جحيم الحرب على إيران| ثلاثة أطراف وثلاث معضلات
في الجزء الأول من هذا المقال، توقفنا عند الهدف الحقيقي للحرب المتمثل في القضاء على نموذج الجمهورية الإسلامية في إيران، وأنه هدف يشترك فيه معارِضو الحرب في الغرب مع مؤيديها، ومعهم الدول العربية التي طالها الرد الإيراني على الهجمات الأمريكية وإن لم تنخرط فيها مباشرةً، ما أسقط أقنعة التعايش بين الخليج وإيران.
تطرقنا أيضًا إلى خصوصية وساطة باكستان وتركيا ومصر لوقف الحرب، بما تملكه من مقومات الوساطة الناجحة، وبالأخص الدافع وثقة أطراف النزاع، وإن افتقدوا قدرة الضغطِ على الولايات المتحدة.
والآن، ننتقل إلى تفسير مواقف الرئيس ترامب، ثم تحليل معطيات النزاع، واستعراض المعضلات التي تواجه أطرافه، وصولًا للسبيل المنطقي لإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
عقلية سمسار العقارات
يمكن تفسير مواقف الولايات المتحدة إذا استوعبنا أن ترامب يعمل بعقلية سمسار العقارات وتاجر السيارات المستعملة؛ يحاول الإيحاء للطرف الآخر بأنه حريصٌ على مصلحته ثم يغْرقُهُ بمعلوماتٍ غير صحيحة، ويخْلقُ إحساسًا بالاستعجال وقرب ضياع الفرصة. وقد يستعين في ذلك بأطراف تتمتع بثقته، ثم يهدده بأن الصفقة ستفوته، أو بأشياء أخرى، ويستهزئ بعدم قدرته على البت بسرعة، لدفعه لاتخاذ القرار تحت الضغط، فيحقق مصلحته، ثم يختفي ويبحث عن ضحية أخرى.
هذا ما حدث في خطة غزة التي قَبِلَها وسطاءُ المنطقة وأدُّوا الدور المطلوب في الضغط على حماس لقبول شروط وقف الإبادة، ثم حاول ترامب تكراره في أوكرانيا بالأدوات نفسها: صهرِه كوشنر، وصديقِه ويتكوف، ذَوَي الخلفية العقارية مثله. لكنَّ الأوروبيين صمدوا وما زالوا يساندون أوكرانيا حتى الآن. وها هو يحاول الآن تكرار منهجه مع إيران بصفقته ذات الـ15 بندًا التي أشار يوم 22 مارس/آذار إلى أنه تم الاتفاق عليها مع إيران.
وعندما نفت طهران موافقتها على خطة ترامب، قال إنه ينتظر ردها، وهو ما لم يتأخر، حيث أعلنت رفضها كونها تكرارًا لما سبق ولم تقبله قبل الحرب، ولم تنجح الحرب في فرضه. ثم قَدَّمَتْ طهران شروطَها المقابِلة التي تتضمَّنُ المطالبةَ بتعويضاتٍ عن العدوان وضماناتٍ بعدم تكراره، والإقرار بسيطرتها على مضيق هرمز.
هنا لجأ ترامب للتهديد والوعيد، ووضع الحدود الزمنية، ثم التراجع والتمديد. حدث هذا غير مرةٍ منذ بدء الحرب، تمامًا مثل السمسار الذي يصر على تسويق بضاعة فاسدة، ولا تعنيه مصداقيته لأنها مفقودة من الأساس.
تفرض عقلية السمسار خطواتٍ للتعامل الصحيح والتفاوض معه؛ على رأسها إبداء الاستعداد لتركه والبحث عن آخر، أو إظهار عدم الاهتمام بالصفقة من الأساس، ثم الخروج من سيل المعلومات المُشَوَّشَة التي يُقَدِّمُها وتقييم الوضع بدقة، والتواصل مع أطراف أخرى تستطيع كبح جماحه.
حاول ترامب استخدام الوساطة الثلاثية أداةً إضافيةً لإقناع إيران بشروطه؛ فاتصل بقائد الجيش الباكستاني، الذي ساهم في إقناع طهران بالسماح بعبور عدد من السفن لصالح الولايات المتحدة على أن تحمل علم بلاده. وبعد تمادي الرئيس الأمريكي في تهديداته وإهاناته، انصرفت عنه إيران رغم حاجتها لوقف القتال، مما دفعه لقبول الهدنة التي تحقق مصلحة الطرفين، ثم تمديدها بدواعٍ مختلفة بصرف النظر عن دقة السرديات.
يعيش ترامب في فقاعة من صنعه يردِّدُ فيها معاونوه سردياتِه بصرف النظر عن صلتِها بالواقع
يمكن أن نربط كذلك حرص ترامب على إطلاق قراراته في تغريدات على السوشيال ميديا بخبرته في المشاركة ببرامج "تليفزيون الواقع" لأكثر من 10 سنوات، من 2004 إلى 2015، وتوظيفها في حياته السياسية. يعيش في فقاعة من صنعه، يردِّدُ فيها معاونوه سردياتِه بصرف النظر عن صلتِها بالواقع ظنًا منه ومنهم أن الآخرين ينخدعون. لكن الحقيقة أن المقولة المنسوبة لأبراهام لنكولن بأنه "يمكن خداع كل الناس بعض الوقت، أو بعض الناس كل الوقت، لكن لا يمكن خداع كل الناس كل الوقت" تنطبق على الإدراة الأمريكية الحالية، ومن المتوقع أن تنعكس آثارُها على الانتخابات التشريعية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
الأمر الواقع
يدفعُنا ذلك لمراجعة عدد من الأحداث المتسارعة لتقييم احتمالات تطور الأوضاع، نحددها في النقاط التالية:
- حشد الولايات المتحدة لأكثر من 20 ألف جندي في المنطقة بالتدريج، بتوجيه فوجٍ من القوات الخاصة البحرية من القاعدة العسكرية الأمريكية في اليابان وآخر مشابه من الولايات المتحدة، للإعداد لإنزال بحري. وإرسال مجموعة من قوات التدخل السريع المحمولة جوًا إلى المنطقة. ونشر حاملة طائرات ثالثة بدلًا من أخرى أُعْطِبَت واتجهت إلى كرواتيا للإصلاح، ثم إعادة حاملة الطائرات التي تم إصلاحُها إلى المنطقة؛ مما يصل بمجموع القوات الأمريكية في المنطقة إلى حوالى 60 ألفًا، إذا احتسبنا الأعداد التي كانت موجودة بالفعل.
- نجاح عملية إنقاذ فَرْدَيِّ طاقم طائرة أمريكية أُسْقطت في عمق الأراضي الإيرانية في تضاريس وعرة دون خسائر في القوات الأمريكية، مما قد يشجع الرئيس الأمريكي على خوض مخاطرة التوغل البري.
- التمهيد لإعلان دول الخليج ودول أخرى انضمامها إلى تحالف دولي لفتح مضيق هرمز. وإعلان الإمارات والبحرين انضمامهما بالفعل حتى الآن.
- عقد اجتماعات تنسيقية بقيادة فرنسية وبريطانية مع مسؤولين سياسيين وعسكريين من 35 إلى 40 دولة لوضع خطط لفتح مضيق هرمز، ومراقبة الملاحة البحرية في المنطقة المحيطة به، بعد انتهاء القتال.
- إصدار قرار مجلس الأمن رقم 2817 الذي قدمته البحرين لإدانة إيران ودعوتها لوقف استهداف دول الخليج، دون إشارة للطرف البادئ بالحرب.
- استخدام روسيا والصين حق الفيتو ضد مشروع قرار مُكَمِّلٍ للقرار 2817 قَدَّمَتْهُ البحرين لمجلس الأمن لتشكيل تحالف من الدول الراغبة لاستخدام جميع الوسائل -أي القوة- لفتح مضيق هرمز، واتخاذ أي إجراءات أخرى لوقف الاعتداءات الإيرانية، بأسلوب يشبه القرار 678 الذي شكل التحالف الدولي لتحرير الكويت عام 1990، والقرار 1386 الذي شكل التحالف الدولي لاحتلال أفغانستان عام 2001، بل وكذلك القرار 2803 الذي صدر العام الماضي وسمح بتشكيل مجلس السلام وإنشاء قوة الاستقرار الدولية لغزة (لم تُشكّل حتى الآن). كان من شأن صدور مثل هذا القرار توفير غطاء شرعي دوليّ للدول العربية للانضمام لتحالف دولي تحت قيادة غربية، وبمشاركة أمريكية إسرائيلية، لمحاولة الإجهاز على إيران. سبق وحاولت الولايات المتحدة الضغط لاعتماد هذا القرار قبل نهاية شهر مارس/آذار أثناء رئاستها لمجلس الأمن، استنادًا إلى أن روسيا أو الصين لن تجرُؤا على معارضته. وعندما لم تتمكن حاولت استخدام رئاسة البحرين للمجلس الشهر الجاري لتمريره قبل أن تتولى الصين الرئاسة الشهر المقبل. لكن تصريحات ترامب المتهورة بمحو حضارة إيران دفعت موسكو وبكين لاستخدام الفيتو حتى لا تشارك في إضفاء الشرعية على جريمة حرب. لكن رغم عدم تمكن الولايات المتحدة من تمرير القرار داخل مجلس الأمن، فإنها تستطيع تكرار سابقة احتلال العراق عام 2003 دون قرار من المجلس إذا عزمت على المضي في تغيير النظام بالقوة.
- فرض الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على إيران، وتصريح الرئيس ترامب بأنه يطبق معها نفس ما طبقه مع فنزويلا وكوبا بصورة أكثر صرامة.
- تحفُّظ الدول الأوروبية على المشاركة مع الولايات المتحدة في إغلاق مضيق هرمز، وحصار إيران.
- عدم تحقق أيٍّ من أهداف الحرب رغم التفوق العسكري الأمريكي الكاسح. إذ لم يتغير النظام في إيران، ولا حدث تنازل عن البرنامج النووي الإيراني، ولا توقفت الصواريخ والمسيرات عن مهاجمة الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، والخليجية؛ ولا انقطعت الصلة بحزب الله والحوثيين والمجموعات الشيعية المسلحة في العراق. بل تفاقم الوضع في غير صالح الولايات المتحدة وحلفائها بإغلاق مضيق هرمز بمواجهة سفن الدول المعادية، ثم إغلاقه تمامًا بما في ذلك في وجه السفن التي تنسق مع إيران، بناءً علي تعليمات ترامب. كما نجحت إيران في تضمين لبنان في قرار وقف إطلاق النار.
ثلاث معضلات ثلاثية الأبعاد
نخلُص إلى أن أطرافًا ثلاثةً للحرب كلها تواجه معضلات متعددة الأبعاد تُضاعِفُ من آثارها وتُعَقِّدُ من إمكانية وقْفِها. يقف المعسكرُ الغربيُّ أمام معضلة الصدمةِ البترولية المترتبة على الحرب، التي فاقت آثارها الصدمة البترولية الأولى عام 1973، والثانية عام 1991، بسبب امتدادِها لضفتي الخليج، وجمعها بين عنصري الإنتاج والنقل، وطابعِها غير القابل للتوقع.
هذه المعضلة تستوجب من وجهة نظر الغرب تغيير النظام الإيراني للسيطرة على مثل هذه التطورات ومنع تكرارها. هنا يظهر البعدُ الثاني الذي يتمثل في غياب البديل الذي يستطيع تحقيق الاستقرار في البلد الفارسي، مما يعني أن مجرد إسقاط النظام يتضمنُ المخاطرةَ بالتسبب في فوضي هدامة تنتشر إلى الدول المحيطة بها، وتتسبب في صدمات أشَد خطورةً وأبعد أثرًا.
البعدُ الثالثُ لمعضلة المعسكر الغربي يواجه من يعارضون الحرب لأنها أصبحت تَعَضُّ جيوبهم وأرْغِفَتَهُم، رغم اتفاقهم مع هدفِها الأساسي في تغيير النظام في إيران.
على الجانب الآخر، الخيار الوحيد المتاح لإيران هو الصمود من أجل البقاء، ويتمثَّلُ البعدُ الأولُّ للمعضلةِ التي تواجِهُهَا في مدى القدرة على مواصلة الصمود وتجديد الإمكانات تحت القصف والحصار، والبعدُ الثاني هو سيف المعارضة الداخلية المُصْلَتِ على النظام لأسباب سياسية لا تَصَالُحَ فيها، أو اقتصادية لا فِكاكَ منها. ويتعلقُ البعدُ الثالث بأن تطورات الحرب وردود أفعال إيران جعلتها محاطةً بدولٍ تُعاديها أو تتحالفُ مع من يُعاديها، مما يهدِّدُ بمساندة تلك الدول لفكرة التوغل البَرِّيّ رغم منعة الحدود الطبيعية لإيران.
تواجه دول الخليج معضلةَ انكشاف حقيقة أن القواعد الأمريكية أصبحت تجتذِبُ التهديدَ العسكريَّ بدلًا من درئه
بين الاثنين، تواجه دول الخليج معضلةَ انكشاف حقيقة أن القواعد الأمريكية أصبحت تجتذِبُ التهديدَ العسكريَّ بدلًا من درئه. بينما لا تستطيعُ تلك الدول سوى الاعتماد على شراء الحماية الأمريكية، وتضغط الولايات المتحدة عليها للتحالف مع إسرائيل، في الوقت الذي تدعو فيه الأخيرة لإنشاء خط أنابيب لتصدير بترول الخليج عن طريق موانيها لتتحكم هي في مصدر ثرواتهم. وهو ما يُذَكِّرُ بقول هنري كيسنجر بأن "معاداةَ الولايات المتحدة أمرٌ خطير، أما مصادقتها فأمرٌ مُهْلِك".
يتمثل البعد الثاني لهذه المعضلة في انكشاف عدم وجود حدود للغضب الإيراني عند تَعَرُّضِ الجمهورية الإسلامية لتهديدٍ وجودي. يقودُنا ذلك إلى البعد الثالث، وهو انكشاف عدم استدامة نموذج واحة الخليج التي توفر الأمن والرفاه لأصحاب المهارات من العالم كله طالما لم تستقر الأمور في محيطها الجغرافي.
وصولًا للحل المستدام
في ضوء ما تقدم، لا سبيل لوقف الحرب سوى إيلام إسرائيل لدرجة تدفعُها للتَخَلِّي عن المضي قُدُمًا حتى إسقاط النظام الإيراني هذه المرة، أو تَعَرُّض الولايات المتحدة لضغوط داخلية أو خارجية لا تستطيعُ تَحَمُّلَها، أو اختفاء الرئيس ترامب من الساحة السياسية لأي سبب.
لكن إذا تَمَعَنَّا في الأمر نجدُ أن وقفَ الحرب بهذا الشكل، مع المعضلات المشار إليها، لن يؤدي إلا لوقفها مرحليًّا، مع التحضير لإعادة الكَرَّة لتحقيق هدف القضاء على النظام الإيراني في المستقبل، بينما تستعيد إيران إمكاناتها العسكرية، بما في ذلك تطوير أسلحة غير تقليدية للردع.
يدفعُنا هذا إلى التفكير في أن الحل المستدام يرتبط بضرورة حل مسألتي إسرائيل وإيران معًا، بما في ذلك علاقة الأخيرة بالدول العربية، لا سيما دول الخليج، وعلاقة تلك الدول بإيران. إن معالجة الوضع الإيراني بتغيير النظام لا يحل مشكلة الاستقرار في المنطقة؛ لأن مشكلة إسرائيل تظل باقيةً، تتفاقَمُ، بأطماعِها غير المحدودة في لبنان، وسوريا، ومصر، والأردن، والسعودية، وفلسطين، والمنطقة بأكملِها.
على الجانب الآخر، فإن معالجة وضع إسرائيل قد يحل عددًا أكبر من المشاكل، بما فيها لبنان، وسوريا، وفلسطين؛ وحتى إيران. لكنه لا يحل قضية علاقة إيران بدول الخليج التي تَعدّها تهديدًا وجوديًا، بينما لا تنسى الجمهورية الإسلامية تحالفات الخليج مع الولايات المتحدة للقضاء عليها.
بالتالي، فإن معالجة الآثار المترتبة على الحرب يجب أن تَطْمَحَ لحلِّ المُعْضِلاتِ التي تواجِهُ المنطقةَ كلِّها، بما في ذلك وقف العدوان الإسرائيلي على غزة والضفة الغربية، والتوصل لتسويةٍ متوازنةٍ للقضية الفلسطينية، من خلال دولتين أو دولةٍ واحدةٍ بحقوقٍ متساويةٍ، وانسحاب إسرائيل من لبنان وسوريا؛ إذا أرادت أن تصبح دولة طبيعية تنتفي الحاجة لمقاومتها.
كما يجب التوصل لترتيبات والتزامات متبادلة بين إيران والدول العربية بعدم الاعتداء، أو التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون لتأمين مصادر إنتاج البترول والمنشآت الحيوية، وممرات النقل البرية والبحرية لمصلحة الجميع. يشمل ذلك معالجة وضع القواعد الأجنبية في دول المنطقة، التي يُعْتَبَرُ وجودُها من عدمِه حقًا سياديًّا تقرِّرُهُ الدولُ المعنيةُ وفقًا لمصالحها، بشرط ضمان عدم استخدام تلك القواعد للاعتداء أو التجسس أو التدخل في دول أخرى.
ويجب أخيرًا الاتفاق على إخلاء المنطقة من الأسلحة النووية، والتوصل لإجراءات تلتزم بها جميع دول المنطقة لضبط التسلح بما في ذلك القدرات الصاروخية.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
