الرهان على الشعب الإيراني
من غير المتصور أن القيادة الإيرانية لم تكن تدرك أن الحرب الإسرائيلية - الأمريكية قادمة لا محالة، مع تطويقها عمليًا من كل الجهات بحاملات الطائرات والمدمرات والغواصات، بجانب القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في كل دول الخليج، بحشد عسكري غير مسبوق منذ غزو العراق عام 2003.
كما لا يُعقل ألّا تكون قد تعلمّت من درس تجربة التفاوض مع ممثلي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في يونيو/حزيران الماضي، والتي تلقّت أثناءها ضربةً موسعةً دمّرت المفاعلات النووية الرئيسية التي تمتلكها، وشهدت اغتيال عدد كبير من القيادات العسكرية وكبار العلماء في المجال النووي.
لكنَّ السيناريو تكرر بحذافيره: مفاوضات في جنيف وتصريحات إيرانية وعمانية متفائلة بشأن تحقيق تقدم، ووعود بجلسات مقبلة تقنية وسياسية، بينما ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتفقا بالفعل منذ أسابيع على موعد الضربة وخطتها.
اختراق في أعلى القيادات
كما في هجوم يونيو؛ تمكَّنت إسرائيل في ضربتها الافتتاحية صباح السبت من اغتيال الشخصية الأهم في النظام الإيراني؛ على خامنئي، ومعه وزير الدفاع وقائد الحرس الثوري وعدد آخر من قيادات الصف الأول.
ورغم كل الأجواء المتوترة والحشد العسكري الأمريكي والتهديدات العلنية من ترامب لخامنئي، فقد تفاخر الإيرانيون بأن المرشد الراحل لقي مصرعه بينما يعمل في مكتبه بطهران بشكل اعتيادي، بلقاء كبار القادة العسكريين والسياسيين الذين لقي غالبيتهم مصرعهم.
اغتيال خامنئي ودفع ترامب للانخراط في الحرب على إيران مثَّلا الجائزة الكبرى لنتنياهو
ولو صحت تقارير الصحف الإسرائيلية، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يقدم على إبلاغ ترامب بمقتل خامنئي إلا بعد أن تلقى صورًا لانتشال جثته من بين ركام مقر إقامته، وهو ما يعني استمرار الاختراق الإسرائيلي لأعلى مستويات القيادة الإيرانية، وهو الاختراق الذي سمح بتصفية عدد كبير من القيادات في ضربة يونيو، ومجددًا في ضربة 28 فبراير/شباط.
هذا الاختراق الخطير لأعلى مستويات القيادة في إيران هو ما سمح في وقت سابق باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في قلب مجمع يديره الحرس الثوري في إيران، وبعده الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في لبنان.
كلها ضربات غيَّرت مسار الحرب التي أطلقت شرارتها حركة حماس بهجوم السابع من أكتوبر 2023، واتخاذ نتنياهو قرارًا بأن الرد على هذه الضربة المهينة لإسرائيل لن يقتصر على الانتقام من حماس فقط، بل من إيران نفسها وكل أذرعها في محور المقاومة الذي كانت تُموّله وتُسلّحه، وعلى رأسهم الرئيس السوري السابق بشار الأسد.
اغتيال المرشد الأعلى لإيران على يد إسرائيل ودفع الرئيس الأمريكي ترامب للاشتراك مع نتنياهو في حرب معلنة للإطاحة بالنظام الحالي مثَّلا الجائزة الكبرى لرئيس الوزراء الإسرائيلي، والتحقيق العملي لحديثه المتكرر عن خطته لتغيير خريطة الشرق الأوسط بأكمله، وخضوع المنطقة لهيمنة إسرائيل والولايات المتحدة.
ولكن رغم إيلام الضربة المُهينة لنظام الملالي في إيران، وتعبير نتنياهو وترامب علنًا عن أملهما في أن تؤدي إلى خروج الشعب الإيراني للشوارع؛ يبدو أن النظام الإيراني استغل بدوره مسرحية التفاوض مع ممثلي ترامب لحل كل نزاعات العالم، ويتكوف وكوشنير، من أجل الاستعداد للرد على الضربة الأمريكية التي رجح الخبراء العسكريون أنها قادمة لا محالة في ضوء الحشد العسكري الأمريكي الضخم.
وقبل أيام من وقوع الضربة، صرح المسؤولون الإيرانيون بأن بدائلَ وُضعت لقيادة إيران على كل المستويات في حال استهدفها الإسرائيليين والأمريكيين. وأشارت التقارير إلى أن المرشد الأعلى الراحل، خامنئي، فوَّض مستشاره السياسي المقرب علي لاريجاني لإدارة شؤون البلاد في حالة خلو منصبه وحتى يتم اختيار خليفة له، عبر النظام الإيراني المعقد ومجالسه المختلفة التي يتحكم فيها كبار رجال المذهب الشيعي.
سقوط قناع الدبلوماسية
لكن النظام الإيراني وقيادته الدينية والعسكرية قرروا أيضًا تنفيذ تهديدهم باستهداف كل القواعد الأمريكية الموجودة في دول الخليج والعراق والأردن، بما فيها قطر التي تتمتع بعلاقات جيدة مع طهران، ردًا على أي هجوم، إلى جانب المدن الإسرائيلية.
هذا القرار بفتح سبع جبهات بالتزامن، شكّل إعلانًا بإسقاط قناع الدبلوماسية والإقرار بالأمر الواقع، وتعاملًا إيرانيًا مع واقع أن الإسرائيليون ليسوا وحدهم من يسعون للإطاحة بالنظام في إيران.
فصحيحٌ أن الدول النفطية العربية المجاورة لإيران، ومعها الأردن، أكدت بصرامة أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لمهاجمة إيران، لكنَّ الصحف الأمريكية نشرت صورًا لعشرات المقاتلات الأمريكية وهي تحط في قاعدة عسكرية بالأردن.
كما أعلنت الولايات المتحدة نشر بطاريات صواريخ ونظم دفاع جوي في كل الدول العربية التي توجد بها قواعد أمريكية، وهي عمليًا كل دول الخليج، من أجل اعتراض الصواريخ الإيرانية سواء التي تستهدف قواعدها أو تلك المتجهة نحو إسرائيل.
هذا الهجوم الإيراني الموسَّع يهدد بدفع هذه الدول الخليجية إلى إعلان الانضمام علنًا للحرب الإسرائيلية-الأمريكية
من جهته، أكد وزير الخارجية الإيراني أن استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة ليس هجومًا على الدول "الشقيقة" بل على "أراضٍ أمريكية" في تلك الدول. غير أن الصواريخ والمسيرات الإيرانية لم تستهدف القواعد الأمريكية فقط، وتلقت مطارات الكويت وأبوظبي ودبي ضربات مباشرة، وكذلك أبراج سكنية في المنامة ودبي وأبوظبي والدوحة قيل إنها كانت تضم مكاتب للمخابرات الأمريكية وأماكن لسكن القوات الأمريكية.
يأتي ذلك فيما نقلت واشنطن بوست عن مصادرها أن وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، شقيق ولي العهد محمد بن سلمان، طالب أثناء زيارته واشنطن، الشهر الماضي، مشرعين أمريكيين بدعم الضربة المتوقعة ضد إيران، وحذر من أن النظام الإيراني سيخرج أكثر قوة إذا لم ينفذ ترامب تهديداته.
هل تتوسع دائرة الحرب؟
هذا الهجوم الإيراني الموسَّع يهدد بدفع هذه الدول الخليجية، خاصة السعودية والإمارات، إلى الانضمام علنًا للحرب الإسرائيلية-الأمريكية، على اعتبار أن طهران هي التي بدأت بالعدوان.
ورغم إدراك السعودية وبقية دول الخليج حجم الضرر الذي يمكن أن يلحقه الإيرانيون بدولهم، وبأسعار النفط، خاصة لو قررت طهران المضي نحو المزيد من التصعيد وأغلقت مضيق هرمز، حيث تمر 20% من تجارة النفط والغاز العالمي، فإن هذه الحرب تمثل فرصة ذهبية للتخلص من نظام لا يحملون تجاهه أي ود، لأسباب طائفية ترتبط بالنزاع السني-الشيعي، ولتهديده المباشر لأمنهم عبر دعم الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، واللذين تورطا في هجمات مباشرة على أهداف سعودية وإماراتية.
يرى محللون أمريكيون ترامب ومعه نتنياهو يتمنيان وقوع سيناريو في إيران مشابه لما حدث في فنزويلا
من الصعب بالطبع التنبؤ في المرحلة الحالية بمسار الحرب التي قال المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون إنها ستستمر لعدة أيام على الأقل قبل التوقف لتقييم ما لحق بالنظام الإيراني من أضرار، وإذا ما كان سيرفع الراية البيضاء بعد التخلص من رأس النظام، المرشد علي خامنئي.
ويرى بعض المحللين الأمريكيين أن الرئيس الأمريكي ترامب ومعه نتنياهو يتمنيان سيناريو إيرانيًا مشابهًا لما حدث في فنزويلا؛ يمكن التخلص فيه من رأس النظام بسهولة، ثم نبحث عن قيادة جديدة تكون أكثر مرونة في قبول المطالب الأمريكية.
كما ستتواصل المحاولات الأمريكية والإسرائيلية بكل تأكيد لإثارة الاضطرابات الداخلية في طهران ودعوة الإيرانيين للخروج إلى الشوارع، في تكرار للاحتجاجات التي شهدتها عدة مدن إيرانية في نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، والتي اتخذها الرئيس الأمريكي حجة رسمية من أجل بدء الحشد العسكري ضد إيران رغم يقين الجميع أن ترامب آخر من يهتم بقضايا الحريات وحقوق الإنسان وشعوب هذا الجزء من العالم أساسًا.
الرهان القائم
بجانب كل التطورات العسكرية التي سيكون لها دور مهم في تحديد مسار الحرب الدائرة الآن، سيبقى الرهان الأهم قائمًا على الشعب الإيراني، وإذا ما كان سيلتف حول النظام في مواجهة عدوان خارجي كما يتمنى، أم أن سياسات النظام القمعية على مدى 47 عامًا وسوء الأوضاع الاقتصادية وخوض حروب خارجية لا تنتهي لدعم مجموعات غير إيرانية مثل حزب الله والحوثيين وحماس ستدفع قطاعًا واسعًا من الإيرانيين إلى دعم هذا التدخل الخارجي من أجل إنهاء تجربة نظام الملالي المتفردة.
بالطبع التجارب الشبيهة في المنطقة العربية على مدى العقدين الماضيين، بداية بتجربة غزو العراق، لا تبدو مشجعة لأي شعب للتعاون مع عدوان خارجي، تعقبه دائمًا الفوضى والحروب الأهلية. ولكن يبقى باب المفاجآت مفتوحًا على مصراعيه في مواجهة رئيس أمريكي يتسلى بالانتصارات السريعة والمذهلة التي يستعرض من خلالها تفوق قوته العسكرية، ورئيس وزراء إسرائيلي مجرم حرب يرى في الحروب الوسيلة الوحيدة لبقائه شخصيًا وبقاء مشروع دولة الاحتلال الصهيوني وتوسيعه في ظل إيمانه العقائدي بـ"إسرائيل الكبرى"، وشعب إيراني مقهور ومنهك ومحاصر، يبحث عن خلاص من هذين المجرمين ومن نظام بلاده القمعي.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
