ويكيميديا
الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت يلتقي ملك السعودية عبد العزيز آل سعود على متن السفينة "يو إس إس كوينسي" في البُحيرة المُرَّة الكُبرى بمصر، 14 فبرارير 1945

أسئلة غضب المثقف السعودي من نظيره المصري

منشور الأربعاء 11 آذار/مارس 2026

حدوتة قديمة ومتجددة: في 1990 غزا صدام حسين الكويت. فلم تتأخر دول خليجية بقيادة السعودية في استدعاء القوات الأمريكية لحمايتها. وهي القوات التي ستشكل لاحقًا نواة القواعد العسكرية الدائمة في منطقة الخليج.

في ذلك الزمن البعيد، كان لا يزال في الشرق الأوسط قوى سياسية وثقافية قادرة على الفعل والتأثير، صاغت موقفها سريعًا لفرملة هذا التوجه الأمريكي، فيما عرف بـ"اللاءات الثلاثة": لا لاحتلال العراق للكويت، لا للحرب وتدمير العراق، لا للتدخل الأمريكي في المنطقة. لم يكن موقفًا إنكاريًّا مبنيًّا على الـ"لا"، بل تضمن حلولًا، من بينها تسوية جامعة الدول العربية للنزاع.

على النقيض من هذا التوجه، تشكل سريعًا التحالف الدولي للحرب على العراق، بديكور عربي في الصفوف الأمامية، قدمته سوريا ومصر مقابل مكاسب مالية. طُرد صدام من الكويت، دُمر العراق وفُرض الحصار والحظر عليه، وبقيت القوات الأمريكية، وتكاثرت. إنها لحظة بداية تغيير شكل المنطقة، وانهيار النظام العربي، وأفول دوله الكبرى، وبداية بروز المال قيمةً مطلقةً، والانحياز للأقوى، وتسيد إسرائيل، وغيرها من تحولات أدت خلال ثلاثة عقود ونصف العقد للمشهد الحالي.

للحدوتة فصل لاحق: تجدد الخطر على أنظمة المنطقة، من شعوبها هذه المرة، في 2011 عبر الثورات العربية، فتجاوزت الدبابات السعودية الحدود مع البحرين لقمع ثورته، بمباركة القوى الغربية نفسها التي كانت تُظهر الاحتفاء المؤقت بالثورات التونسية والمصرية والسورية واليمنية. وتكفلت أموال الخليج بتمويل عمليات القضاء التدريجي على بقية الثورات.

سؤال المعايرة

ظهرت نغمة غاضبة في خطابات مثقفين سعوديين خلال الأسبوع الماضي تجاه نظرائهم المصريين. غضب ممزوج بالدهشة وبمعايرتنا بهزيمة 1967، بعد أن عبَّر قطاع مهم من المثقفين المصريين عن موقفهم الرافض للحرب، وتدمير إيران، وانحيازهم لمبدأ مقاومة إسرائيل. فيما تكتفي أغلب الأصوات الخليجية بتمني نهاية حاسمة للحرب، بانهيار النظام الإيراني، أو على الأقل قصقصة ريشه للأبد، ومعه كل منظمات المقاومة والرفض والتمرد في المنطقة.

الحروب والتحالفات الاقتصادية تهدد قناة السويس أحد مصادر الرزق الرئيسية للمصريين

لا تخفي هذه الأصوات الخليجية أحيانًا القلق من ترامب، صاحب الأهواء سريعة التغيّر، إن قرر فجأة وقف الحرب، وتركهم، هذه المخاوف نابعة من سوابق الرئيس الأمريكي، وآخرها اكتفاؤه قبل أسابيع بخطف رئيس فنزويلا، والوصول لتفاهمات بترولية مع نائبته، وتخليه عن المعارضة الممولة من الولايات المتحدة، بعد أن تصورت هذه المعارضة أنه سيحملها للحكم.

إنها مفارقة، أن تكون مواقف البعيدين مكانيًا عن الحرب، في القاهرة على سبيل المثال، حيث لا تسقط الصواريخ، نقيضةً لمواقف المفترض استفادتهم المباشرة من الوقف الفوري للحرب، لاسترداد شعور الأمان.

تفسير هذا التناقض لا علاقة له بعقدة الهزيمة، أو التماهي مع إيران لأنها تملك صواريخ لا نملكها نحن. فهذا التصور الضحل مردود عليه بأن أنظمة الخليج نفسها حين شعرت بالتهديد مع غزو صدام حسين للكويت، استدعت أصحاب الصواريخ المهزومة في 1967، سوريا ومصر، ليشاركا في إنقاذها وحمايتها.

سؤال التاريخ

نجد أصول هذا التناقض في المواقف والانحيازات السياسية والاجتماعية المتجذرة في زمن الإبادة، التي كان بإمكان دول الخليج إيقافها، ولم تفعل. أي أنها تعبير عن استعادة جوهر الصراع العربي الإسرائيلي الحتمي، وضرورة ألا تنتصر إسرائيل في هذه المعركة، خاصة مع التغيرات الكبيرة في خرائط الحلفاء والأعداء، بالتوازي مع عملية التوسع العدواني الإسرائيلي، والحديث عن خرائط جديدة للشرق، تتعرض فيها مصر لمخاطر كبرى. بينما لن تتعرض بلدان الخليج، السعودية وقطر والإمارات والكويت على سبيل المثال، لهذه المخاطر بحكم علاقتها العضوية بالولايات المتحدة وإسرائيل، حتى وإن لم توقع بعد اتفاقيات إبراهيمية.

الفروق في تركيبة الدول وعلى أي أسس بنيت، والفروق الكبرى التي خلقتها هذه الأسس بين شعوب المنطقة وبلدانها، وانعكست على تاريخها السياسي والثقافي والاجتماعي، لا يمكن تجاهلها. على سبيل المثال، علاقة الشعوب بمصادر دخلها المباشرة، فلم تنشأ القومية المصرية ودولتها بصدفة وجود مصدر رزق طبيعي غير متجدد، ومصيره الحتمي الفناء مثل النفط، لكنها نشأت على أسس كثيرة من بينها استقرار العمل حول النيل كضامن للحياة، بالتوازي مع عملية تاريخية للبحث عن مصادر رزق إضافية.

من بين مصادر الرزق المهددة اليوم، بفضل التحالفات الجديدة من الهند للخليج لإسرائيل، قناة السويس، التي حُفرت بعرق ودماء عشرات الآلاف من المصريين، لتتحول لمحور حروب ومخاطر لا تنته. لذلك تختلف علاقة المصريين المتوارثة بمصادر الدخل والحياة؛ النيل، الأرض، القناة، السد العالي، وغيرها، عن علاقة بعض القطاعات النخبوية الخليجية بدولهم وأراضيهم، التي اكتشفت فيها ثروة طبيعية، نفط وغاز، فتنشأ الدول بقرارات فوقية، لا علاقة لها بالتطور الطبيعي للأمة أو الجماعة العرقية، والجهد التاريخي المتراكم لبنائها، مع وجود الحامي الأجنبي.

التباين بين الحالتين يخلق علاقة مغايرة بالأجنبي، الذي يعتبره المصريون مصدر تهديد تاريخي. بينما في حالة الخليج هو المنظم لعملية الاستيلاء على الثروة الطبيعية، واستغلالها، وحمايتها، والمتحكم في مسارات الدول ومصائرها بعد بنائها. وهو ما يفرض سؤالًا عن عمليات التحديث الخليجية، إن كان تحديثًا تنمويًا أم استهلاكيًا، والتأثيرات التي أحدثتها العلاقة المختلة بالغرب على أسس الدول نفسها، وعلاقاتها بالآخرين ومواقفها.

سؤال العقدة

بالطبع لدينا كمصريين عقدة من هزيمة 1967، بل إنها تتجاوز المصريين لتطال السوريين والعراقيين واللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين. عقدة تركت آثارًا مباشرة في تاريخ ومسار كل مثقفي المنطقة، ولا يمكن لأحد إنكار أن هزيمة بهذا الحجم أنتجت شروخًا كبرى لا تُمحى سوى بعد عقود طويلة، بشرط وجود عمليات بناء جادة، لم تحدث. فكيف لا تتشكل عقدة من ضربات الأجنبي المفاجئة، لينهار مشروع تنمية واستقلال كبير، وتتحول كثير من إنجازاته لرماد؟ وهنا يصبح الالتقاء مع إيران كشعب، وليس كنظام، متاحًا.

كان في مصر وإيران مشروعات تنمية حقيقية، ومن قبل مشروعي جمال عبد الناصر ومحمد مصدق، إنه مشروع بناء الرأسماليتين المصرية والإيرانية في بدايات القرن العشرين. وفي الحالتين كان لقوى الرأسمالية العالمية دور حاسم في إجهاض هذه المشاريع. فيكون الشعور المصري بأن مصر مهددة، حقيقي وواقعي، ومن قبل مشهد تدمير إيران، بل منذ مشهد تدمير العراق قبل ثلاثة عقود ونصف العقد.

عقدة الهزيمة مفيدة على الأقل في أحد جوانبها، المتعلق بالانتباه للعدو، ونوعيته، وتغير تحالفاته، وطرقه في هزيمتنا، وهي عقدة أصَّلت في الوعي الجمعي لشعوب المنطقة من خارج الخليج أن إسرائيل والولايات المتحدة عدوتان، لا يرجى منهما خير، حتى ولو حاول السادات ومن بعده مبارك، وبقية أنظمة المنطقة، إقناعنا بغير ذلك. فطبيعي، أمام المشهد الإيراني الآني، أن يستعيد الملايين ذكريات اعتداءات وهزائم سابقة. مثلما ربط الكثيرون في ثوانٍ بين مجزرتي بحر البقر الابتدائية 1970، ومدرسة الفتيات الإيرانيات 2026. وأن نظل منتبهين إلى أن المشروع الصهيوني المفتعل، والمفروض على المنطقة، يهددنا.

معايرة شعوبنا لأنها اصطدمت بالاستعمار في حروب سابقة، ليس له معنى. كأنك تعاير أحدهم لأنه دافع عن مصالحه ورزقه وحياته. إنها ليست سبة، فهل يتم سب الفلسطينيين لتمسكهم بأرضهم وحقوقهم خلال ثمانين عامًا؟ هل هذه خيبة؟ أم قيمة مقاومة تستحق التمجيد؟ هل هم مدانون لأن الدولتين المعتديتين على لبنان وإيران الآن تبيدهم؟

سؤال المال

تعبير "القيمة"، وتفسيراته، ينتج بالضرورة مواقف مختلفة. في أحد جوانبه تقديس المال، وتصور أن الحياة المريحة قيمة في حد ذاتها، خصوصًا إن تأملنا مشهد الدمار الشامل في غزة أو جنوب لبنان، في ضوء مشاهد الرفاهية البالغة في بلدان الخليج. وهو ما يعيد للأذهان الفروق الأساسية في العلاقة بالمال والثروة، إن وجدا بالصدفة، أو تطلبا التعب والتضحية ليتحققا.

التناقض في الرؤى حتمي بين مثقفين ينتمون لدول ضحت بقطاع كبير من مواردها لتعليم أبنائها، ولإنتاج مسرح وأدب وسينما وتليفزيون وفن تشكيلي وعلوم وجامعات، ودول أخرى لديها فائض مالي غير محدود، وغير قابل للقياس، فتشعر بأن "المال حلو"، فتشتري أندية، ولاعبي كرة، ومثقفين وفنانين ومهرجين، لتحقق حالة "مهرجاناتية".

ليست مسألة تفوق عنصري لشعب على آخر، فلا وجود لسمات تميز شعبًا عن آخر لتضعه في مكانة أعلى عرقيًا. إنها مسألة متعلقة ببناء ونشأة الدول، وعلى ماذا تعتمد، وبالتالي مصالحها. لذلك ستتناقض مواقف اثنين من المثقفين، أحدهما سعودي والآخر مصري، تجاه مشهد تدمير شعب وبلد، وإعادة بناء المنطقة لصالح الأغنياء وفقط.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.