تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
دونالد ترامب وجيفري إبستين.

الفرجة أو الفعل في زمن البربرية

منشور الأربعاء 4 آذار/مارس 2026

اسمه نورل أمين شاه علام، لاجئ من ميانمار في مدينة بوفالو شمال الولايات المتحدة الأمريكية، يبلغ من العمر 56 عامًا، كفيف لا يعرف الإنجليزية، وثّقت قصته عددٌ من كاميرات المراقبة الثابتة، صدفةً.

دخل الرجل الكفيف قبل عامٍ، دون أن يدري، مسترشدًا بعصا المكفوفين، حديقة تابعة لبيت في هذه المدينة. انطلق أهل البيت بالصراخ عند رؤيتهم الرجل ذا الوجه الغريب. لم يفهم شاه علام صراخهم، ظنه مقدمةً لاعتداء مجهولين يريدون إلحاق الضرر به. فبدأ التلويح بعصاه في الهواء مفزوعًا، صارخًا بلغته التي لا يفهمونها بدورهم. حضر رجال الأمن، قبضوا عليه، وظل في الحبس ما يقرب من عام كامل.

صدر قبل أسبوعين قرار الإفراج عن شاه علام دون إبلاغ محاميه أو عائلته. عرض عليه رجال حرس الحدود والهجرة، المنتشرون في أنحاء الولايات المتحدة لاصطياد المهاجرين، توصيله، فقبل. تركوه بجوار كافيتريا على الطريق، ليلًا، في بداية عاصفة جليدية. سار في الشوارع تائهًا مدة لا نعرفها، وبعد أيام وجدوا جثته على أحد الأرصفة، مات متجمدًا.

نساء ملوثات بالغبار

افتُتح العدوان الإسرائيلي/الأمريكي على إيران بمجزرة نسائية؛ قصفٌ على مدرسة ابتدائية للفتيات راح ضحيته أكثر من 150 طفلة. ورغم أن وزير الحرب الأمريكي، صاحب الوشوم النازية على جسده، قال صراحة إن الهدف ليس بناء الديمقراطية في إيران، بل انتصار الولايات المتحدة، فالماكينة الدعائية الغامضة ذات الحسابات الوهمية التي تُدار من عصابات يمينية في أوروبا وأمريكا الشمالية، نشطت في الترويج لضرورة إسقاط النظام الإيراني، ليس فقط لأنه نظام أصولي ديني، أو أكبر ممول وداعم للإرهاب في الشرق من وجهة نظر الغرب، بل لأنه نظام غير ديمقراطي، يقمع شعبه، بالذات النساء. فعادت للظهور صور مهسا أميني، ضحية النظام قبل سنوات بسبب حجابها المنفلت قليلًا.

نسيان موت اللاجئ في الصقيع على رصيف الشارع وحيدًا وتجاهل الفتيات اللاتي قتلن في بداية العدوان يعبران عن الانحطاط الأخلاقي

بعض متوسطي الذكاء لا يصدقون هذه الدعاية بصورتها البدائية، فيعدلونها قليلًا. يكتفون بالتذكير بأن غياب النظام الأوتوقراطي الإيراني عن الوجود أفضل من بقائه. ويذكروننا في وقت الحرب الاستعمارية هذه، وكأننا نسينا، بجرائمه ضد شعبه، بالذات نساءه. مندهشون من أن يقف العلمانيون والتقدميون مع إيران في هذه اللحظة. كأن إسرائيل ليست النموذج الأكثر انحطاطًا للأنظمة الأوتوقراطية والدينية والعنصرية في عالمنا المعاصر. كأن نتنياهو وترامب أصبحا فجأة رموزًا للعلمانية والديمقراطية والدفاع عن حقوق النساء.

بالتوازي مع ذلك نشطت حملات الطمأنة الطبيعية الموجهة لـ"أهلنا في الخليج"، والمغتربين هناك، عقب ضربات استهدفت القواعد الأمريكية العدائية في تلك المناطق بطائرات مسيرة وصواريخ إيرانية. في المقابل، وهو ما يخالف الطبيعي، جرى تجاهل تام للضحايا الإيرانيين، وللطفلات اللواتي قُتلن في المدرسة. فالفئة الأولى تعد من "أهلنا"، أما الثانية فليست كذلك، بل تختزل إلى خسائر عرضية في سبيل تنظيف الشرق الأوسط، سواء فُهم هذا التنظيف باعتباره موجهًا للأصولية الإسلامية وحسب، أو باعتباره مسعى لتنظيف العالم من أي طرف يجرؤ على تحدي الإرادتين الإسرائيلية والأمريكية.

نورول أمين شاه علام، لاجيء من مينمار في الولايات المتحدة الأمريكية

نسيان موت اللاجئ في الصقيع على رصيف الشارع وحيدًا، وتجاهل الفتيات اللاتي قتلن في بداية العدوان، يعبران عن أحد جوانب الانحطاط الأخلاقي المفروض على قطاعات من جمهور المتفرجين في زمننا. دون إغفال جانب آخر لا علاقة له بالأخلاق، بل الجهل، والكسل في البحث عن المعرفة والمعلومة، والاكتفاء بترديد شائعات ومعلومات ليست لها مصادر، ظهرت لنا "صدفةً" في مانشيت من موقع مجهول على "التايم لاين".

اجتماع الجهل والانحطاط الأخلاقي يُنتج أكثر الخطاباتِ سطحيةً، فاللاجئ الأعمى الذي لا يعرف الإنجليزية في الولايات المتحدة هو تهديدٌ لاستقرار البلاد واقتصادها. وإيران عدو للسنة وقوة استعمارية علينا الاصطفاف ضدها. أما إسرائيل فلم تعادنا يومًا، وإن فعلت في السابق، فقد تغيرت، وما تفعله اليوم ما هو إلا الدفاع عن نفسها ووجودها.

لكن هناك مستوى آخر قديمًا من هذه المعادلة، يختلط بالأخلاقيات والجهل، يتأصل ويتوسع بمرور العقود وتغير الزمن، ويجب الانتباه إليه؛ إنه الجانب الطبقي، والرغبة في الانحياز للأقوى والأجمل والأكثر أناقة، والتماهي معه. فاللاجئ الميانماري فقير وشكله ليس جذابًا، وهو في النهاية واحد من عشرات الآلاف من ضحايا حملات ملاحقة المهاجرين واللاجئين في الولايات المتحدة. التي إن أردنا أن نتضامن مع أحدهم سطحيًا، سنجد نماذج أكثر جاذبية وأناقة وجمالًا، وأقل فقرًا.

لن نرى فتيات المدرسة، سنرى أشباح طفلات فزعات وفقيرات خلف وبين الغبار. فنختار أن نلتفت إلى شاشة التليفزيون حيث توجد لاجئات إيرانيات وأفغانيات أنيقات يعشن في أوروبا، يعملن في مجالات السينما أو الصحافة أو الموضة. والمقاتل من حماس أو حزب الله بذقنه وهيئته تلك أقل جاذبية بكثير من جندية إسرائيلية نتجت عن اختلاط عرقي بين أبيها الأرجنتيني وأمها البولندية.

بدلًا من الحديث عن المقتولين المجّانيين في الغارات على إيران أو جنوب لبنان أو الضاحية الجنوبية من بيروت، سنتحدث عن صديقنا، هذا الشاب المصري الأنيق الذي يعمل في شركة عالمية في دبي، أو صديقتنا البيزنس وومان، اللبنانية التي تتحدث الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، وتنظر بقرف لحزب الله، وسنقرن صورنا الشخصية بهما.

إبستين.. السياسي الأنيق اللامع

جيفري أبستين وصديقته جيلين ماكسويل وترامب وزوجته ميلانيا

حازت وثائق وفضائح إبستين المنشورة خلال الأسابيع الماضية على اهتمام عالمي شديد الاتساع. قطاع محدود من هذا الاهتمام نبع من الرغبة في اكتشاف أبعاد ومدى هذه الشبكة الكابوسية من الفاسدين والمجرمين على مستوى العالم، من حكامٍ ونخبٍ مالية، أي الأغنياء وأصحاب السلطة في عالمنا. لكن الجانب الأغلب من الاهتمام نبع من جاذبية الفضيحة، من الرغبة في معرفة الجانب المظلم المتعلق بالجنس والاغتصاب والعنف والحفلات التي لا وجود لأي قواعد أخلاقية أو قانونية تحكمها، والاطلاع على نوعية غرائز هؤلاء الأغنياء.

تعبر ظاهرة إبستين في جوهرها عن هذا النظام الرأسمالي العالمي في حقبة انحطاطه القصوى، ودفعه البشرية للبربرية، حتى في نوعية الرغبات الجنسية التي تربط كل هؤلاء المتورطين بشبكة رجل واحد، لا بد أن له منافسين لا نعرفهم، لكل منهم شبكته العالمية. إنه نوع من الحياة لا نستطيع أن نتخيل معادلاته من دون اللجوء لحكايات أسطورية قديمة عن حفلات الحكام ما قبل التاريخ والقوانين، أو لقصص متخيلة من سدوم وعامورة.

وهي أيضًا تعبيرٌ عن طبيعة النظام الرأسمالي العالمي الحاكم، سياسيًا واقتصاديًا، في لحظة انحطاطه القصوى، وتدميره لكل القواعد والأعراف والقوانين التي صاغتها البشرية عبر القرون الأخيرة، لا سيما تلك التي ترسّخت بعد الحرب العالمية الثانية.

إنها السياسة تعبيرًا عن جوهر "الإبستينية" في تحويل العالم لمجرد مسرح خاص لتحقيق رغباتهم ونزواتهم وفانتازياتهم خارج غرف النوم

نموذج إبستين، كشخص وكشبكة، تعبير عن شعور بالتفوق البالغ، والاستعلاء، بالتالي الاستحقاقية، وامتلاك السلطة والقوة بلا حدود، لدرجة الاطمئنان للقدرة على عمل أي شيء من دون أي رادع أو خوف من الحساب. وجرائمه هو والمتورطون معه ترجمة دقيقة لنوع محدد من الوعي؛ أن البشر ككتلة، وكأفراد، مجرد أشياء وجدت لتلبي رغبات هذه النخبة، ولتخدمها. وبعد انتهاء المهمة أيًا كانت، جنسًا أو خدمةً من أي نوع آخر، بالإمكان إلقاء البشر في القمامة، أو قتلهم ودفنهم في أراضي جزيرة خاصة.

إنها رغبات نتنياهو وترامب وغيرهم نفسها، وطريقتهم في ممارسة السياسة والإدارة، ونفس الصلة العميقة بالفساد. إنها السياسة كتعبير عن جوهر "الإبستينية"، في تحويل العالم لمجرد مسرح خاص لتحقيق رغباتهم ونزواتهم وفانتازياتهم خارج غرف النوم، وخارج حفلات الجنس الجماعي واغتصاب الأطفال والقاصرات بينما نتفرج عليهم.

تُفنى غزة ويذبح أطفالها ليبنى عليها لاحقًا منتجع ترامبي. أو تُضرب فنزويلا ويُخطف رئيسها من دون أي مبرر سوى الاستيلاء على بترولها بأسعار مميزة. أو تُدمر إيران وتتغير خريطة الشرق وتوازناته لصالح إسرائيل. أو الطموح في جزيرة تابعة للدنمارك والسعي لامتلاكها. أو أن تعود كوبا، عبر عملية طويلة ومحكمة لتجويع شعبها وإنهاكه، لما كانته قبل انتصار ثورة 1959، مجرد كازينو كبير وبيت دعارة هائل، يستمتع فيه أغنياء أوروبا وأمريكا الشمالية بانتهاك النساء والرجال والأطفال، فيما يغسلون أموالهم.

الوعي الأخلاقي والطبقي كأفق مقاومة

زمن البربرية هو زمن الفرجة بصمت. أن تتحول قطاعات الجماهير القادرة على التأثير لمجرد كتل صامتة من المتفرجين، لا أكثر. تتعاطى الأخبار لا أن تصنعها. وخلال السنوات الأخيرة مرت البشرية بالتجربة الحاسمة، التي أثبتت أن أبشع الأشياء التي لم يكن من المتوقع قبولها، أو أن تمر من دون عقاب، أصبحت تمر ويتم تجاهلها ونسيانها. إنها إبادة الشعب الفلسطيني غير المسبوقة في التاريخ الحديث، وكيف حدثت وتحدث أمام الجميع، ويستمر العالم في مساره وكأن لا شيء يحدث. ويكون أثرها الأهم انقسام المتفرجين بين مؤيد ومعارض، متضامن وسلبي، غاضب وغير مبال.

لم يتسبب المتفرجون أبدًا في إخافة أو ردع القوى الفاشية والإجرامية، بالذات في هذا الزمن، زمن القوة المفرطة، الزمن الإبستيني. لهذا السبب نفسه لا تبحث إسرائيل والولايات المتحدة عن مبررات لتدمير إيران، أو مسار تفاوضي ودبلوماسي سابق على الضربة، ليمكنهم الدفع بفشله.

لم تعد الفاشية الإسرائيلية/الأمريكية بحاجة لهذه المبررات، مثلما بحثت سابقًا عن مبررات لضرب أفغانستان 2001، باعتبارها مأوى الإرهابيين الدوليين، وقامعة النساء، ومدمرة الآثار. أو ادعاء امتلاك صدام حسين لأسلحة دمار شامل في 2003، التي لم توجد أبدًا، كمبرر لغزو العراق وتدميره، لكن بعد ديكور ضروري؛ لجان تفتيش دولية ووسطاء ودبلوماسيين.

زمن البربرية أيضًا مناسب لإدراك قطاعات المتفرجين للرابط بين كل هذه الأحداث والقضايا وغيرها. إنه الرابط الطبقي، والأخلاقي في الوقت ذاته. أن يتم تأصيل صراعات المصالح، وبيان أصولها؛ الفقراء ومتواضعو الحال في العالم كله، في مواجهة الأغنياء وأصحاب السلطة في العالم كله. وأن يكون ذلك نفسه أساس المقاومة القادمة؛ الوعي بالتمايز الاجتماعي والتناقض في المصالح، ليس بين شرق وغرب، شمال وجنوب، مسلمين وغير مسلمين، عرب وفرس، شيعة وسنة، لكن بين فقراء وأغنياء. وتحت هذه المظلة تتوحد كل القضايا، قضايا مقاومة العنصرية والاستغلال والاستعمار والذكورية، وقضايا حماية البيئة، وقضايا حقوق المهاجرين، وحماية الطفولة.. إلخ.

إنه الوعي والموقف الطبقيان والأخلاقيان في التماهي مع الضعيف والانحياز له، ومن ثم إدراك المصلحة المباشرة. إنه الوعي والموقف الذي يوحد كل المتضررين من هذا النموذج الرأسمالي؛ أهل اللاجئ الميت وحيدًا ومتجمدًا في شمال الولايات المتحدة، ويربطه بحق الفلسطينيين في الحياة والحرية والعودة وتقرير المصير، مع حق اللاتينيين في استغلال ثروات قارتهم وألا تكون الفناء الخلفي التابع للولايات المتحدة، مع حق المواطن الأوروبي في سعر مناسب للبنزين لا تُستخدم لرفعه حجج الأزمات الدولية، مع حق فتيات المدرسة الإيرانية في الحياة والحرية والمساواة، من دون قمع محلي أو إقليمي أو دولي. من دون شرق أو غرب يحكمه نتنياهو وترامب وأمثالهما من البرابرة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.