الانتصارات الوهمية لترامب في الصين
"كل ما يمكنني قوله إنها كانت نجاحًا عظيمًا"؛ هكذا علَّق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على زيارته إلى الصين.
يحاول ترامب إقناع مؤيديه بأنه خرج منتصرًا من الزيارة الأولى لرئيس أمريكي منذ عام 2017، عبر الترويج لعدد من الاتفاقات التي أبرمها مع بكين، مثل التزامها بشراء منتجات زراعية من بلاده بـ17 مليار دولار وشراء 200 طائرة بوينج أيضًا.
لكن المراقب لصراع الولايات المتحدة والصين، يدرك أن ترامب بات محاصرًا بخطابه المغرق في التفاؤل وادعاء الانتصار، ومثلما تقبض إيران على يده عبر غلق مضيق هرمز، تمسك الصين باليد الأخرى وتمنعها من إعاقة مشروعها المتطور للمنافسة في سوق الرقائق الإلكترونية.
جذور الصراع الأمريكي الصيني
خلافاً لما يظنه الكثيرون، فإن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين لم تبدأ في ولاية ترامب الثانية، إنما تعود إلى ولايته الأولى، عندما استهدف الحد من صادرات الشركات الأمريكية من الرقائق عالية التقنية إلى الصين بدءًا من 2018. كانت تلك أول خطوة نحو تقييد قدرة الشركات الصينية على استخدام تلك التكنولوجيا في قطاعات مرتبطة بصناعات الحساسية خاصة في مجالي الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلات Machine learning.
كان الهدف المعلن آنذاك منع نفاذ الحكومة الصينية إلى تكنولوجيا قد تستخدم أمنيًّا وعسكريًّا ضد مصالح الولايات المتحدة، لكن ثمة هدف آخر أعم وأشمل هو منع الصين من إنتاج الرقائق الإلكترونية في المستقبل، التي لا تزال حكرًا على بلدان صديقة وتابعة للولايات المتحدة.
سار بايدن على الطريق نفسه من خلال تبني ما يُعرف بقانون الرقائق الذي حظي في 2022 بأغلبية أصوات من أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري، الذي استهدف توطين صناعة الرقائق في الولايات المتحدة.
في فترته الثانية لم يكتف ترامب باستئناف ما بدأه - وأكمله الديمقراطيون- بل وسع استهداف الصين إلى شن حرب تجارية عارمة بهدف تخفيض العجز التجاري الأمريكي، وكان هذا بالتزامن مع رفع التعريفات الجمركية على مختلف شركاء الولايات المتحدة التجاريين وليس الصين فحسب كما نعرف جميعًا.
هل انتصر ترامب؟
كل الضجيج الذي أحدثه ترامب لم يثمر تقريبًا شيئًا ملموسًا، بالتالي لا تختلف تصريحاته الأخيرة عن الصين كثيرًا عن الانتصارات الوهمية التي يرى أنه حققها في إيران.
على صعيد الحرب التجارية اضطر ترامب للتراجع عدة مرات في مواجهة إجراءات صينية عكسية استهدفت بدورها حلقات حساسة في قطاعات التكنولوجية تتعلق بالمعادن النادرة، التي تحتكر الصين إنتاج أغلبها. وأقصى ما خرج به هو إعلانه خلال الزيارة الأخيرة عن أن الصين ستنظر في مخاوف الولايات المتحدة بشأن نقص المعادن الأرضية النادرة.
سمح حظر التصدير بتعميق هذه الصناعة في الصين نفسها تحت حماية ودعم واسعين من قبل الحكومة
لم تمنع الحرب التجارية الصين من أن تجد شركاء تجاريين آخرين تحقق معهم فائضًا تجاريًّا كبيرًا، إذ ولدت في 2025 أكبر فائض تجاري مع العالم في تاريخها - وتاريخ العالم- بمقدار 1.2 تريليون دولار على الرغم من تراجع تجارتها نسبيًّا مع الولايات المتحدة.
وأتى حظر تصدير الرقائق بنتائج عكسية، فقد سمح للمفارقة بتعميق هذه الصناعة في الصين نفسها تحت حماية ودعم واسعين من قبل الحكومة ما قفز بنصيب الصين من إجمالي إنتاج الرقائق من أقل من 10% في 2020 إلى 21% في 2024.
مستقبل الصراع الأمريكي الصيني
بالرغم من هذه النجاحات والاختراقات التي تحققت في فترة زمنية قصيرة، فإن طريق الصين في هذا المضمار ليس معَّبدًا بالضرورة، إذ إن الإنجازات الصينية تتركز في الرقائق غير عالية التقنية، ما يؤثر سلبًا على فرصهم في السبق في الذكاء الاصطناعي وتعليم الآلات.
بتعبير آخر، لا تزال صناعة الرقائق المتقدمة محكومة بشركات عملاقة أمريكية على رأسها NVIDIA وIntel، ويجري تصنيعها بشكل يكاد يكون تامًا في تايوان ما يدخل الجانب الاقتصادي في الجيوسياسي بشكل دراماتيكي للغاية.
هنا تفترق الآراء، البعض يقول إن الصين قد شيدت بالفعل قاعدة لإنتاج تكنولوجيا الرقائق وتصنيعها في العقد الماضي، بعدما كانت شركاتها مستبعدة تمامًا تقريبًا من كافة الحلقات المؤثرة في سلاسل الإنتاج العالمية، وأنه إن تمكنت الصين من الحفاظ على وتيرة نمو ذلك القطاع وتلك الشركات (مع الحماية والدعم الحكوميين الهائلين) ربما تلحق بالركب على نحو أسرع مما نتصور.
بينما يرى آخرون أن الصين لا تتطلع أصلًا لمنافسة الولايات المتحدة والدول الصديقة لها في هذا المجال، فهي في رأيهم تريد فقط إنتاج رقائق تصلح للتفوق في صناعات مهتمة بها كتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الروبوتات، التي تفوقت فيها بالفعل على الولايات المتحدة واليابان وأوروبا.
ربما يكون أي استخلاص في اللحظة الراهنة متسرعًا في ظل عدم اليقين الذي نعيشه يوميًّا خاصة في منطقتنا غير السعيدة من العالم، لكن لا يبدو أن احتواء صعود الصين اقتصاديًّا من جانب الولايات المتحدة أمر ممكن إذ ينطبق على سياسات ترامب وغيره القول الإنجليزي الكلاسيكي: متأخر وغير كافٍ Too little too late.
