هل ينجح محور القاهرة- الرياض في مواجهة الحلف الصهيو-إماراتي؟
لم يكن تأكيد القاهرة على "تطابق" مواقفها مع الرياض بشأن الأزمات المتصاعدة في السودان واليمن والصومال وقطاع غزة مجرد تعبير دبلوماسي، بل إعلان واضح عن انحياز مصر لتحركات السعودية الأخيرة الهادفة إلى تقليص النفوذ الإماراتي في عدد من الساحات الإقليمية، ومواجهة خطط تفكيك دول المنطقة الذي تسعى أبوظبي إلى تنفيذه بما يخدم مشروع إسرائيل في الإقليم.
البيان الرئاسي الذي أعقب لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بالقاهرة الأسبوع الماضي، لم يصدر، وفق تقديرات مصدر رسمي يمني مطلع تحدث إلينا، إلا بعد حصول مصر على تطمينات سعودية تتعلق بملف اليمن، مفادها أن الفراغ الذي قد ينشأ عن إنهاء دور المجلس الانتقالي الجنوبي لن يُترك ليملأه حزب الإصلاح، الذراع اليمنية لجماعة الإخوان، والذي تخشى مصر من سيطرته على مدخل البحر الأحمر.
اليمن قلق مصري
لا تتعامل القاهرة مع الملف اليمني من زاوية الحسابات السياسية التقليدية فحسب، بل من اعتبارات اقتصادية وأمنية مباشرة؛ فبعد العودة التدريجية لحركة التجارة الدولية إلى قناة السويس، عقب نحو عامين من الاضطرابات الناتجة عن استهداف الحوثيين للسفن، تخشى مصر من أن تؤدي محاولات أبوظبي إشعال التوتر مجددًا في مضيق باب المندب إلى إعادة إثارة قلق خطوط الشحن العالمية، ما يدفعها مجددًا للالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح، بما يعنيه ذلك من خسائر مباشرة لموارد النقد الأجنبي التي تعد شريان حياة للاقتصاد المصري المتعثر.
وكما تخشى مصر من سيطرة إخوان اليمن على مدخل البحر الأحمر، تتحسب أيضًا من ظهور كيان منفصل في جنوب اليمن تابع للإمارات، ما يعني وضع حركة الملاحة في قناة السويس تحت نفوذ قوى تستهدف الأمن القومي المصري بالنظر إلى تطابق أجندة أبوظبي مع رؤية الاحتلال الإسرائيلي، الذي يهدف إلى الهيمنة الكاملة على ضفتي مضيق باب المندب، وهو ما وضح من محاولاته إقامة قواعد عسكرية فيما يسمى صوماليلاند، الذي اعترفت به بشكل أحادي مؤخرًا.
في أعقاب زيارة وزير الخارجية السعودي للقاهرة، تمكنت الرياض عبر حلفائها في اليمن من بسط نفوذها على كامل الجنوب من المهرة إلى عدن، وذلك بالتوازي مع بدء الإعداد لمؤتمر جنوبي شامل، يشارك فيه قادة معظم المكونات الجنوبية، ومنهم أعضاء المجلس الانتقالي الجنوبي الذي أعلن حل كيانه ذاتيًا، بعد أنباء عن هروب رئيسه عيدروس الزبيدي إلى الإمارات.
المؤتمر، الذي يجري التحضير له في الرياض، ويجمع مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، يُرجح المصدر اليمني أن تشارك فيه مصر بوفد رسمي، دعمًا لمسار حل المسألة الجنوبية داخل إطار الدولة اليمنية الموحدة.
تعاون متعدد
كان لافتًا أن يتضمن بيان "تحالف دعم الشرعية" الذي تقوده الرياض عقب أنباء هروب الزبيدي؛ اتهامًا صريحًا للإمارات بالتدخل في أزمات المنطقة، وذلك في الإشارة إلى أن الطائرة التي أقلته إلى أبوظبي تُستخدم بشكل متكرر في مسارات صراعات إقليمية تشمل ليبيا وإثيوبيا والصومال، وكذلك في التنويه إلى أن السفينة التي نقلته وهي ترفع علم "سانت كيتس ونيفيس"، هي ذاتها سفينة "جرينلاند" التي سبق أن نقلت عربات قتالية وأسلحة إلى ميناء المكلا قادمة من ميناء الفجيرة، واستهدفتها المملكة نهاية الشهر الماضي.
وفيما يتعلق بجماعة الحوثي، أشار المصدر نفسه إلى أن تنسيقًا جرى مع قيادتها ومع طهران عبر وساطة عمانية، لضمان عدم تدخلها في المواجهة الدائرة جنوب اليمن، لافتًا إلى أن الجماعة عرضت دعم التحرك السعودي ضد القوات المدعومة إماراتيًا، إلا أن الرياض رفضت ذلك، مفضلة حسم الأزمة الجنوبية مع حلفائها في الحكومة الشرعية، ثم إعادة فتح مسار الحوار الوطني الشامل.
لا ينظر صانع القرار في القاهرة إلى الأزمة اليمنية باعتبارها حدثًا معزولًا عن باقي ملفات الإقليم، فبينما تتطابق الرؤى "المصرية- السعودية" في ملفات مُلغمة، مثل السودان، حيث يدعم الطرفان وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها المدنية والعسكرية، يبرز الدور الإماراتي كعنصر دعم لقوى تسهم في تفتيت دول الجوار الاستراتيجي لمصر، حيث تثير التحركات الإماراتية في الصومال، إلى جانب دعمها للنظام الإثيوبي في ملف سد النهضة، قلقًا عميقًا داخل دوائر صنع القرار المصري.
وفيما بدا أنه تحرك سريع من الرياض لدعم موقف القاهرة في السودان التي تعتبرها المملكة أيضًا امتدادًا لأمنها الاستراتيجي على البحر الأحمر، ترددت أنباء عن تزويد السعودية للجيش السوداني الوطني بصفقة عسكرية تشمل توريد أسلحة وطائرات مقاتلة من باكستان، بما يعني أن المواجهة مع الإمارات لن تقف عند حدود اليمن، بل ستمتد إلى كل موقع تحاول أبوظبي ضرب استقراره بهدف استمرار التوتر في المنطقة، حسبما نقل المصدر الدبلوماسي ذاته عن مسؤول سعودي.
ويبدو، من تتبع التحركات الإماراتية خلال السنوات الأخيرة، أن أبوظبي، وبدعم مباشر من تل أبيب، تسعى إلى تطويق مصر والسعودية في مناطق نفوذهما التقليدية، في مسار يبدأ من ليبيا غربًا، مرورًا بالسودان جنوبًا، وصولًا إلى اليمن والصومال؛ هذا "التطويق" يضع الدولة المصرية في مواجهة مع شريكها الاقتصادي الأول، الذي باتت تحركاته السياسية تمثل عبئًا متزايدًا وتهديدًا صريحًا لملفات الأمن القومي المصري.
الأمن قبل الاستثمار
ورغم المصالح الاقتصادية التي تربط القاهرة بأبوظبي، تميل الرؤية المصرية حاليًا إلى تغليب المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد، حتى وإن ترتب على ذلك خسائر اقتصادية مؤقتة؛ فالحفاظ على وحدة اليمن، ومنع تفكك السودان، وتأمين البحر الأحمر، تعد خطوطًا حمراء لا يمكن مقايضتها بالاستثمارات، خاصة في ظل مخاوف متزايدة من أن يتحول التغلغل الإماراتي في قطاعات حيوية إلى عامل مؤثر على استقلالية القرار المصري مستقبلًا.
"تطابق" موقف القاهرة مع الرياض في ملفات اليمن والسودان والبحر الأحمر ، يمكن اعتباره إدراكًا متأخرًا لحجم التهديد الذي تمثله محاولات إسرائيل لإعادة هندسة الشرق الأوسط، والتي لا تستثني مصر والمملكة وفق الاستراتيجية الصهيونية.
دفعت القاهرة ولا تزال أثمانًا باهظة إثر ترددها خلال العقد الأخير في مواجهة أزمات الإقليم وانكفائها على ذاتها، واليوم تجد نفسها أمام اختبار حقيقي، فإما أن تفعل آليات خطوطها الحمراء اعتمادًا على قدرتها، وبتأسيس تحالفات جديدة مع دول المنطقة المتضررة من مشروعات التفكيك، أو ستجد نفسها مجبرة على القبول والتعايش مع واقع تدار فيه ممراتها البحرية وحدودها الاستراتيجية ودوائر نفوذها التاريخية من قبل عدوها الاستراتيجي، وإن جاء ذلك عبر وكلاء.
لا تعد حماية البحر الأحمر، ووحدة اليمن والسودان والصومال وليبيا، ملفات منفصلة عن بعضها، بل معركة واحدة تفرض على القاهرة والرياض توجيه دعوة إلى تأسيس جبهة عربية إسلامية لخوضها، قبل أن تفلح الصهوينية الجديدة في حصار المنطقة بأحزمة نار لن ينجو منها أحد.