تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
يميل الرئيس دونالد ترامب لكل ما هو فاقع، ومتلألئ مثل الذهب

في مديح الجهل والمقاولاتية والطَقم المُدهب

منشور الأربعاء 1 نيسان/أبريل 2026

ولد سيئ يتصرف بطريقة لا تعجبني. أنا غير سعيد. إنني سعيد جدًا. أنت ناكر للجميل. أنتِ بغيضة. إنه شاب قوي. إنه خارق الذكاء. هي غبية. أنتِ خنزيرة. إنني أحبه. انتصرنا أكبر انتصار في التاريخ لكنه لا يكفي. بريطانيا تغيرت. لا أحب اللغة الإسبانية. أنا غاضب من إسبانيا لأنهم سيئون. إنه صديقي. قضيت على أشخاص أشرار جدًا. أشعر بالملل. سآخذ غزة. سأستولي على كوبا وديًا. أنا أريد هذا البلد. أريد هذا البترول. الموت والنار والغضب مصير إيران. انتهت الحرب. تبقى القليل. إيران اختفت من على الخريطة. بقيت بعض الأشياء.

لا تحتاج العبارات المختزلة السابقة لجهد أو بحث لمعرفة أنها مختارات من اللغة الترامبية.

لا للمعرفة

من اعتصام طلاب مؤيدين لفلسطين من خمس جامعات مدريدية في جامعة كومبلوتنسي 7 مايو 2024

في لقاء عائلي، حكت لنا كارلوتا، البالغة من العمر خمسة عشر عامًا، عن فصلها الدراسي وانقسامه لمجموعتين أساسيتين: مجموعة تنحاز للفلسطينيين، ومجموعة غير مبالية أو منحازة لإسرائيل، وعن حرص المجموعة الأخيرة على إغاظة المجموعة الأولى بالسخرية ممن يتظاهرون أو يبدون اهتمامًا بما يحدث في العالم.

ولا يتردد أحيانًا ذكورها وإناثها في التعليق على ملابس فتيات المجموعة الأولى، والسخرية من أنهن لا يُزلن شعر أرجلهن.

اكتفينا بالاستماع لكارلوتا دون دهشة لمعرفتنا أن المجتمعات الأوروبية تمر بالانقسام الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بين قوى يمينية متطرفة وفاشية من ناحية، وتوجهات ديمقراطية وتقدمية ونسوية من ناحية أخرى.

لكن كارلوتا التي تدرس في مدرسة حكومية أضافت عنصرًا آخر يتعلق بالوعي؛ استغرابها من تجنب المدرسين الحديث عن الحرب الحالية، أو عن الإبادة في فلسطين، مستخدمةً هذا التعبير تحديدًا "الإبادة"، فهو التوصيف الذي تسمعه من أفراد عائلتها.

كان الرد على كارلوتا سهلًا، فمدرستها تابعة لحكومة محافظة مدريد وللسلطة اليمينية المتطرفة التي تحكمها إيزابيل دياز أيوسو، أحد رموز اليمين الأوروبي المتطرف المتحالف مع ترامب ونتنياهو؛ المرأة التي تكفلت خلال الأعوام الأخيرة بحظر الحديث في المدارس عن السياسة والحقوق العامة والحريات، بحجة أنها مداخل يحاول من خلالها اليسار جذب الأطفال والمراهقين وتخريب عقولهم.

حكينا لكارلوتا عن مدرسين وإدارات مدارس عُوقبوا لأنهم تورطوا في محاولة توعية تلاميذهم بما يحدث في العالم الذي يعيشون به.

تصورت كارلوتا أن إلقاء المعلومة المجردة ممكن من دون التورط سياسيًا مع أي طرف. فشرحنا لها أن اللغة مورطة بالضرورة. فهل مثلًا سيبدأ المدرس أو المدرسة حديثهما بعبارة "بدأ العدوان الأمريكي/الإسرائيلي على إيران يوم..."؟ أم "بدأ النزاع الحالي في منطقة الخليج يوم..."؟ أم أن المدخل الافتتاحي سيكون "بدأت الديمقراطية الغربية عملية القضاء على النظام الإرهابي الإيراني يوم..."؟ كل هذه العبارات وغيرها تحمل توجهًا سياسيًا، فمن الأسلم ألا يتورط المدرسون، بالذات مع تردي الأوضاع الاقتصادية، في موقف سياسي ربما يعرضهم للمساءلة والعقاب.

من السهل أن نضع أمام كارلوتا تحديدًا أمثلة ملموسة عن الاستبداد الجديد. على سبيل المثال ما حدث قبل هذا الاجتماع العائلي بأيام قليلة، بالقرب من بيتها، حين صعدت مسؤولة الإدارة الثقافية في إحدى البلديات التابعة لمحافظة مدريد لخشبة المسرح لتوقف عرضًا مسرحيًا لم يعجبها مضمونه. انتقلت بكل وقاحة من مقاعد المتفرجين، لتفوز ببطولة الوقوف على خشبة المسرح، لتخبر غيرها من المتفرجين بنهاية العرض، لأن مضمونه لا يعجبها.

لا للحياء

إنها حالة عامة أكثر اتساعًا من مدريد، ومن تباهي رئيستها بجهلها. حالة ملموسة بدرجة أكبر من المشاهد التليفزيونية الهزلية لترامب، الآتية من الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي، محاطًا بمجموعة الجهلة والتافهين من مساعديه الأقرب. تتكرر في مئات المدن والقرى الأوروبية والأمريكية المحكومة باليمين المتطرف، ذي السمات الفاشية والدينية.

خليط من الاستبداد، وتأييد ممارسة العنف أحيانًا، والتباهي بالجهل، واحتقار الثقافة والمعرفة، وانعدام الحياء في المجاهرة بمعاداة حقوق النساء والمهاجرين والفقراء والمثليين، وكل من هم أضعف داخل هذه المنظومة الرأسمالية شديدة الذكورية والرجعية.

سكرين شوت من فيديو نشره ترامب، 19 أكتوبر 2025

ينسجم منهج تعميم الجهل مع عداء اليمين تاريخيًا للمعرفة، كونها مناهضةً لمصالحه. لا ينحصر في حجب المعلومة داخل المدرسة مثلما تشتكي كارلوتا، أو في منع عمل مسرحي، أو فيما نلاحظه جميعًا من تزييف إعلامي في منابر كان مفترضًا فيها المهنية والموضوعية، بل يمتد لمحاولة إنهاء وجود قيمتي التفكير والسعي للثقافة والفنون. ويجد ضالته الأكثر فجاجةً في اللغة الترامبية، التي بدأت بها هذا المقال.

حين نتأمل لغته سنتأكد أننا أمام عقلية طفل لا يمكن أن يكون قد تجاوز العاشرة من العمر. عقلية لا تستطيع تجاوز هذه الثنائيات شديدة التبسيط والسذاجة: أحب هذا وأكره ذاك، أريد هذا ولا أريد ذاك... إلخ.

حتى في خطاباته السياسية التي يتم إعدادها نسبيًا، وليس في المؤتمرات الصحفية المرتجلة التي يهواها، نجد أن الرئيس الأمريكي يفتقد القدرة على الحديث في أي موضوع بأكثر من ثلاث أو أربع جمل متتالية، وأن يكون لهذه الجمل منطق ذاتي في تسلسلها، وتعبر عن فكرة متماسكة.

في أحد البرامج التليفزيونية الإسبانية، فسرت خبيرة لغوية لا أتذكر اسمها هذه الظاهرة اللغوية الترامبية بما هو أبعد من الغباء والجهل بأنها تكتيك للتواصل الجيد مع الأجيال الجديدة، التي اعتادت هذا النوع من اللغة المقتضبة، السريعة، المجتزأة، السائدة في فيديوهات التيك توك وغيرها من الوسائط الحديثة.

تكتمل هذه الفكرة إن لاحظنا لجوء الإدارة الأمريكية لألعاب الفيديو لتجسيد الحرب الحالية واستخدامها أداة ترويج دعائي للطرف الأمريكي/الإسرائيلي. فتتحول أفعال القتل والتدمير إلى ممارسات من أجل التسلية. أفعال لا تستحق النفور، فيما يجري تجريد الطرف الآخر من إنسانيته، فهو مجرد رسم لشخص قبيح. وهو المدخل الإضافي لامتلاك مشاعر المراهقين والشباب الصالحين وتنشئتهم ليكونوا فاشيي المستقبل.

جانب آخر من خليط المقاولاتية؛ الاطمئنان لامتلاك القوة المفرطة وغياب أي احتمالية للحساب أو العقاب

أسلوب تمجيد الجهل، والعبارات الفاقعة عديمة المعنى، التي تخاطب مشاعر بسيطة وغير مركبة، مثل الحب والكره والملل، تنسجم مع كل ما هو "فاقع"، ومتلألئ مثل الذهب، مما يعشقه المضاربون العقاريون وأصحاب المقاولات الكبرى، الآتي من بين صفوفهم الرئيس الأمريكي. الذي عمد في بداية ولايته الثانية إلى اتخاذ قرار بتحويل البيت الأبيض لمكان تسوده قلة الذوق، يطغى فيه اللون المُذهب على الديكورات الضخمة في كل الأركان والزوايا، في استعراضية تقليدية، وتباهٍ بالغنى.

من دون نسيان تلاقي المصالح النفطية والجيوسياسية، فإن الأذواق والأنشطة المالية جوانب مفسرة لأن يكون أقرب حلفاء وأصدقاء ترامب هم أمراء وشيوخ الخليج. لا يلتقون فقط في الذوق، واللغة، بل أيضًا في المقاولاتية، والهوس بالمضاربة في العقارات تحديدًا. فتصبح صداقة حكام الخليج لتاجر العقارات الذي يحكم الولايات المتحدة سلسة وحميمية، ترمز إليها صدفة الهدية الرمزية التي منحتها له قطر أثناء زيارته الأولى للمنطقة، طائرة خاصة، مجهزة داخليًا بما يتناسب مع اللون المُذهب وقلة الذوق.

جرافيتي لدونالد ترامب

في بداية الحرب، فَجَّرَت غواصة أمريكية سفينة حربية إيرانية في المحيط الهندي بطوربيد. أغرقتها وقتلت 84 من طاقمها، بدلًا من أسرها. وجه بعدها بأيام أحد الصحفيين سؤالًا لترامب: لماذا لم تأسروها بدلًا من تفجيرها وإغراقها؟ فابتسم الرئيس الأمريكي ابتسامة الطفل الراغب في اللعب والتسلية طيلة الوقت أيًا كانت العواقب، وأجاب بأن إغراقها مسلٍ أكثر من أسرها.

إنه جانب آخر من خليط المقاولاتية، مع التباهي بالمال والطقم المُدهب، والجهل، والحب والكره في تلك الصيغ اللغوية الترامبية؛ الاطمئنان لامتلاك القوة المفرطة، وغياب أي احتمالية للحساب أو العقاب. والاستهتار والاستباحة هنا يقودان لسمة إضافية تميزه وحلفاءه وأصدقاءه، وهي أن الترامبية، الأكثر اتساعًا من الولايات المتحدة، لا يمكن أن ترى لكل البشر القيمة نفسها. فلكل شخص قيمة وسعر مختلف، بناءً على العرق والدين والطبقة الاجتماعية. وبناءً أيضًا على درجة الاقتراب من النموذج اللغوي والذهبي والعقاري الذي تعتمد عليه.

فيصبح من الطبيعي أن يكون لحياة الفلسطينيين في غزة أقل الأسعار، في آخر السلم. فهم عرب، أغلبهم مسلمون، وفقراء. وأراضيهم تصلح، بالصدفة، لبعض الاستثمارات العقارية السياحية، من تلك التي تثير شهية تاجر العقارات الفاسد. دون نسيان كنز حقول الغاز الممتدة بطول الساحل، من فلسطين لسوريا مرورًا بلبنان، ولم يُستغل بعد.

نعم للنوم

استخدم السود في أمريكا الشمالية، في ثلاثينيات القرن الماضي، تعبيرًا جديدًا في الحراك الاجتماعي المناهض للعنصرية والتمييز العرقي. وهو تعبير الـ"ووك/stay woke"، أو ابق منتبهًا/متيقظًا. اتسع استخدام التعبير خلال السنوات الأخيرة، ليجمع حركات وتيارات مختلفة، ويقترن بثقافات المقاومة والرفض والسعي للتحرر، ضامًا للحركات النسوية، وحركات مناهضة التمييز الجنسي والدفاع عن حقوق المثليين.

جاء ترامب ليقلب فحوى الكلمة، ويحولها لسبة. فيتلقف حلفاءه وأصدقاءه في أنحاء العالم الكرة منه، فيصبح الانتماء لثقافة "الووك" اتهامًا أو سبة إن وجهت لشخص. معناها أن هذا الشخص موضةٌ قديمةٌ، إنه مناهض لقيمة المال، وامتلاك العقارات، والفشخرة المذهبة. مناهض للرأسمالية والطبقية والتمييز والعنف والعنصرية والذكورية.

لا يوجد أخطر من أن يكون الشخص موضة قديمة، بالذات بين صفوف المراهقين والشباب. وهو ما يفسر وجود هذا القطاع من الفصل الدراسي لكارلوتا، الذي يسخر من فلسطين والنسويات والفقراء، ويسخر من الاهتمام بالشأن العام، ويمجد الجمل المجتزأة فاقدة المعنى. يمجد الجهل، ويعادي الانتباه والاستيقاظ والبحث عن المعرفة والتفكير.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.