هل انقضت لحظة الخليج؟
على وقعِ الحربِ الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، يستحقُ الطرحُ القديمُ المتجددُ للمفكر الإماراتي عبد الخالق عبد الله حول لحظة الخليج أن يخضع لإعادة تقييم، فالسياق الحالي فرصةٌ جيدةٌ لاختبار فرضيته انتقال مركز الثقل السياسي والثقافي، وبالطبع الاقتصادي، من الحواضر العربية التقليدية كبغداد والقاهرة ودمشق إلى دول الخليج العربي.
لم يقف عبد الخالق عبد الله عند طرحه هذا إنما استتبعه بطرح جديد مكمل يقوم على بزوغ نجم الدولة الخليجية كعنصر رئيسي في قيادة التحولات الاجتماعية والثقافية المطلوبة، وإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط سياسيًا وجيو-استراتيجيًا، علاوة بالطبع على دورها كمصادر رئيسية للاستثمار في المنطقة والعالم ككل، بالتالي يصبح من المهم الآن طرح سؤال: هل انقضت لحظة الخليج؟
إن أكثر ما شكَّل عنصر الصدمة في الحرب الجارية هو الاستهداف الإيراني المُبيَّت لبلدان الخليج كافة، بدءًا بالقواعد العسكرية والمراكز الاستخباراتية الأمريكية في تلك الدول، مرورًا بالبنوك وقواعد بيانات ببعض كبرى الشركات الأمريكية، وصولًا إلى استهداف المنشآت النفطية، فماذا يعني توريط هذه الدول التي أعلنت مسبقًا وقوفها على الحياد في الصراع، بل وجاهرت برفض العدوان على إيران وحذرت من تداعياته؟
من القيادة لانتقاص السيادة
في القلبِ من طرح عبد الله، يقعُ تحوّلُ دول الخليج من دول صغيرة على الهامش إلى قوى متوسطة في النظام العالمي، مهيمنةٍ في النظام الإقليمي، باستثناء السعودية التي عادةً ما يُنظر لها بوصفها دولةً متوسطةَ القوة وفاعلًا إقليميًّا مركزيًّا كحال مصر وإيران وتركيا، وإن اختلفت مصادر قوتها ونفوذها.
يتبدى التحول الخليجي في صعود قطر السياسي من خلال رعايتها لقناة الجزيرة وعلاقاتها المتشابكة مع قوى الإسلام السياسي في مصر وليبيا والسودان وفلسطين، وحال الإمارات خاصة منذ 2011، ومبادرتها في الاتفاقات الإبراهيمية وتكوين شبكة علاقات مع فاعلين سياسيين وعسكريين في ليبيا والسودان واليمن والصومال.
ربما تُوضع دول الخليج في نفس موضع بلدان الجوار منتقصة السيادة مثل العراق ولبنان وسوريا
على أن ما شهدناه حقًا في الأزمة الحالية هو أن أغلب دول الخليج أصبحت مجرد مساحات وفراغات للتحرك الإيراني ضد المصالح الأمريكية العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، بغض النظر عن مواقف حكوماتها أو تأثير ذلك على صادرات الطاقة في الاقتصاد العالمي، ما ينزع صفة الفعل والفاعل عنها، ولا يظهرها بمظهر القوى المتوسطة بأي حال، بل يقربها من وضع بلدان مثل هولندا وبلجيكا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية عندما كان يخترق حيادهما، لا لشيء إلا لكونهما نقاط عبور من ألمانيا إلى فرنسا والعكس.
بل ربما تُوضع هذه الدول في نفس موضع بلدان الجوار منتقصة السيادة مثل العراق ولبنان وسوريا التي تعمل على أراضيها قوى داخلية وخارجية بعيدًا عن نطاق السيطرة المباشرة لحكوماتها.
مرة أخرى تستثنى السعودية، إضافة لسلطنة عمان. بالنسبة للمملكة، فإن مساحتها الشاسعة وإطلالتها على البحر الأحمر تساعدانها على امتصاص الضربات، علاوة على قدرتها على حشد دعم إسلامي دبلوماسي ضد الاعتداءات الإيرانية، كما يجب الأخذ في الاعتبار أن المملكة هي القوة العسكرية الخليجية الوحيدة التي قد يُنظر لتهديدها بالتحول من الدفاع إلى الهجوم ردًا على إيران على محمل الجد.
بخصوص عمان، فإن الاستهدافات التي طالتها تظل محدودة مقارنة بالرباعي الخليجي: الكويت وقطر والإمارات والبحرين، وهذا يرجع في الغالب لدورها في الوساطة قبل الحرب.
البديل الإقليمي الممكن
مما يضاعف من حدة الإهانة، تكرار الإيرانيين حديثهم الأجوف عن أن قصفهم للمصالح في الخليج لا يستهدفه بالأساس، ولا يؤشر حتى إلى وجود مشكلات مع حكوماته، بل يُعزى، حسب زعمهم، للوجود الأمريكي هناك!
هنا يكمن الإشكال الرئيسي لهذه الدول، فاعتمادها المفرط على ترتيبات دولية، ممثلة في حضور الولايات المتحدة العسكري منذ حرب الخليج الأولى لضمان أمنها وسيادتها، يعد نقطة ضعف ليس بالإمكان التغلب عليها إلا بترتيب أمني إقليمي بديل، أو حتى ترتيب عسكري في المقام الأول، في ضوء ضعف فرص ترجمة التزامات بلدان مثل مصر وتركيا وباكستان إلى إجراءات ملموسة على الأرض.
بحكم الضرورة، سيتمحور مثل هذا الترتيب حول المملكة العربية السعودية باعتبارها الدولة الوحيدة التي تملك القدرات البشرية والعسكرية، وهو ما يتناقض مع طموحات بلدان مثل قطر والإمارات في أن تصبح فاعلة بنفسها، كما يفتح الباب أمام صورة من صور انضمام دول الخليج الأصغر مساحة وسكانًا والأحدث سنًا ككيانات سياسية مستقلة إلى السعودية (عمان مستثناة هنا).
هذا التحول سيأخذ دول الخليج الصغيرة في اتجاه مغاير للاتجاه الذي سلكته منذ جلاء الاستعمار البريطاني عنها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وتحولها لكيانات سياسية مستقلة.
الأرجح أن التدخل العسكري الأمريكي ضد إيران أحدث بالفعل تغييرات مستدامة في وضع الخليج العربي، سواء من زاوية ممارسة إيران قدراتها على إيقاف حركة النقل عبر مضيق هرمز، وما يعنيه من خسائر اقتصادية جمة لاقتصادات الخليج واضطرابات لا يعلم مداها أحد للاقتصاد العالمي جراء صدمات الطاقة، أو من حيث اعتداء إيران فعليًا على دول الخليج رغم الوجود الأمريكي الكثيف في المنطقة.
وفي حال فشلت الولايات المتحدة في اقتلاع نظام آيات الله من الحكم في إيران، فإن التهديد الإيراني سيظل قائمًا، لكن على مستوى أعلى، وبمخاطر أكبر إن تجدد الصراع بين طهران وواشنطن أو تل أبيب في المستقبل مع استمرار التناقضات الاستراتيجية فيما بينها بما ينذر بإبقاء دول الخليج ساحات لتلك المصالح المتصارعة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.