تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
يتمتع قادة ثلاثي الوساطة في الحرب الإيرانية بثقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فهل يكفي ذلك لإنجاح المفاوضات؟

جحيم الحرب على إيران| هل من سبيلٍ للخروجٍ؟

منشور الثلاثاء 21 نيسان/أبريل 2026

تهدف الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران للقضاء على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. باقي المبررات مجرد ذرائع لتسويق هذا الهدف؛ سواءً كانت قدراتها النووية، أو الصاروخية، أو تحالفاتها الإقليمية. وهي ليست المحاولة الأولى، فقد شنَّ صدام حسين حرب السنوات الثماني عام 1980 بعد عام من نجاح الثورة الإيرانية؛ بتمويل خليجي؛ إلى أن انقلب صدَّامٌ على الخليج، والخليجُ على صدَّام.

اليوم، هناك أصوات معارضة لاستمرار الحرب في أوروبا وداخل الولايات المتحدة؛ لكنَّ دافعها الأساسي، إن لم يكن الوحيد، هو تأثرها بالعواقب الاقتصادية، خصوصًا ارتفاع أسعار الطاقة والنقل، ومن ثَمَّ كل شيء. لا تُعارِضُ دول الاتحاد الأوروبي -عدا إسبانيا وبلجيكا- الحربَ لأسبابٍ مبدئيةٍ تتعلق بانتهاك القانون الدولي أو تَغَوُّلِ إسرائيل في المنطقة، أو تَهَوُّر الرئيس ترامب؛ لكن لأن نتائجَها أصبحت تهدِّدُ بكسادٍ اقتصادي تَضَخُّمِي/stagflation لا سبيل للفكاك منه، في الوقت الذي ما زالت فيه اقتصاداتُ أوروبا تعاني من آثارِ حربِ أوكرانيا وتوابعِ جائحة كورونا.

بل إن منتقدي الرئيس الأمريكي في الداخل والخارج يلومونه على فشلِه في القضاء على النظام في إيران، ودفعِه بالتالي نحو مزيد من التشدد بعد أن اغتال القادة الذين كانوا يستطيعون احتواء الأمور، فضلًا عن دفعِه للسيطرة على مضيق هرمز، ورفع الحظر مؤقتًا عن تصدير النفط الإيراني خارج المضيق قبل إغلاقه؛ مما سيُؤدي إلى خروج طهران من الحرب أكثر قوةً وتأثيرًا إن لم يسقط النظام.

انكشاف النيَّات

ترامب يستقبل جثامين الجنود القتلى في حربه على إيران، 8 مارس 2026

يشترك في هدف القضاء على الجمهورية الإسلامية مع الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، عددٌ من الدول العربية على رأسها معظم دول الخليج، التي لم تعُد تُخفي نيّاتها هذه بعد ما طالَها من ردٍّ إيرانيٍّ على العدوان الأمريكي الإسرائيلي.

فقد ذَكَرَتْ وزيرة الدولة الإماراتية لانا نسيبة في برنامج "صباح چو" من واشنطن، نهاية فبراير/شباط الماضي، أن إنهاء الحرب غير ممكن دون حل حاسم لتهديدات حماس وحزب الله وإيران. كما يردِّدُ أنور قرقاش مستشار رئيسِ الإمارات أن إيران هي التهديد الرئيسي للخليج، وأن أيَّ حلٍّ سياسيٍّ يجِبُ أن يتضمن تعويضاتٍ من إيران، وقيودًا على قدراتِها التسليحية، وضماناتٍ لعدم تكرار استهداف الخليج.

هذا، فضلًا عَمَّا تَسَرَّبَ بشأن حثِّ وزير الدفاع السعودي للإدارة الأمريكية على دخول الحرب في يناير/كانون الثاني الماضي، وأيضًا دعوة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان رئيسَ الولايات المتحدة لاستكمال المهمة، وإن نفت مصادر سعودية ذلك.

دَفَعَ ذلك إيرانَ إلى استهداف دول الخليج دون تردُّدٍ لعددٍ من الأسبابِ، أَهَمُّهَا: استخدام ما لديها من مقذوفات قبل أن يُدمّرها القصف الأمريكي الإسرائيلي، رفع التكلفة على الولايات المتحدة، وحشد الضغط العالمي لوقف الحرب. كما قدّرت طهران أن دول الخليج لن تستطيع منع الولايات المتحدة من استخدام قواعدها هناك؛ وأن تلك الدول لن تشارك في الهجوم مباشرةً عليها، وأنها لو شاركت فلن تضرها بأكثر مما تضرها الهجمات الأمريكية الإسرائيلية.

لكن رغم هذه الأسباب، فإن استهداف إيران لدول الخليج صَبَّ في النهاية لصالح الولايات المتحدة التي ترغب في حَلْبِ المزيد من الموارد الخليجية بحجة الدفاع عنها، حتى أن ترامب أعلن صراحةً يوم 30 مارس/آذار أنه يعتزم التحدث مع دول الخليج لتمويل تكلفة الحرب.

الاستهداف الإيراني للخليج صَبَّ أيضًا في مصلحة إسرائيل؛ إذ رسَّخ نظريةَ شيمون بيريز بشأن الشرق الأوسط الجديد، المستندة إلى أن إيران هي التهديد الفعلي لدول الخليج، وأن إسرائيل هي حليفتها الطبيعية التي ستحميها من هذا التهديد، وذلك بعد أن تقوّضت تلك النظرية بفعل القصف الإسرائيلي للدوحة في سبتمبر/أيلول الماضي. ووصل الأمر إلى حد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم 31 مارس أن بلاده بصدد إتمام تحالفات مع دول عربية للقتال سويًا قريبًا.

أدى ذلك كله لمطالبة دول الخليج بالمشاركة في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، لضمان تقييد قدرات إيران الصاروخية. وبالفعل أُشرِكت السعودية في المبادرة التي طَوَّرَتْهَا باكستان وتركيا ومصر لنَقْلِ الرسائل بين طهران واشنطن بعد بدء الحرب، لاستكشاف إمكانية فتح طريق للتفاوض المباشر بينهما.

وتأتي مشاركةُ السعودية لتحقيق أحد هدفيْن متعارضيْن: الأولُّ، استخدامُ ما تملِكُ من أوراقٍ اقتصادية ومالية للضغط على الجانب الأمريكي لوقف الحرب التي تؤثر على أمن واقتصاد دول الخليج بشدة وتكشِفُ هشاشةَ نموذجها القائم على استخدام مواردها المالية لاستقدام الخبرات والخدمات من الخارج، وتحقيق الاستقرار والرفاهية للسكان المحليين والأجانب عبر التحالف مع الولايات المتحدة، دون تحمل أعباء سياسات واشنطن وتل أبيب التي تعيث في المنطقة فسادًا، لكن بعيدًا عن تلك الدول.

أما الهدف الثاني؛ فهو ضمانُ مراقبة جهود الوساطة من المنبع، للتأكد من عدم تقديم تنازلات للجانب الإيراني، والتركيز على إلزامه بتحمُّل تبعات الحرب التي شُنَّت عليه. ويُرَجِّحُ الهدفَ الثاني أن هناك اتصالاتٍ وترتيباتٍ سعودية باكستانية تتم بمعزلٍ عن الوسيطين التركي والمصري.

آليات الوساطة وفرصها

تجري المفاوضات الحالية بواسطة باكستان وتركيا ومصر، وهي دول تتمتع بعلاقة وثيقة للغاية بالولايات المتحدة، ولقادتها علاقة خاصة مع ترامب؛ بما يدفعُ للاعتقاد بأن تلك الجهود لا تجري بمبادرة منها وإنما بطلب أمريكي، للضغط على إيران للقبول بشروط واشنطن، ومن ثَمَّ توفير مَخْرَجٍ مُشَرِّفٍ لترامب من الحرب.

يبدو أن الهدف الأمريكي من الاتصالات التي جرت بعد الحرب يتَمَثَّلُ في حثِّ إيران على القبول بمطالبها القصوى التي لا تتغير

كان ذلك نمطَ الوساطة خلال الأعوام الماضية؛ تطلب الولايات المتحدة من مصر والدول الأخرى التواصل مع إيران لتوصيتها بضبط النفس وعدم التصعيد، كلَّما أقدمت هي أو إسرائيل على عمل استفزازي: اغتيال قاسم سليماني 2020، ثم ضرب مبنى تابع للسفارة الإيرانية في دمشق في مارس 2024، واغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في طهران أثناء مشاركته في الاحتفال بتنصيب الرئيس بزشكيان في يوليو/تموز 2024، واغتيال الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله في بيروت في سبتمبر 2024، وضرب المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025.

بالتالي، يبدو أن هدف واشنطن من الاتصالات التي جرت بعد الحرب، هو حثُّ طهران على القبول بمطالبها القصوى التي لا تتغير، كما تعكِسُها تصريحات ترامب برغبته في الحصول على كل شيء، ليس 90%، ولا 95% بل كل شيء. وكان قد استبدل وقف ضرب منشآت الطاقة، باقتراح الوسطاء وقف إطلاق النار لخمسة أيام في البداية؛ ثم شجع إسرائيل على نقض ذلك وقصف مفاعل بوشهر ومستودعات الوقود ومحطات تحلية المياه، وفقًا للمنهج الذي تتبعه في غزة وسوريا ولبنان؛ لاختبار رد الفعل الإيراني.

أما وقف إطلاق النار الحالي لأسبوعين، فوافق عليه ترامب تحت ضغط نفاد الذخائر أثناء القتال. كما وافق على وساطة باكستان لعقد جولة مفاوضات مباشِرَةٍ رفيعةِ المستوي في إسلام آباد من أجل التوصل إلى صيغة لفتح مضيق هرمز، لتخفيف الضغط على الاقتصاد العالمي وعلي أسعار الطاقة، ومن ثَمَّ عليه نفسه، ونزع تلك الورقة بالغة القوة من يد إيران، بمشاركةٍ دوليةٍ إن أمكن؛ تمهيدًا للإجهاز على النظام الإيراني لاحقًا بأي شكل، بما في ذلك بعملية برية إذا تيسر.

ورغم صدق رغبة مصر وباكستان وتركيا في وقف الحرب نظرًا لتضررهم الشديد من استمرارها؛ فإنهم لا يملكون وسائل ضغط حقيقية على الولايات المتحدة؛ مما يحد من فرص نجاح الوساطة؛ إلا بتدخل أطرافٍ لها ثقل يوازن الولايات المتحدة، لدفعها لتقديم تنازلات. ولا ينطبق ذلك إلا على الصين وروسيا، اللتين تُزاحمان الولايات المتحدة على قمة النظام الدولي المضطرب.

لكن مجرد دخول أيٍّ من القوّتين على الخط لا يفي وحده بالغرض، إذ يتوقف ذلك على جدية الانخراط في جهود السيطرة على الحرب؛ والأهم، تَقَبُّلِ الولايات المتحدة لمثل هذا الدور، ولو كان اضطرارًا. وهذا ما بدأ يتحقق تدريجيًا مع إشراك باكستان للصين في جهود الوساطة من خلال زيارة وزير الخارجية الباكستاني إليها بعد الاجتماع الرباعي في إسلام آباد. ثم بالفيتو الصيني الروسي المشترك على مشروع القرار المقدم من البحرين بالتنسيق مع الولايات المتحدة لتشكيل تحالف دولي لفتح مضيق هرمز. ما دفع ترامب للتراجع عن تصعيده اللافت بالتهديد بمحو الحضارة الإيرانية من الوجود قبل الفيتو ببضع ساعات، والقبول باقتراح الوسطاء الذي قدمته باكستان بدعم صيني، للتوصل لهدنة شاملة مدتها أسبوعان، يتم خلالها التفاوض للتوصل إلى حلول قابلة للاستمرار.

ويؤكد صعوبة نجاح الوساطة أن المفاوضات اقتصرت حتى الآن على جولة واحدة لم تسفر إلا عن تمسك الولايات المتحدة بمطالبها، ورفض إيران للانصياع، ثم انسحاب الوفد الأمريكي، وإعلان الرئيس ترامب إغلاق مضيق هرمز وفرض حصار بحري على إيران.

لكن ذلك لم يمنع من الالتزام بهدنة الأسبوعين. بل وقد تُمدد تباعًا، في تقديري، إذا رأت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع استئناف القتال مباشرةً لأي سبب كان. كما أن توقف مفاوضات إسلام آباد لا يعني أنها لن تُستأنف مجددًا، إذا اختار الرئيس ترامب كعادته التراجع بعد أن يكون قد حقق هو أو أسرته مكاسب مالية ضخمة نتيجة المضاربة على أسعار البترول والأسهم التي تتفاوت وفقًا لمضمون تصريحاته.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.