تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
إن الهدف الأول لنتنياهو بعد اغتيال خامنئي هو الوصول إلى وضعية "الاستباحة التامة"

ماذا بعد خامنئي؟ جولة في بنك أهداف نتنياهو

إخلاء المجال الحيوي لإسرائيل يكرّس مرحلة جديدة من الاستباحة في منطقة أحادية القطب

منشور الاثنين 2 آذار/مارس 2026

سرّب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو نبأ اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي عبر الإعلام وسفيره في واشنطن يحيئيل ليتر، ثم ترك "شرف" الإعلان الرسمي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليشبع شراهة الأخير لانتزاع الفضل وأضواء الانتصار، أما بالنسبة له فقد تحققت مجموعة من الأهداف المرحلية المهمة، كان يحلم بها منذ تسعينيات القرن الماضي، بأن استطاع الزج بالآلة العسكرية الأمريكية في أكبر مواجهة عسكرية ضد إيران منذ إعلان الجمهورية الإسلامية 1979، وتوفير الغطاء السياسي والدعم العسكري الكامل لإسقاط نظام "آيات الله" أو على الأقل وضعه على حافة الجرف الأخير.

وبينما كانت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية تعمل على توثيق الخسائر الإيرانية بمستوى القيادة العليا، نشر مكتب نتنياهو صورة اختيرت تفاصيلها بعناية، تظهره يتحدث هاتفيًا مع ترامب، وأمامه خريطة كبيرة وكتاب حديث عن الحرب العالمية الثانية صدر العام الماضي للمؤرخ البريطاني الشاب تيم بوفيري يحمل عنوان Allies At War/ حلفاء في حالة حرب يسلط الضوء على العلاقات بين القادة الكبار الثلاثة للولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي، فرانكلين روزفلت ووينستون تشرشل وجوزيف ستالين، ومحطات التفاهم والخلاف وصولًا إلى هزيمة النازي، وكيف انعكس الصراع بينهم على النظام العالمي بعد 1945.

نتنياهو في اتصال هاتفي مع ترامب خلال الحرب على إيران

لا أتصور أن نتنياهو كان يقرأ الكتاب في خضم أحداث اليوم الأول من العملية المشتركة "زئير الأسد والغضب الملحمي" لكنه وضعه أمامه ليستخدم العنوان في وصف العلاقة مع ترامب، بأنه تحالف متكافئ، وأنه لا يتبع واشنطن وأنه شريك رئيس في اتخاذ كل القرارات حتى تغيير وجه الشرق الأوسط.

ربما أراد "بيبي" أيضًا تذكير العالم بأن العاصمة طهران كانت نقطة تحول لموقع أمريكا في السياسة الدولية، عندما استضافت اجتماع الثلاثة الكبار لأول مرة في خريف 1943 الذي انتهى بتراجع دور لندن عمليًا بعد فشل تشرشل في فرض رؤيته بعدم فتح جبهة جديدة ضد الألمان، مقابل تقدم واشنطن إلى مركز القيادة والترجيح والإسهام الأكبر في صنع القرار، لتصبح مع موسكو القطبين الأساسيين في النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

تخصص فتح الجبهات

لعل اجتماع طهران كان من مصادر إلهام نتنياهو بضرورة فتح جبهة جديدة للحرب الإقليمية وتوسيعها، في إطار مساعيه الحثيثة منذ صيف 2024 لرسم شرق أوسط جديد على أنقاض قواعد الاشتباك القديمة التي كانت تلتزمها جميع الأطراف، بما في ذلك أمريكا وإيران، عندما قرر فتح جبهة مباشرة في العمق خلف الخطوط، باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في طهران، ثم اغتيال القيادي البارز بحزب الله فؤاد شكر، ثم بعمليتي البيجر وتصفية قيادات وحدة الرضوان، ثم القضاء على أمين عام الحزب والمناهض الأبرز لإسرائيل في المنطقة حسن نصر الله، ومن بعد ذلك كله شن حرب يونيو/حزيران 2025، ويبدو اليوم أنها كانت إعدادًا لما هو أخطر.

الهدف الأول لنتنياهو بعد اغتيال خامنئي هو الوصول إلى وضعية "الاستباحة التامة" من دون رد متناسب

يُسقط استهداف خامنئي مباشرة في اليوم الأول من الحرب الحالية آخر قاعدة للاشتباك، إذ نشهد ظاهرة جديدة تتناقض مع المعارك الكلاسيكية. فالمعتاد أن يكون القضاء على رأس النظام هو الخطوة الأخيرة تكليلًا للنصر، وليس هدف الدقيقة الأولى، ما يطرح تساؤلات أوسع عن أهداف استمرار الحرب، خاصة في ساحة صراع من نوع خاص استراتيجيًا وجغرافيًا، يفرض خيارات كلها صعبة على إيران الحائرة بين التصعيد من دون حساب باستهداف السفن الغربية وحاملات الطائرات الأمريكية فتشعل المنطقة بأسرها، وبين استمرارها في شن هجمات متدرجة ومحدودة على الأراضي الفلسطينية المحتلة وبعض العواصم الخليجية، لم تنجح في الضغط على واشنطن لوقف الضربات، كما لم تصنع الفارق بإظهار القدرة على الرد المكافئ، حتى الآن.

وفي غياب خامنئي وعدد كبير، غير معلوم بدقة، من قيادات الصفوف المتقدمة بالجمهورية الإسلامية، واستمرار نجاح التحالف الصهيو-أمريكي في استهداف قواعد الصواريخ الباليستية وتخريب مخازن الأسلحة، سوف تتراجع قدرة إيران على التماسك لوقت طويل تحت القصف، وتزيد احتمالات الانفراط الداخلي سياسيًا ومجتمعيًا، أخذًا في الاعتبار الاحتجاجات الشعبية والطلابية الأخيرة التي أظهرت انقسامًا حادًا في الشارع، لكن من دون أفق واضح بين احتمالات أبرزها: سقوط النظام بأسره كما حدث في عراق صدام وسوريا الأسد، أو إحداث تغيير جذري في سياساته رضوخًا لواشنطن وتل أبيب بسيناريوهات دول أمريكا الوسطى والخطة الجارية في فنزويلا، أو فرض تغيير بعينه من الخارج.

من الفوضى إلى الاستباحة

الأكيد أن جميع الاحتمالات ستؤدي في مرحلة ما إلى حالة من الفوضى المحببة لـ"بيبي" وفق رؤيته الخاصة لسلام الردع والعربدة وتحويل إسرائيل إلى المحور الوحيد للقوة والتحريك في الشرق الأوسط، وهي نسخة محدّثة من تعاليم القيادي الصهيوني زئيف جابوتنسكي عن الجدار الحديدي وعقيدة بيجن المكرّسة منذ تدمير المفاعل النووي العراقي عام 1981 والقائمة على ردع الأعداء أيًّا كانت مواقعهم وبكل الوسائل المتاحة.

إن الهدف الأول لنتنياهو بعد اغتيال خامنئي هو الوصول إلى وضعية "الاستباحة التامة" من دون رد متناسب وحتى القضاء التام على أي فرصة لنهوض محتمل، بما يعني تركيع إيران وتعجيزها نهائيًا عن تشكيل خطر مستقبلي على الصهيونية، ومد يد العون بالتمويل أو التسليح أو الدعم للمقاومة.

لن يكتفي زعيم الصهيونية بنجاحاته وطالما غابت ردة فعل عربية تأخذ زمام المبادرة سيظل متعطشًا للمزيد

وبينما ينعم العدوان بالتأييد الإقليمي والغربي والصمت الدولي، يبدو نتنياهو أقرب من أي وقت مضى لبلوغ غاية تحدث عنها في كتابه مكان بين الأمم (1993) الذي أصدره إبان مفاوضات أوسلو بأنه يجب "ألّا يقتصر الرد على الخطر الجسيم (الإيراني) على الوقف أو الاحتواء فقط، بل يجب أن يكون أكثر شمولًا، مثلما أدت التغييرات في نظام الحكم الروسي إلى انهيار الشيوعية".

سطور قديمة تحيي المخاوف

الأمر الأسوأ أن بنك أهداف نتنياهو أكبر مما حققه بكثير، وفق تصريحاته قبيل الحرب ببناء محور إقليمي جديد، وعلى ضوء تغير موازين القوى على الأرض بعد انكشاف طهران وما حلّ بغزة، وإضعاف مراكز ثقل المنطقة، وتعريض دول الخليج للخطر المتكرر ليس من قبل إيران فقط لكن أيضًا بخرق إسرائيل للحصانة الأمريكية التاريخية كما حدث في هجوم الدوحة الصيف الماضي، إلى جانب الاضطراب الكارثي في السودان وليبيا والتغلغل العدائي في شرق إفريقيا عبر صوماليلاند.

كل ما سبق كتبه نتنياهو نصًا بوضوح جليّ وهو لا ينكره ولا يكترث بتبعاته

لن يكتفي زعيم الصهيونية بنجاحاته، وطالما غابت ردة فعل عربية تأخذ زمام المبادرة سيظل متعطشًا للمزيد. ولمَ لا؟ وقد أورد في كتابه أن تل أبيب قدمت تنازلات من أجل التعايش والسلام لكن العرب لم يقابلوها بالمثل، في عبارات واضحة تعكس طبيعة الأطماع الهائلة التي يغفل عنها الملايين تحت تأثير تنامي الدعاية السوداء.

من بين التنازلات المزعومة على لسان نتنياهو لأنه يراها حقوقًا للصهاينة: التنازل عن ضم نهر الليطاني، لأنه المصدر المائي الرئيس للمستوطنات، واقتطاع 80% من "أراضي الوطن القومي لليهود" في صورة إمارة شرق الأردن قبل أن تتحول لاحقًا إلى المملكة الأردنية الهاشمية، ثم "التنازل عن صحراء سيناء وإخلاء آلاف اليهود وهدم البيوت والمدارس والمزارع التي بُنيت خلال خمسة عشر عامًا والتنازل عن المطالب القومية الاستراتيجية والاقتصادية المتمثلة في أرض تلقى فيها الشعب اليهودي التوراة وتسليم طابا إلى مصر"، ثم تمكين الفلسطينيين من السيطرة على غزة والضفة الغربية. وفضلًا عن أبدية احتلال الجولان، فهو يجد أن تهجير الفلسطينيين إلى صحاري العرب الشاسعة حلٌ عادل للجميع!

إخلاء المجال الحيوي للعدو

كل ما سبق كتبه نتنياهو نصًا بوضوح جليّ، وهو لا ينكره ولا يكترث بتبعاته على الرغم من تجاوزه لأشد الأصوات اليمينة تطرفًا الآن، ويحاول تأطيره قبل ثلاثة عقود من ظهوره في أغسطس/آب الماضي ممسكًا بتميمة تحمل خريطة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات في حوار تليفزيوني ويتحدث عن تعاقب الأجيال المؤمنة بالحلم، وربما وقت صدور الكتاب لم يكن السفير الأمريكي في تل أبيب مايك هاكابي يملك الجرأة لإطلاق تصريحه الأخير عن أحقية الشعب اليهودي في تلك المساحة الجغرافية الواسعة عبر حدود سبع دول عربية.

إن إخلاء المجال الحيوي للكيان الصهيوني (Lebensraum) بدعاوى الحكمة وإعادة التموضع والبحث عن مستقبل سلمي مشترك، سوف يُفضي حتمًا إلى إحكام السيطرة العسكرية والاستراتيجية والهيمنة الاقتصادية لنتنياهو وخلفائه على الشعوب العربية، سواء كان ذلك بالتوسع الجغرافي بالقوة أو تركيز الاستثمار في السنوات المقبلة على إفشال قدرات باقي الدول المحيطة وتصفير مواقفها.

وما من وقت ملائم لإنعاش بنك أهداف الاحتلال أكثر من العهد الحالي، حيث تخرج القوى الأوروبية والدولية بمحض إرادتها من دائرة الضوء وتنزوي خشية الصدام مع الفاشية الترامبية، وتنضم فيه دول عربية إلى مجلس سلام بمذاق التدمير والعدوان، وتخشى إعلان مواقفها الحقيقية (أو) الضميرية فتغدو المصالح الوطنية وجهة نظر!

لقد خاصَمَنا اليومُ والأمسُ ونال منا العجز والانكفاء، ولن يُصالحنا الغدُ إذا لم ندرك خصوصية لحظة التوحش الصهيوني الراهنة، وما سيتبعها من إبادة ممنهجة للشعوب والمقومات الحضارية.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.