برخصة المشاع الإبداعي- Mumbles Head، فليكر
ترام الإسكندرية، فبراير 2012

وداع أخير للترام الأزرق

منشور السبت 3 كانون الثاني/يناير 2026

تحوّل الترام في الأسابيع الأخيرة إلى قضية رأي عام في الإسكندرية، بعد شائعة، أو حقيقة، لا أعلم أيهما للأسف، إيقافه الوشيك بغرض تطويره. الكل يتحدث على السوشيال ميديا وفي الأحاديث الجانبية. تخوفهم نابع من ارتباطهم بالترام الذي أصبح جزءًا من روتين حياتهم، ربما لطول العشرة معه، أو لمشيته البطيئة التي تعادل تسارع مرور أعمارهم.

جدل واسع صاحب موعد التوقف المجهول، خاصة عندما بدأت أجهزة قياس التربة تحتل جزءًا من بعض المحطات. غابت الشفافية في اتخاذ قرار يؤثر بشكل كبير على الروتين اليومي لأبناء الإسكندرية. بعدها كثرت الاستغاثات، والاستعطافات، سواء للمحافظ أو لغيره، لتأجيل المشروع حتى يتم الانتهاء من مد خط المترو الجديد، الذي جاء بديلًا لقطار أبي قير —محطة مصر، فعندها لن توجد وسائل نقل يمكنها أن تستوعب ركاب هاتين المواصلتين الأساسيتين في المدينة.

أرجوحة الزمن

بالرغم من الحالة المتدهورة التي وصل إليها، من تباطؤ حركته وإهمال نظافته وجلد كراسيه المشقوق بالمطاوي وسقفه المعدني الذي يسرب المطر في الشتاء فتتحول ممراته إلى بِرك، وغيرها وغيرها من الإهانات التي لحقت بهذه المواصلة النبيلة، التي تعود بداياتها لزمن الفروسية عندما كانت تجرها الخيول وتُوضع الستائر على نوافذها، ويطل أبطالها القدامى من فرجة الستائر يشاهدون الحياة وهي تتوالى صورها كفيلم سينمائي مفتوح النهايات.

أتخيل أهل المدينة يجلسون في عربة ترام تتأرجح في رحلة وداع أخيرة، يودعون فيها تاريخهم وذكرياتهم، يندمجون ويتداخلون، لأن بعدها لن تعود الأرض التي سار عليها ولا الصور القديمة للمدينة التي ألفوها، فالترام الجديد سيشمل محطات علوية ونفقية.

"أرجوحة الزمن" ربما سيحتفظ بداخل ذاكرته بصورة رمزية للعائلة الغائبة، كما زينت جدرانه الداخلية صور الإسكندرية القديمة الغائبة، سيصير "أرجوحة للحداد"، أما خارجه فضباب كثيف يلف المدينة.

ذاكرة جديدة

كان العضو المتحرك في جسم المدينة الثابت، الذي يربط بين مركزها وأطرافها وطبقاتها، وحكايات أحيائها. هذا العضو المتجذر في تاريخ المدينة منذ نشأته عام 1860، حمل سماتها المدنية الحديثة وتطوراتها. وربما هو الذي صبغ المدينة بإيقاعه الهادئ، وصارت لحداثته مزاج شرقي، ومع الوقت تحوّل إلى فضاء اجتماعي مفتوح، كأحد ممثلي الذاكرة الجمعية، تلتقي فيه الطبقات المختلفة بدون تمييز.

"أرجوحة الزمن" التي لا تهدهد الذكريات والحكايات فقط، بل تخلقها. فكلما تحرك للأمام يخلق حوله مجالًا لنمو الحكايات، لذا تنفتح ذاكرة الماضي للحاق بالمستقبل.

ربما بغياب الترام، واستبدال عضو آخر به أكثر سرعةً وانفصالًا عن حياة المدينة، سيحدث تغييرٌ جوهريٌّ في شكل الذاكرة الجمعية ورموزها، سيكون هناك "عصر ما قبل وما بعد الترام". فالسرعة المتوقعة للمترو الجديد ستبلغ 21 كيلومترًا في الساعة، مقارنة ب 11 كيلومترًا. هذه الكيلومترات العشر، الفارقة، شاركت في تكوين هذه الذاكرة الجمعية، مع الزحام، والعشوائية، والفوارق الطبقية الحادة.

الآلة والعاطفة

تلك الأقحوانات البرية، البيضاء والصفراء والزرقاء، التي تغطي حرم الترام في مواسم المطر، وتظل حتى الربيع، تبلور مجازًا العلاقة بين الحديد والسرعة والحياة البشرية بوصفها زهرةً بريةً لها قدرة على النمو.

حتى الحوادث التي سببتها هذه الآلة كانت مصونة بحماية هذا المجاز المتعدد، كلها إصابات تنتمي لعصر قديم للسرعة، كخروجها عن القضبان، أو اصطدامها بعربة ملاكي عند المزلقانات، لا تنتج عنها وفيات إلا نادرًا قياسًا بالقطارات.

نادرة أيضًا حوادث رشق زجاج الترام بالطوب، كما كان يحدث في القطارات، فقد كان الترام جزءًا من إيقاع المدينة، بعكس القطار البراوي الذي يتحرك للخارج دومًا، بلا أي انتماء، وبسرعة مستفزة.

كانت الآلة في طور نموها، ولم تغترب يومًا، مهما حدث منها، حتى أن الناس كانوا يستهينون بها وبسرعتها البطيئة، ويمكنهم أن يشيروا للسائق، من بعيد، أن يتوقف لو كانت في بداية حركتها من المحطة، سواء ليعبروا المزلقان أمامها، أو ليستقلوها. روضها أهل المدينة عاطفيًّا، نزعوا عنها آليتها وما تخفيه، وحولوها إلى أحد الجيران. نحن مقبلون على عالم جديد لن تكون فيه علاقة بين الآلة والعاطفة.

الآلة الأم

في زمن ماض، كان هناك ركاب "السبنسة/الترسو"، وهي العربة الأخيرة، هربًا من الكمساري، وأغلبهم من تلاميذ المدارس، والمتسولين.

تلك المتعة الفارغة التي أوجدها المراهقون بوقوفهم على الدرجة الأخيرة من سلم النزول أو الصعود للأبواب التي تغلق أتوماتيكيًّا، هذا الحد بين الداخل وخارجه، المعنى الذي يحرك هذه السن بين حاجته لدفء العائلة والتمرد عليها بنزق. فيضطر السائق، أو الكمساري، أن يوقف الترام، ليجري وراءهم، أو يسبهم ويسب أهاليهم.

في وقفتهم على السلم يسخرون من كبار السن، بينما كبار السن الذين احتلوا كل مقاعد العربة وزواياها، يتلمظون من حيوية المراهقين، الذين حولوا ركوب الترام إلى لعبة.

عند التوقف في أي محطة، وحتى قبلها، يهبطون بسلام على الرصيف، بعدة خطوات متسارعة بسبب القصور الذاتي، يقفون بعيدًا عن الترام بمسافة كأنهم يتبرأون من فعلتهم، ويبعدون عن أنفسهم الشبهات، ولكن عندما يتحرك الترام من جديد مغادرًا المحطة، يمنحونه ثوانيَ ليستعيد سرعته ثم يجرون وكل منهم يدخل في صراع مع هذه الآلة الأم، يؤخر اللحاق بها بقدر الإمكان، حتى تصير هناك مسافة كافية لأن تخلق تحديًّا يتلوه انتصار صغير، وهو ما يشبع ضرورات المراهقة من تحدٍ، كأنه يسابق حصان منطلق في حلبة سباق وينجح في أن يمتطيه.

ربما يتلكع أحدهم، فيسرّع من عدوه لينضم إلى ثلة أصدقائه الذين سبقوه على السلم، ليذوب وسط أجسادهم، يلقفونه وما زالت قدمه معلقة في الهواء.

الثورات ووسائل الترام

أثناء الثورات تصبح لوسائل النقل العام أهميتها، كما حدث في ثورة 19، إذ قلب الثوار عربات الترام لتُشل المدينة ويتوقف هذا الشريان الحيوي، كأنك تعيد الإمساك بمفاتيح هذا اللغز المديني الحديث عبر هذا الشريان.

أثناء الأيام الأولى لثورة يناير، تحول الترام، ككل شيء، إلى وسيلة مواصلات يحكمها الشعب، بالمعنى الحرفي. انضم بسبب تاريخه لهذه الجهة المستضعفة. تحولت السلطة الرمزية إلى مادية، يركب الجميع ببلاش ودون دفع تذاكر.

في إحدى المرات، بعد أن انفضت المظاهرات قرب المغرب في ميدان جامع إبراهيم، استقل المتظاهرون الترام باتجاه شرق المدينة. لكن السائق قرر التخزين (الانتظار والسماح للقطار الآتي بعده بالمرور) في منتصف الرحلة بمحطة مصطفى كامل، بناءً على أوامر صدرت له. احتج الركاب، وأمروا السائق بأن يستمر في رحلته حتى محطة النهاية، فاستجاب بعد أن استشار مرؤوسيه، وهو يرى مشاعر الركاب.  

بعد انتخاب مرسي، دعت جماعات الإخوان المسلمين على السوشيال ميديا إلى احتلال الترام يوم 22 سبتمبر/أيلول 2013، والاعتصام به، والذهاب والإياب المتكرر في أول أيام الدراسة بطول الخط من محطة الرمل إلى فيكتوريا، حتى تُشل حركة المواصلات في المدينة.

وفي واقعة سابقة يوم 12 فبراير/شباط، 2013 استقل طلاب جامعيون الترام، وأخذوا يهتفون "يسقط حكم المرشد"، في ذكرى رحيل مبارك، داعين أيضًا لإسقاط مرسي، وهم يحملون صور الشهداء. تحول الترام من مجرد ذاكرة جمعية إلى ميدان تحرير متحرك.

زوايا حميمة

هناك زوايا حميمة محجوزة مسبقًا في خيال أي راكب، سواء في بداية الخط، أو نهايته. دائمًا ما تمتلئ تلك المقاعد الاستراتيجية بجوار النافذة في اتجاه سير الترام. يريد كل راكب أن يشغلها دون أن يشاركه أحد، حتى ولو كانت تلك الدقائق التي تسبق تحركه. ربما ليكمل نومه.

كانت الترام بيتًا مؤقتًا لهؤلاء الذين لا يملكون بيتًا أو ملاذًا صباحيًّا من طلاب المدارس المزوغين، أو الشحاذين. في آخر الخط، أو أوله، عادة ما نعثر على أحد النائمين المتخلفين عن النزول. بحسن نية يقوم أحد الركاب بإيقاظه، ينظر حوله، ولا تبدو عليه أي علامة دهشة، ثم يعود لنومه من جديد. هؤلاء  لا ينتظرون محطة، إنما دورات متعاقبة يغربلون فيها المدينة، ويستنفدون فيها ساعات ضياعهم المؤقت.

النفوذ المتشعب

يمتد نفوذ الترام وعاطفته على الأرصفة والعمارات المطلة عليه، يخلق مجتمعًا كاملًا. على حوافه تحولت تلك المقاعد الرخامية إلى أسرَّة ليلية، لها أصحاب معروفون، كل منهم يأخذ زمنًا ثم يختفي. منذ عدة سنوات عند محطة زيزينيا، شعرتُ بفراغ المقعد الرخامي الذي كان يشغله أحدهم، تطول أظافر قدمه ويديه، يشبه رجال العصور الأولى، من ضخامة الجسم، ولمعان الحس الغريزي، والخوف الذي يتخفى تحت عينه الجامدة التي لا تطرف.

كان يبدو أنه حديث في مهنة "الضياع النهائي"، التي يمتهنها الهائمون. اختفى الرجل، ثم وجدته يسكن محطة السرايا لفترة ثم رأيته مرة أخرى ينتقل لأحد كراسي البحر الأسمنتية، ربما يمنح البحر معنى لضياعه النهائي، ثم فقدت أثره نهائيًّا في شوارع الإسكندرية. ربما يقف على نقطة داخل هذا الشريط الحديدي العائلي الذي له نقطة بداية ونهاية، والذي يمنح ضياعه النهائي أملًا مؤجلًا. تحول هذا المقعد الفارغ إلى قبر مستقبلي فارغ.

في أحد الصباحات الشتوية كان أحدهم يخرج من تحت فرشته على أحد هذه المقاعد بكامل ملابسه، يحملق بلامبالاة في وجوه راكبي الترام. كانت تحت مقعده علبة حلوى كرتونية بها قطع "بيتي جاتوه" يسرح عليها النمل، بالرغم من بياته الشتوي. أول ما فعله الرجل، أن أخرج مشطًا من جيب بنطاله الخلفي، وأخذ يسرح شعره الخشن أمام الركاب، ثم أعطى ظهره لنا، وقام بضبط هندامه كأنه يقف أمام مرآة، فتح أزرار بنطاله، وأنزله قليلًا، فظهرت ملابسه الداخلية، مما سمح بتمرير القميص جيدًا، ثم عاد وأعطانا، نحن جمهوره، وجهه مرة أخرى وهو مبتسم.

ترام كافيه

كانت هناك محاولة لتحويل الترام إلى مكان ترفيهي أثناء تولي المحافظ هاني المسيري الذي قدم استقالته من منصبه بعد أزمة الأمطار الغزيرة التي شلت المدينة في 2015.

كان يستقل الترام ويتحدث مع الناس مباشرة، وتكرر هذا عدة مرات، حتى أصبح ظاهرة سكندرية. تقصي خطوات هذا المحافظ الشبح الذي يظهر في العديد من الأماكن ذكرني بالدكتور أسامة الباز، سكرتير مبارك، عندما كان يتجول في مترو القاهرة وسط الناس والشوارع، كفرد عادي من هذا الشعب.

اقترح المحافظ ما سماه ترام كافيه لإقامة حفلات أعياد الميلاد وغيرها من المناسبات، ويصاحبها عزف موسيقى شرقي، للعود والكمان، مرتين أسبوعيًا، بينما مشاهد المدينة تترى في الخلفية. ثم ظهر "ترام جاردن" كأن المواطن يجلس في حديقة متنقلة، وتتضمن مكتبةً للصحف اليومية ولوحات فنية قديمة لرسومات المستشرقين، وشاشات إلكترونية تعرض أفلامًا وكليبات، وكافتيريا تقدم أنواعًا من المشروبات الساخنة والمثلجة، كل هذا مقابل خمسة جنيهات، وكان يشكل مبلغًا كبيرًا آنذاك.

ولكن هاتين الفكرتين اختفتا مع استقالة المحافظ، وعادت الترامات الشقيانة إلى مجتمعها التقليدي، لتكون هي المسيطرة وصاحبة النفوذ على هذا الخط الحديدي العتيق.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.