ليحدثنا الرئيس عن إسرائيل
"إن منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعيَ مدبرةً لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى أيديولوجية متطرفة".
- من خطاب رئيس الجمهورية المصري في عيد تحرير سيناء 2026
وُضعت هذه العبارة، فيما يبدو قصدًا، لتقال في منتصف خطاب رئيس الجمهورية المشار إليه، الذي استمر ما يقارب العشر دقائق ، فبدت كنقطة الذروة الدرامية، التي تأتي بناءً على النموذج الدرامي التقليدي في منتصف الأعمال الفنية السردية. لكنها من هذا النوع المسمى بـ"الذروة المزيفة"، فلا وجود لأي توتر أو تصاعد درامي في الخطاب. تواضَع دور العبارة، لتصبح مجرد نقطة تحول، لننتقل من الكلام عن الماضي والانتصارات والمجد، للحديث عن الحاضر الملموس بعمومية.
بعد هذه العبارة/نقطة التحول، تحدث الرئيس عن مسألتين أساسيتين؛ أولهما دعم مصر الكامل لدول الخليج وأمنها. لا جديد هنا، فقد تكرر التأكيد على هذه المسألة في خطابات سابقة.
لكن لو ربطناه هذه المرة بالأخبار المنشورة بعد الخطاب بأيام، عن وجود مقاتلات مصرية بطواقمها في دولة الإمارات، وصور التقطت هناك للرئيس المصري، بصحبة حاكم الإمارات وعسكريين مصريين. ربما فقط من هذه الزاوية نستطيع أن نرى إعادة التأكيد على دعم الخليج تمهيدًا لما سيعلن بعده.
أما المسألة الثانية، فبدورها لم تكن جديدة؛ سيرة غزة، وضرورة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، والإعمار، إلى آخره. من دون أي ذكر لإسرائيل، أو لعدم التزامها بالاتفاق، واستمرارها في الإبادة وحصار الشعب الفلسطيني.
إنه ما ينسجم تمامًا مع لغة الرئيس في النصف الأول من الخطاب، قبل نقطة التحول، في حديثه عن "حرب غزة"، بهذا التعبير الفضفاض الذي أصبح بعض قادة الغرب أنفسهم يتجنبون استخدامه، واستبدلوه منذ شهور بتعبير "الإبادة". بالإضافة لوضع الرئيس ما يحدث في غزة، أيًا كان اسمه، ضمن سلة ما أسماه بـ"التحديات الجسيمة" التي مر بها الوطن ولا يزال. مثل جائحة كورونا قبل ستة أعوام، والحرب الإيرانية، وتدفق اللاجئين على مصر.
ينفي استخدام تعبير "حرب غزة" في جوهره الحقيقة والوقائع. فهو تعبير يفترض أنها حرب بين قوى ما، اثنتين على الأقل، تدور في غزة، وليست فصلًا في إبادة منظمة تمارسها إسرائيل في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، وتستهدف شعبًا يكاد أن يصبح أعزلًا تمامًا.
في لغة الرئيس، والمضمون العام للخطاب، وفي بعض العبارات العابرة، يظهر انتباهه، مثل شعبه، إلى أن الوطن مهدد، وفي خطر. لكن ما يفرقهما، الشعب والرئيس، أن الشعب يُسمي من يهدد الوطن في الشوارع، والمقاهي، ومواقع العمل والجامعات، فيما يتجنب الرئيس، كالعادة، تحديد من يُهدد الوطن. وكأنه لغز، وكأنه يُحدِّث شعبه بالرموز والإشارات، بدلًا من مشاركته، وبوضوح، في تحديد مصدر التهديد، وشكله، ومداه، ليشارك معه في الدفاع عن هذا الشيء الذي أصبح مع مرور الزمن بدوره مبهمًا؛ الوطن.
حين تنقل الصحافة المصرية "المطيعة" عن خطب الرئيس، أو تنقل أخبار مباحثاته مع رؤساء دول، تلتزم بالتهويم وعدم التحديد. أحد الأمثلة على ذلك، التقرير الرئيسي لجريدة الشروق يوم 10 مايو/أيار الحالي، لتغطية لقاءاته السكندرية مع الرئيس الفرنسي ماكرون. فتشير الصحيفة إلى أن السيسي وماكرون تباحثا، وأنقل هنا حرفيًا بلغة الجريدة، حول "أزمات الشرق الأوسط"، و"التوترات في المنطقة"، و"الأوضاع الإقليمية"، إلى آخره.
إنها لغة متوائمة مع هذا الغموض، أو لنقل "المتاهات اللغوية"، البادية في الخطابات الرئاسية. منسجمة مع التهويمات المتعلقة بالخطر الذي يهدد الوطن، أو حرب غزة، أو تجهيل من يريدون إعادة رسم خريطة المنطقة، وهؤلاء المتطرفين الأيديولوجيين الذين لا نعرف من هم. أو ربما نعرفهم جيدًا، لكن الرئيس، لسبب ما، لا يحب أن يذكر أسماءهم. فتغرق السياسة في بحر الإيهام، الغموض، العموميات، والألغاز، في وقت تتطلب فيه الوضوح.
المفارقة الجديرة بالانتباه هنا، أن لغة الرئيس ليست لغة ترامبية أو نتنياهوية، من هذا النوع الذي بدأ في استخدامه الكثيرون من حكام العالم. فاللغة الترامبية/النتنياهوية لغة محددة ومباشرة، تصل حد الفجاجة والوقاحة. لكننا نرى ظلالًا منها في لغة الإيهام عند الرئيس السابق محمد مرسي الذي لم يكن ينطق باسم إسرائيل، واعتاد الحديث عن الأيادي الخفية وقوى الشر. وتزداد حدة المفارقة حين ننتبه إلى أنها نفس اللغة التي استعارها لاحقًا قيس سعيد في تونس، وإن كنا لا نعرف استعارها ممن، مرسي أم السيسي؟
متاهة اللغة/متاهة السياسة
إنه الشر. هذا الشيء الرديء الذي يسبب الأزمات، ويطمح في تغيير الخرائط، ويتربص بالوطن. وأخمن أنه نفسه صاحب الأفكار المتطرفة. وأتجرأ في التخمين بأنه، والله أعلم، المتسبب في أزمات الشرق الأوسط وحروب المنطقة.
لكن التخمينات لا تكفي. ولكي ينجو هذا المقال من اللغة المبهمة، ومن المتاهات اللغوية التي تقود لمتاهات سياسية، وضبابية في الرؤى، عليَّ أن أحدد: الشر هو إسرائيل. معذرة، فقط إسرائيل؟ أم إسرائيل وحلفاؤها في منطقتنا؟ هل هو حلف إسرائيل والولايات المتحدة؟ إسرائيل والإمارات؟! لن نجد إجابات عن هذه الأسئلة في عالم اللغة السياسية الرسمية.
موقف عدم التورط في الحرب، والرغبة في إيقافها، الذي كان مفهومًا، إن تغير، فليس منطقيًا تغييره لصالح الإمارات
بعد الإعلان عن وجود طائرات مقاتلة مصرية في الإمارات، شعر الكثيرون وعبروا علانية عن ارتباكهم/ارتباكنا، وافتقاد الفهم الواضح لما يحدث. هذه المرة لا تتحمل اللغة وحدها مسؤولية التوهان، وإن ظهر التهويم في بيان الخارجية المصرية تعليقًا على الصور المنشورة، من دون نسيان أن متاهة اللغة تقود حتمًا إلى متاهة المواقف والسياسة.
تصورنا جميعًا أن موقف مصر الرسمية واضح منذ بداية هذه الأزمة، (اسمها "أزمة" بلغة المتاهات، واسمها "الحرب العدوانية على إيران" بلغة الوضوح)، وأنه لا يختلف كثيرًا عن موقف أغلب المصريين، ألا نتورط في هذه الحرب النتنياهوية/الترامبية. دون التماهي بالطبع مع شعور كثير من المصريين بالارتياح لقدرة إيران على الصمود حتى لحظة كتابة هذا المقال.
لكن، ولأن متاهة اللغة هي نتيجة غياب الشفافية، والامتناع عن مشاركة المحكومين بمعلومات تمكنهم من الالتفاف حول سلطتهم الحاكمة، من أجل الانتباه والدفاع عن الوطن المهدد، ولأن اللغة الرسمية لا تخبرنا بمن يتربص بالوطن وأمنه القومي، ولا تنطق اسم إسرائيل، لا نستطيع أن ندعي أن الموقف الرسمي المصري كان واضحًا منذ البداية مثلما تصورنا.
يتضخم غياب الفهم مع التحولات الدراماتيكية، فموقف عدم التورط في الحرب، والرغبة في إيقافها، الذي كان مفهومًا، إن تغير، فليس منطقيًا تغييره لصالح دولة الإمارات صاحبة المواقف المتطرفة على مستويين. أولهما رغبتها في انتصار إسرائيلي/أمريكي حاسم على إيران. وثانيهما الذهاب بعيدًا، أكثر من أي بلد عربي آخر، وفي زمن إبادة الشعب الفلسطيني، في طريق التعاون مع إسرائيل، وصولًا للمجال العسكري. في حين نعلم جميعًا أن إسرائيل هي الطرف الذي يريد تغيير الخرائط، ويهدد بالتالي الأمن القومي المصري عند حدودنا الشرقية، فيما تشارك الإمارات في تهديده جنوبًا وغربًا.
تصورنا، قبل هذه الإعلانات المصورة، أن موقف مصر إن تغير فسيصبح اقترابًا من الموقف السعودي، الراغب في إيقاف الحرب. وهو ما ينسجم بدرجة كبيرة مع الموقف الرسمي المصري، والدور المفترض أن مصر لعبته، بالتعاون مع باكستان، في الوساطة للوصول لاتفاق ينهي هذه الحرب. وخصوصًا أن إيقافها في صالح الأمن القومي المصري، الذي يؤكد الرئيس أنه في خطر.
إن كان الأمن القومي المصري في خطر، فمن البديهي التصدي لمن يهددونه، بعد أن نسميهم، ووضع سياسات لمواجهتهم وردعهم، وليس التحالف الدفاعي مع وكلائهم في الخليج. لكن الحقيقة تقول إن الأمن القومي المصري ليس مهددًا فقط عند حدودنا الشرقية والجنوبية والغربية. بل كذلك في الداخل المصري.
يعلّمنا التاريخ والاقتصاد وعلم السياسة والحياة، أن بيع المرافق الاستراتيجية والأراضي لجهات أجنبية يعرض القرار الوطني المستقل للخطر، ومعه الأمن القومي. وهي الحقيقة التي لا يحتاج إدراكها للغة واضحة ومباشرة، أو لغة مبهمة، أو أي لغة ملتوية. إنها الحقيقة الواضحة بدرجة الوضوح نفسها لحقيقة أخرى؛ أن العاصمتين الحليفتين، تل أبيب وأبوظبي، لن تحميا المصالح القومية المصرية. وإن فقدنا الاستقلالية تجاه إحداهما، نفقدها تلقائيًا تجاه الأخرى.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

