعتبره الحكومة مزايا ليس صعبًا:
أولًا: بخصوص الأزمة التشغيلية والطاقة الاستيعابية فسببها نقص الصيانة وسوء أحوال العاملين بالمرفق، وزمن التقاطر يمكن أن يتضاعف على الأرض بتوفير القطارات. وبخصوص السرعة فالأحد عشر كيلو مترًا في الساعة هي سرعة عالية بالنسبة لترام دولة تعرف قيمة الزمن مثل سويسرا إذ تبلغ سرعة ترامها ثمانية كيلو مترات، كما ذكرت في مقال "طالعة السلالم.. محاولة لفهم الولع بشعلقة النقل العام". وليس هناك من أهمية كبيرة للزمن الإجمالي لرحلة الترام، لأن نسبة قليلة جدًا من مستخدميه تستقله من البداية للنهاية.
الترام هو الوسيلة الحضارية الوحيدة التي تقلل استخدام السيارات لهذا تتمسك المدن بوجود الترام البطيء
ثانيًا: في التطوير المقترح ستبقى هناك 14 محطة أرضية، و9 محطات علوية، لكن هذه التسع ألغت 15 محطة هي: جامع إبراهيم، والشبان المسلمين، وكامب شيزار، وسبورتنج الصغرى، وكليوباترا الصغرى، وكليوباترا حمامات، وسيدي جابر الشيخ، ومحمد محفوظ، وبولكلي، وسابا باشا، والفنون الجميلة، وثروت، والسرايا، والسيوف، وجناكليس.
وهذا يعني أن مشقة النزول من محطة علوية يصاحبها توسيع المسافات بشكل يتعذر على المرضى وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، وبهذا فقد تكسب المدينة وسيلةً أسرع، لكنها تكرر عمل الوسائل السريعة كالميكروباص، وتفقدها ميزة وجود وسيلة نقل محلية، ولعل القاهرة نموذج مثالي للخسارة الفادحة لإلغاء الترام وإقصائه من خيارات المواصلات، وهي الوسيلة الحضارية الوحيدة التي تقلل استخدام السيارات، لهذا تتمسك المدن بوجود الترام البطيء. وحتى لا يتفاجأ المخططون؛ فكل المدن الجديدة بحاجة إلى شبكات ترام تكمل عمل الوسائل السريعة كالمونوريل.
كوبري سيدي جابر نموذجًا
ثالثًا: مسار ترام الرمل في وضعه الحالي يتمتع بمظهر الحديقة لنحو نصف العام بسبب كثافة الأمطار في الإسكندرية، ولهذا مميزاته البيئية التي تُترجم إلى أموال في الصحة البدنية والنفسية للسكان، قبل أن نفكر بالجماليات.
رابعًا: يمكن، بل يجب إجراء محاكاة مرورية على الشوارع التي تتعامد على مسار الترام، وسيثبت أن إلغاء التقاطع لن يحقق لها أي انسياب يذكر. عدد السيارات كبير جدًا والشوارع مكتظة قبل وبعد التقاطع، وهذا يعني أن رفع الترام لن يفيد إلا في وصل الفوضى والانسداد في الشارع الواحد.
في المقابل يلعب الترام في وضعه الحالي دور ضابط الإيقاع لحركة السير في هذه الشوارع. الدقيقة التي يقطع فيها الشارع تترك لنصفه أن يتنفس ليستوعب التدفق الجديد بعد مرور الترام. وعمران الإسكندرية الطولاني بمحاذاة البحر يجعل حركتها المرورية الأساسية من الشرق للغرب، وحساباتها بسيطة جدًا.
في المدينة شريانان رئيسيان: البحر وشارع أبو قير، وبينهما خط ترام الرمل (الخط المهم الذي يتركز الجدل عليه) وهو أهم من خطي السيارات، والعون الأساسي للمدينة، وكلما تم تسهيل استخدامه قل الضغط على أنواع النقل الملوثة. ولم تتزايد ظاهرة السيارات الخاصة في الإسكندرية بسبب تدهور خدمة الترام. والحل لا يكمن في الإفساح لمزيد من الوسائل الملوثة بل في تسهيل استخدام الترام.
خامسًا: يجب أن تنحو مشروعات البنية الأساسية نحو الاستدامة، وتقليل التكلفة وتراعي القدرة على الصيانة. كل النقل المعلق يحتاج إلى تكلفة تشغيل وكفاءة صيانة ليست متوفرة دائمًا. والمثال من الإسكندرية نفسها، حيث عاش كوبري المشاة في سيدي جابر الذي أُزيل مؤخرًا نحو نصف قرن دون أن يعمل أيامًا معدودة، خلال عمره المديد، وكذلك احتاج عطل السلم الكهربائي داخل المحطة نحو خمس سنوات لإصلاحه!
الدراسة مهمة، والمرونة في الاستجابة لما هو صحيح مهم كذلك، وربما كانت أزمة ترام الإسكندرية فرصة لإعادة النظر في سياسة منع التقاطعات برمتها، فهي السياسة التي أنجبت الكباري العلوية في القاهرة، دون مراجعة لحسابات المكسب والخسارة فيها.
التخطيط الشبكي
منذ تطبيق هذه التعديلات، اعتدت أن أصور مسارات "أوبر" الذي أطلبه كما يعرضه التطبيق، وأجد خط سير السيارة مثل لعبة السلم والتعبان تقترب ثم تبتعد، تستهلك مسافات طويلة وغير منطقية، ولا يمكن التطبيع مع هذا النظام التعسفي مهما طال وجوده.
ما تفعله الكباري هو استبدال تناوب الفسح والإغلاق في التقاطعات بالالتفاف الطويل. وهذا أعفى راكبي السيارات من الوقوف خمس دقائق في إشارة لكنه أجبرهم على الالتفاف للمدة نفسها أو أكثر، بما يعني استهلاكًا أكثر وتلوثًا أكثر وإزعاجًا للشوارع الداخلية التي يجري منها الالتفاف ويجعل المشي فيها خطرًا بعد أن كانت آمنة وأقل تلوثًا، هذا بخلاف العشوائية والأتربة، والخطورة على المشاة ومستخدمي النقل العام والمخاسر الاقتصادية.
المحال على التقاطعات هي الأغلى سعرًا في البيع والإيجار وتلغي الكباري تميزها وهذا عدوان على الملكية الخاصة
تقاطع الشوارع الطولية مع العرضية، يُعرف في علم العمران بـ التخطيط الشبكي والإسكندرية من أقدم المدن التي اتبعته وصار اليوم الصفة الغالبة في مدن العالم، فهو جزء أصيل من حياة المدينة، وظيفيًّا وحضاريًّا. ولا تقدم الدول على إلغائه إلا في أضيق الحدود وبسبب قاهر. الوظيفة المرورية للتقاطعات، سواء كانت إشارات صارمة أو دوارات/صواني توزع حركة المرور بالعدل، وتساهم في حماية المشاة وراكبي الدراجات، كما أنها تخفض الضوضاء والتلوث. بينما تحقق الكباري وهم السرعة لمسافات صغيرة، وسرعان ما تصب في شوارع أضيق وتسبب الاختناقات المرورية، بما يجعل إجمالي زمن الرحلة أطول، فلا تتحقق الوظيفة ولا يبقى الجمال للشارع.
واقتصاديًّا تعزز التقاطعات التجارة وتخلق نقاط جذب متعددة، المحال على التقاطعات هي الأغلى سعرًا في البيع والإيجار، وتأتي الكباري لتلغي تميزها، وهذا عدوان على الملكية الخاصة، اعتدناه لأن هناك مصائب أكبر لكن التغاضي لا يجعل منه إجراءً سليمًا. وللتقاطعات وظيفة معمارية وعمرانية؛ فعمارات التقاطعات تتميز بالتميز الجمالي لعمارتها، ولذلك فهي أساسية في رسم صورة المدينة بالذاكرة البصرية. كل هذا الوظيفة الاجتماعية والحضارية للتقاطعات؛ فهي مكان الالتقاء والاستراحة.
ويبدو أن مطاردة هذه الوظيفة بالذات حاضرة بقوة في هذا التوسع في الكباري، لكن ثمن هذا الهاجس الأمني فادحٌ اقتصاديًّا وعمرانيًّا. وربما يكون ترام الاسكندرية فرصةً للاقتراب من الناس بدلًا من الشك فيهم ومحاصرتهم، ربما يكون إصلاح الترام على وضعه الحالي أجدى، وأرحم بسكان الإسكندرية الذين ستتضاعف عليهم تكلفة الانتقال بهذا التعديل المزمع، بينما لم يبق للمدينة من نشاط اقتصادي سوى المطاعم والكافيهات، وتشهد بهذا التدهور هجرة شبابها إلى القاهرة.

