العرب وحرب إيران.. فصل جديد من صراعات "الأخوة الأعداء"
على هامش الحرب التي اندلعت إثر العدوان الأمريكي - الإسرائيلى على إيران، أو ربما في قلبها، ظهر شكل للخلاف العربي - العربي لم يقف عند الأنظمة، إنما نزل إلى سجال تختلف درجة حدته بين الشعوب العربية نفسها، طفحت به السوشيال ميديا، في تجلٍ مختلف للصراعات العربية - العربية، التي انحسرت في العقود الفائتة بين أنظمة الحكم، وبعض أصحاب الخبرات والأقلام المرتبطين بها، أو المنتفعين منها.
أعادني هذا المشهد المؤلم ابتداءً إلى كتاب الدكتور أحمد يوسف أحمد عنوانه الصراعات العربية العربية.. دراسة استطلاعية، ناقش فيه هذه القضية عبر التحليل السياسي المقارن والتركيز على بعض الحالات، في الفترة من 1945 إلى 1981، منطلقًا من تعريف الصراع بأنه "مختلف أشكال التوتر أو التنافس أو المواجهة بين دولتين عربيتين أو أكثر، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو إعلامية"، دون اشتراط اندلاع حرب مباشرة بالضرورة، بل يقف عند حد القطيعة السياسية، والتدخل غير المباشر، والحملات الإعلامية، وهو في كل هذا قد يكون منخفضًا مثل الخلافات الدبلوماسية والإعلامية، أو متوسطًا كدعم معارضة أو تدخل غير مباشر، أو عاليًا مثل المواجهات العسكرية التي رأيناها متجسدة خلال حرب اليمن 1962. ومن حيث الانتشار قد يكون ثنائيًا، أي بين دولتين، أو إقليميًا يشمل عدة دول، ويمتد زمنيًا فيصبح مزمنًا، أو يكون مؤقتًا، فنراه عابرًا، أو قابلًا للتجاوز.
الإخوة الأعداء
تتنوع أسباب الصراعات، ما بين سياسيةٍ، حيث اختلاف أنظمة الحكم (جمهورية وملكية)، والتنافس على القيادة الإقليمية، والخوف من تصدير الثورات، وأيديولوجيةٍ حيث المواجهة بين النزعة القومية العربية والاكتفاء القُطري، وبين الراديكالية اليسارية والميول المحافظة، أو التقدمية والرجعية وفق أدبيات الخطاب السائد وقتها، وتوظيف أنظمة الحكم للصراع الخارجي في تصدير الأزمات الداخلية، أو الهروب منها، وتثبيت الشرعية.
لكل هذا بعد جغرافي، حيث النزاعات الحدودية، والتنافس الذي يخلقه الموقع الاستراتيجي، إضافةً لبعد اقتصادي يصنعه التنافس على الموارد، والتفاوت في الثروة، وبعد سكاني يتكئ على اختلاف تعداد البشر بين الأقطار، وكذلك ما يتولد عن حركات الهجرة، خصوصًا العمالة.
للعامل الخارجي دورُه أيضًا في نشوء هذه الصراعات وإزكائها، في ظل تدخل القوى الكبرى المتنافسة وقتها؛ الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وتوظيف الخلافات العربية في الصراع الدولي. فالخارج يتلقف الخلافات العربية لخدمة مصالحه، أو ينشئها لتحقيق هذا الغرض على حساب المصلحة العامة العربية.
وصلت ذروة "الحرب العربية الباردة" بين مصر والسعودية في الستينيات خلال حرب اليمن
تتنوع أدوات الصراعات العربية بين الإعلام والدعاية، والطرق الدبلوماسية كقطع العلاقات أو تحجيمها، والوسائل الاقتصادية مثل المعونات أو الحصار، والأساليب العسكرية حيث التدخل المباشر أو عبر الوكلاء، وصولًا إلى التخريب السياسي، من دعم انقلابات عسكرية، أو مساندة معارضات داخلية، ونادرًا ما تنتهي هذه الصراعات بشكل جذري، إنما بالإطفاء المؤقت، عبر الاتفاقات غير المستقرة، والهدن الإعلامية، أي أنها تُدار ولا تُحسم.
من الأمثلة المهمة لهذا الصراع ما عُرف بـ"الحرب العربية الباردة" بين مصر والسعودية في الستينيات الذي وصل ذروته في حرب اليمن، والخلافات الحادة بين الأنظمة الثورية والمحافظة، والتوترات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، خصوصًا الانقسام الذي أصاب النظام الإقليمي العربي بعد اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية عام 1979، وصولًا إلى الانقسام الأكثر حدةً عقب الغزو العراقي للكويت في 2 أغسطس/آب 1990، ثم التوتر الذي صاحب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
هواجس عربية متبادلة
يبرهن كتاب أحمد يوسف على أن الصراعات العربية - العربية بنيوية وهيكلية جوهرية ليست عارضة أو استثنائية، ما يعني أن الانقسامات التي تظهر بين حين وآخر لها جذورها، وتُعزى إلى طبيعة النظام الإقليمي العربي نفسه، وغياب آليات فعالة لإدارة الخلافات، كذلك غياب قواعد مستقرة للعلاقات بين الدول، وضعف دور جامعة الدول العربية والمؤسسية في العمل العربي المشترك، ما تسبب في الافتقاد إلى آليات ملزمة لحل النزاعات، وتغليب المصلحة القُطرية على العمل العربي الجماعي، وميل بعض الأطراف إلى تغليب الصراع على التعاون، والأهم تغييب الشعوب العربية في صناعة القرار، ما جعل الصراعات تنشب بين أنظمة حكم وليس بين دول ومجتمعات، وهي أنظمة يحل في رؤوس القائمين عليها شك متبادل، ومخاوف من التدخل، وهواجس الانقلابات.
هذا نفسه ما يركز عليه كتابٌ آخر صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بعنوان فهم الصراعات العربية شارك في تأليفه عشرة باحثين عرب، ويتناول الفترة التي أعقبت "الربيع العربي"، وقدموا إحصاءات حول عدد القتلى والإصابات والنازحين واللاجئين قسرًا أو طوعًا، والخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عنها.
سعى المؤلفون إلى فهم هذه الصراعات، وما إذا كانت في حقيقتها خلافًا أو نزاعًا أو صراعًا، في ضوء تأثير الدين وتوظيفه في تبرير الصراع وتغذيته، وكذلك الثقافات الفرعية، ودور القبيلة في تقويض سيادة القانون ومعاداة الدولة، ثم التدخل الخارجي، الذي ساهم في تأجيج الصراع أو تسبب في نشوئه أساسًا، سواء كان صراعًا داخل حدود الدولة، مثل الحروب الأهلية، أو النزاع مع الدولة، أو كان صراعًا بين الدول نفسها، أو حروبًا بالوكالة.
أطياف غزة
اندلعت الحرب الأخيرة ضد إيران دون أن يكون هناك حسم أو معالجة جذرية للصراعات العربية - العربية، فاستعيدت بعض أدواتها وأسبابها وامتداداتها القديمة. فقبيل الحرب مباشرة كان الخلاف السعودي - الإماراتي قد بلغ أشده، وبقيت المشكلات القديمة بين المغرب والجزائر على حالها، كما استمرت النزاعات الداخلية التي تتخذ في بعض البلدان شكل الحروب الأهلية أو تقف على حافتها، حسبما نرى في السودان واليمن والصومال وليببيا ولبنان وسوريا والعراق، فيما ظلت الاحتقانات الاجتماعية لأسباب اقتصادية وسياسية في بلدان أخرى على وضعها المعتاد.
جاءت الحرب الأخيرة عقب "إبادة جماعية" ارتكبتها إسرائيل ضد أهل غزة، أشعلت وقتها التلاسن الحاد بين الجمهور العربي، بني كثير منه على موقف الأنظمة الحاكمة، بين من غض الطرف عن العدوان الإسرائيلي، لأسباب أيديولوجية، باعتبار أنه يقوم ضد "تنظيم إسلامي مسلح"، ومن لاذ بالصمت، ومن عجز عن اتخاذ موقف صارم من أفعال إسرائيل، ومن اكتفى بالتصريحات والبيانات والتحركات الدبلوماسية والقضائية الخجولة، حتى أن موقف الحكومات العربية لم يرتق في الإجراء إلى ما أقدمت عليه جنوب إفريقيا برفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل، أو كولومبيا التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية بدولة الاحتلال، أو على مستوى لغة الخطاب التي رأيناها عند إسبانيا وبعض دول أمريكا اللاتينية.
ربط جمهور عربي غفير، وأمامه بعض النخب السياسية والثقافية، العدوان الإسرائيلي - الأمريكي على إيران بأحداث غزة الدامية، التي انتهت بمشهد غاية في الانحياز والتغطرس من قبل واشنطن أعاد طرح الاستعمار التقليدي كحل إجباري، ومن ثم اعتبر بعض الجمهور إيران الحل الإجباري المضاد.
في زحام هذه التجاذبات انخرط الجمهور العربي في صراع مرير على السوشيال ميديا، بين من يرى إيران تثأر لغزة، ومن يراها تدافع عن نفسها، أو حتى عن الشرق في ظل إعلان الأمريكيين والإسرائيليين أنها حرب دينية، ومن يطلب منها قصر الدفاع والرد على إسرائيل وقواعد أمريكا في بلدان الخليج، ومن لم يشغله امتداد الرد الإيراني إلى ما هو خارج المصالح الأمريكية في الخليج حيث المصالح الوطنية المدنية الخليحية، في ظل اعتقاد البعض أن أداء إيران يمنع تغول إسرائيل، وتنفيذ مشروعها حول شرق أوسط جديد تقوده وتتسيده، أو مشروع إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، الذي يطرح على حساب سبع دول عربية إلى جانب تركيا وإيران.
هل العالم العربي وطن أم مجرد نظام إقليمي مضطرب ومتفكك
صرنا أمام فصل جديد لصراع أو خلاف عربي - عربي، يتأسس على شق رسمي حيث مطالبة دول الخليج دولًا عربية بالدفاع عنها عسكريًا، أو انتقاد لعدم توحد الموقف الخليجي الراهن على مستوى الخطاب والممارسة في الحرب الدائرة، ومطالبة أخرى لبلدان عربية بعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وشق شعبي، وهذا هو الأخطر، حيث التراشق بين المواطنين العرب، الذي وصل إلى حد أشد ضرواة مما جرى أيام الاحتلال العراقي للكويت، ربما لظهور السوشيال ميديا في هذه الحرب، ولعبها دورًا واسعًا في تعبئة وتجييش الرأي العام.
في ظل ما يجري يعاد طرح ما ورد في كتاب النظام الإقليمي العربي لعلي الدين هلال وجميل مطر من تساؤلات تدور حول: هل هو "وطن عربي" أم "عالم عربي" أم هو "الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" حسب التوصيف الذي يصر عليه الغرب.
السؤال الأهم هو: هل العالم العربي وطن أم مجرد نظام إقليمي مضطرب ومتفكك، يعاني من خلل هيكلي أو بنيوي؟ هل نحن اليوم في استعادة جارحة لزمن ملوك الطوائف في نسخة أكثر رداءة، بعد أن صار المغول والفرنجة من بني جلدتنا؟
ربما لا تعطي الأحداث المتسارعة المعنيين وقتًا للإجابة على هذه الأسئلة الجوهرية، خاصة من المثقفين والخبراء والسياسيين، لكنني أعتقد أن فعل ذلك ضروري جدًا بعد أن تضع الحرب أوزارها، في ظل سعي جاد ومخلص ومتواصل لتحويل المشكلة إلى فرصة، والمحنة إلى منحة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
