دروس جعفر بناهي عمّا تحتاجه الأوطان
فرض غياب التغطية لخبر عودة المخرج الإيراني العالمي جعفر بناهي إلى إيران رغم صدور حكم بحبسه ومنعه من السفر، تساؤلات عن مهنية وسائل الإعلام الغربية خاصة الكبرى منها، خاصة وأنَّ بناهي واحد من أربعة مخرجين فقط، إلى جانب هنري جورج كلوزو ومايكل أنجلو أنطونيوني وروبرت ألتمان، فازت أفلامهم بالجوائز الكبرى في المهرجانات الثلاثة الكبار؛ السعفة الذهبية في كان، والدب الذهبي في برلين، والأسد الذهبي في البندقية.
هذا الإنجاز وحده كفيل بوضع أي قرار يخص حياته المهنية أو الشخصية في قلب دائرة الاهتمام. لكن الميديا الغربية لم تشغل بالها بخبر عودته إلى بلده وهو مهدد بالسجن، وفي ظل ظروف حرب وقصف، رغم ما يحمله هذا القرار في هذه اللحظة من دلالات رمزية تتجاوز الشأن الشخصي، لتغدو موقفًا أخلاقيًا وثقافيًا وسياسيًا.
قد تُفسَّر محدودية التغطية الإعلامية بعدة احتمالات؛ انشغال وسائل الإعلام بتغطية تطورات الحرب، أو ربما كان ذلك اختيار بناهي أن يعود دون ضجيج إعلامي، أو لأن الخبر ببساطة لا ينسجم مع أولويات وسائل الإعلام تلك.
هذه التساؤلات تُعيد فتح النقاش حول معايير الانتقائية في التغطية الإعلامية، خصوصًا بعد سلسلة من الأحداث التي طعنت في مصداقية بعض الروايات الإعلامية الدولية، ربما أبرزها الرواية التي شاعت عن حرق حماس جثث الأطفال وثبت كذبها، وما صاحبها من تضارب في المعلومات. وفي عالم تتدخل فيه السياسة في الإعلام بأكثر مما ينبغي، يصبح من مشروعًا وضع اختيارات الصحف لما يُسلَّط عليه الضوء وما يُهمَل، في دائرة المُساءلة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشخصية ثقافية عالمية تتخذ موقفًا محفوفًا بالمخاطر.
فن وموقف
من الضروري التوقف عند شخصية بناهي لفهم دلالات عودته. وُلد جعفر بناهي في 11 يوليو/تموز 1960 في بلدة ميانة بإيران لأسرة متواضعة تجمع بين الأصول الأذربيجانية والفارسية. كان والده يعمل في مهنة الطلاء، وعاش طفولة فقيرة دفعته إلى العمل منذ الصغر كي يتمكن من دخول دور السينما دون تحميل أسرته أعباء مالية إضافية. هذه العلاقة المبكرة مع السينما كانت أكبر من مجرد هواية، كانت نواة مشروع فني تشكل تدريجيًا عبر الدراسة والخبرة العملية.
التحق بناهي بكلية السينما والتليفزيون في طهران، وبدأ مسيرته مساعد مخرج، ثم مخرج أفلام تسجيلية. وفي شبابه مرّ بتجربة فريدة عند أسره في الحرب الإيرانية - العراقية عام 1981، حيث كان مصورًا عسكريًا خلال سنوات تجنيده، لمدة 76 يومًا لدى مقاتلين أكراد. تركت تلك التجربة، التي أنجز عنها لاحقًا فيلمًا تسجيليًا عُرض على التليفزيون الإيراني، أثرًا عميقًا في رؤيته الفنية. وبعد انتهاء خدمته العسكرية، عاد إلى دراسة السينما، حيث تأثر بأعمال مخرجين مثل ألفريد هيتشكوك وهوارد هوكس ولويس بونويل وجان لوك جودار، ويمكن رصد أثر مدارسهم المتنوعة في أسلوبه الذي يجمع بين الواقعية والتجريب.
خلال دراسته، أنجز أفلامًا وثائقيةً قصيرةً للتليفزيون الإيراني، من بينها The Wounded Head/الرؤوس الجريحة، الذي وثّق طقوس الحداد على الإمام الحسين في منطقة أذربيجان الإيرانية، حيث يجرح المشاركون رؤوسهم بالسكاكين.
صُوِّر الفيلم سرًا ومُنع عرضه لسنوات، وهو ما يشير مبكرًا إلى علاقة بناهي المتوترة مع الرقابة. غير أن انطلاقته العالمية جاءت مع فيلمه الروائي الطويل الأول The White Balloon/البالون الأبيض عام 1995، وهو عمل بسيط ظاهريًا عن طفلة تحاول شراء سمكة في ليلة العيد، لكنه يكشف في عمقه عن بنية اجتماعية تضع عبء الحياة اليومية على المرأة، في ظل حضور ذكوري هامشي وغير مسؤول.
فاز الفيلم بجائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان، إضافة إلى جوائز دولية أخرى، ليضع بناهي على خريطة السينما العالمية.
بناهي مثل كثير من المثقفين الإيرانيين؛ يطالب بمساحات حرية، لكنه لا ينحاز إلى خصوم بلاده
توالت أعماله بعد ذلك، من بينها فيلم The Mirror/المرآة عام 1997، الذي حصد جوائز في مهرجانات دولية متعددة. غير أن فيلم The Circle/الدائرة كان نقطة التحول الأكثر حساسية في مسيرته؛ إذ تناول معاناة النساء في المجتمع الإيراني من خلال بنية سردية دائرية تربط مصائر عدة شخصيات نسائية.
يبدأ الفيلم في جناح للولادة حيث تولد طفلة بخيبة أمل، ثم تتقاطع حكايات نساء هاربات من السجن، ومشردات في الشوارع، وأخريات يواجهن قيودًا اجتماعية وقانونية. ينتهي الفيلم بعودة الدائرة إلى نقطة البداية، في إشارة رمزية إلى استمرار القيود.
في ديسمبر/كانون الأول الماضي أصدرت محكمة إيرانية حكمًا غيابيًا بسجن بناهي، الذي كان يشارك خارج إيران في مهرجانات سينمائية دولية، لمدة عام، إلى جانب منعه من السفر لمدة عامين، وحرمانه من الانضمام إلى أي تنظيم سياسي أو اجتماعي. وجاءت إدانته بتهمة "الدعاية ضد النظام"، واستندت المحكمة في قرارها بشكل خاص إلى فيلمه الأخير مجرد حادث/It was Just an Accident، الذي صوّره سرًا.
بقي بناهي خارج البلاد لفترة، قبل عودته إليها في لحظة شديدة الحساسية مع تصاعد التوترات العسكرية والقصف. هذه العودة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل موقف وجودي؛ فهو يختار الرجوع إلى وطنه رغم احتمال السجن أو الخطر المباشر. يعكس القرار رؤية للانتماء تتجاوز الاعتبارات الشخصية، ويضع الفنان في موقع الشاهد والمشارك في مصير مجتمعه.
درع الحرية
في سياق هذه الحرب، لم تُظهر إيران قدرات عسكرية خارقة بقدر ما أظهرت صمودًا اجتماعيًا وسياسيًا. تمثلت في مواقف التضامن من أطياف مختلفة، بما في ذلك قوى معارضة أعلنت دعمها للبلاد في مواجهة التهديد الخارجي. كما ظهرت صور لقيادات سياسية تتحمل المخاطر داخل البلاد، وهو ما عزز خطاب الصمود الوطني.
في المقابل، أظهر المجتمع الإيراني قدرًا من التماسك، حيث لم تتحول الخلافات الداخلية إلى انقسامات حادة في لحظة الأزمة. هذا المشهد يعكس تعقيد العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث يمكن للمعارضة أن تختلف مع السلطة داخليًا، لكنها تتوحد معها في مواجهة خطر خارجي.
قرار بناهي بالعودة إلى إيران، رغم ما كان يمكن أن ينعم به من استقرار خارجها، يندرج ضمن هذا السياق الأوسع من الانتماء الوطني. فهو، مثل كثير من المثقفين الإيرانيين، انتقد السياسات الداخلية وطالب بمساحات أوسع من الحرية، لكنه لم يربط هذه المطالب بالانحياز إلى خصوم بلاده.
ربما لو استمع النظام الإيراني لأصوات المعارضة لما آلت الأمور إلى ما وصلت إليه الآن
على مدى عقود، شهدت إيران حركات احتجاجية ركزت على تحسين المعيشة وتوسيع الحريات، دون تبني خطاب معادٍ للوطن. تابعتُ الاحتجاجات الإيرانية، لم يطالب المحتجون سوى بقطرات من الحرية، وشذرات من تحسين المستوى المعيشي، وقليل من الدعم في مواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة بدلًا من الإنفاق لبسط السيطرة الخارجية. واجهت السلطات هذه المطالب في أحيانٍ كثيرة بقدر كبير من القمع، ولكن عندما تُظهر الأزمات أن المجتمع يمتلك درجة عالية من الولاء والاستعداد للتضحية، تبدو جدوى تلك السياسات القمعية محل شك.
شعب عظيم، له من الإرث الحضاري والجذور التي تمتد إلى آلاف السنين ما يجعلنا نأسى على القيود التي فُرضت عليه كأنه طفل لا يعي مصلحته.
التحية لصمود المجتمع الإيراني لا تنفصل عن التحية لفنان مثل بناهي، الذي يجسد نموذج المثقف المرتبط بقضايا مجتمعه. وربما تطرح تجربته سؤالًا أعمق حول العلاقة بين السلطة والمجتمع: هل كان من الممكن أن تكون قوة الدولة أكبر لو أُتيح هامش أوسع للحوار الداخلي؟ وهل يمكن للانفتاح السياسي تعزيز التماسك الوطني بدلًا من إضعافه؟
هذه الأسئلة لا تخص إيران وحدها، بل تمتد إلى مجتمعات عديدة تواجه تحديات مشابهة. بالرغم من أن "لو" تفتح عمل الشيطان، فإننا مجبرون على فتح بابها الآن: ربما لو استمع النظام الإيراني لأصوات المعارضة بدلًا من تكميمها، لما آلت الأمور إلى ما وصلت إليه الآن. ربما احتاج هذا النظام الإنصات بدلًا من التخوين، إلى حسن الظن بدلًا من القمع، إلى التفكير بدلًا من الانفراد بحكم لم يكن ليصل إليه لولا ثورة شعبية أثبت فيها الشعب الإيراني مدى عظمته.
هذا الـ"بناهي" لم يرقص ويتملق في سبيل المال، بل أرقته هموم شعبه، فأُعطي جزاء سنمار. وهو الآن في وطنه يواجه مع بني جلدته الموت.
تبدو عودة جعفر بناهي إلى إيران أكثر من حدث فردي؛ إنها لحظة رمزية تختزل علاقة الفن بالوطن، والنقد بالانتماء، والحرية بالمسؤولية. فقد أثبت الفنان العالمي أنه، رغم شهرته وإمكانية عيشه في ظروف أكثر راحة خارج بلده، اختار العودة في لحظة الخطر. قرارٌ، بقدر ما يحمل من مخاطرة شخصية، يعبّر عن رؤية ترى في الفن جزءًا من مصير المجتمع، لا مجرد نشاط معزول عنه.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
الشخصية القومية الإيرانية.. أي دور لعبته في الحرب ضد إسرائيل؟
28-6-2025
ولاية الفقيه من خميني إلى ما بعد خامنئي.. تنطفئ النار المقدسة أم تزيد اشتعالًا؟
16-3-2026
الرهان على الشعب الإيراني
1-3-2026
الرئيس فوق "رئيسي"
28-5-2024
إيران.. والمشانق إذا تحدثت
18-12-2022
إيران يا مصر
7-10-2022
