عنق الزجاجة.. ماذا جرى لاقتصادنا في 10 سنوات؟
من يُمعن النظر في حال الاقتصاد المصري يقف على عدةِ سمات، بعضها موروث من عقود خلت، وبعضها طفا على السطح بقوة في العقد الأخير (2016-2026) وتغلغل في شرايين اقتصادنا، وأصبح جزءًا من مشكلاته المزمنة التي اصطلحنا على تسميتها عنق الزجاجة، دون أن نعرف كيف نفلت من ضيقها إلى براح حياة اقتصادية أفضل.
السمة الأولى تتعلق بالفلسفة الخاطئة، أن الإنسان المصري في خدمة الاقتصاد، وليس العكس، فتُطلق مشروعات لا يُنظر إلى عائدها على الشعب، ولا يُعامل على أنه صاحب الأرض والمال والسيادة والشرعية، ويُطلب منه الصبر على توجهات اقتصادية لا تراعي مصالحه، بدعوى أنها ستكون في صالحه مستقبلًا، وأن من أطلقوها يعرفون الصالح العام لكنهم في حِلٍ من إعلان كل ما يفعلون وما ينوون فعله على الملأ، وعلى الشعب أن يثق فيهم طوال الوقت دون مساءلة أو محاسبة.
في مثل هذا التصور المقلوب يصبح النجاح مقيدًا بتحقيق ربح؛ أي ربح، حتى لو كان دفتريًا، دون أن يذهب إلى الموازنة العامة للدولة، أو يترتب عليه تحسُّن الأحوال المعيشية للمواطنين.
فلسفة اليد السفلى
تُعامِل الفلسفة الخاطئة المواردَ المتاحةَ على أنها أقل كثيرًا من إشباع الحاجات، وتنطلق السلطة من قاعدة أن "مصر بلد فقير جدًا"، وليست بلدًا يخفق أصحاب قراره في إدارة موارده، أو بلدًا أتعرض للإفقار، أو يفتقر لأفكار مبدعة تنقله إلى الكفاية، ومنها إلى الرفاه، أو على الأقل العيش الكريم.
هنا تأتي السمة الثانية متمثلةً في تعطل الطاقات الذاتية، فمصر لا تخلو من موارد طبيعية، بعضها تتمتع فيه بميزة نسبية، سواء كان محاصيل زراعية أو صناعات مربوطة بجيولوجيا الأرض، وبعضها خدمي على رأسه السياحة والنقل، وهناك بالطبع المورد البشري، إذ إن 65% من المصريين الآن في مرحلة الشباب، وهي قوة عمل جبارة لو وجدت تعليمًا وتدريبًا جيدًا.
تنتظر اليد السفلى مساعدات وهبات وإعانات أو منحًا لا ترد
بدلًا من تعميق التصنيع المحلي، يكون الميل إلى تصدير المواد الخام، وبدلًا من دفع الشباب إلى ساحات العمل يكدحون وينتجون، يُفتح الباب لهجرتهم للخارج، ليصبحوا مجرد مصدر للعملة الصعبة.
السمة الثالثة، اعتبار الجزء الأكبر من الحل خارجيًا، ومظاهر هذا لا تخفى على أحد؛ هناك ديون تتراكم بلا هوادة، تأتي مشروطة، وتصرف في أوجه إنفاق ليست في أولويات الشعب الآن، حيث الإفراط في البنية التحتية، ومشروعات مظهرية.
هناك أيضًا اليد السفلى التي تنتظر مساعدات وهبات وإعانات أو منحًا لا ترد من الخارج. والسعي المحموم المتواصل لييع أصول الدولة لأطراف خارجية، دول أو شركات، في سبيل سد فوائد الدين.
تعمية متعمدة
لا تكف الدولة عن مناداة المستثمرين الأجانب دون خطة متكاملة لتوجيه هذه الاستثمارات إلى مشروعات إنتاجية، وليس للتوسع في مجال العقارات، الذي تعاني مصر من تخمة فيه. هناك كذلك الأموال الساخنة، التي ما إن تأتي حتى تهرب ساحبة معها العملة الصعبة في صيغة فوائد بنكية مرتفعة بالمقارنة بما هو موجود في بلدان أخرى.
في المقابل تُروَّج العوامل الخارجية ذريعةً لإعاقة الاقتصاد، وتُبرَّر كثيرٌ من المشكلات الاقتصادية الراهنة على أنها ابنة ظروف خارجية، مثل جائحة كورونا، ثم هجوم "قوات التحالف" على اليمن وأثره على الملاحة في قناة السويس، ثم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وأخيرًا الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، قبل كل هذا الحروب الأهلية والاضطرابات الاجتماعية في بعض البلدان المحيطة ما فتح بابًا لنزوح الملايين إلى مصر، وتشكيلهم ضغطًا على الاقتصاد.
هذا التصور ليس خاطئًا بالكامل، لكن هناك تعمية متعمدة على أشياء من قبيل نجاح بعض الدول في تحويل المشكلات إلى فرص، وضرورة وجود حكومة قادرة على إدارة الأزمات بما يخفف من آثارها السلبية اقتصاديًّا واجتماعيًّا، ووجود فوائد جنتها مصر جراء كل هذا لا تذكر.
في بعض الأحيان تكون "مصائب قوم عند قوم فوائد"، على سبيل المثال لا الحصر، بقيت مصر آمنة سياسيًا واجتماعيًا إلى حد معقول. حتى لو كانت هناك تهديدات لا يمكن نكرانها تحيط بمصر من كل جانب فقد تم التعامل معها وفق قاعدة التسكين والمسايرة والانتظار. هذه البيئة الآمنة نسبيًا صنعت فرصًا متتالية لجذب رؤوس الأموال الخارجية مستثمرةً لا دائنة، لكن للأسف ضُيعت تباعًا، وبشكل يدعو إلى العجب.
فساد يصنعه الإهمال
السمة الرابعة هي استمراء الأفعال والممارسات التي صنعتها "البدايات الخاطئة"، فالدولة كان عليها في العقد الأخير أن توجه الجزء الأكبر من الإنفاق على التعليم والصحة، حسبما يقر الدستور ويحدد، وكذلك على المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، لكنها تتبنى أسلوب "تعليم القلة"، وتنظر إلى التعليم على أنه يخلق وعيًا بالحقوق، ما يشكل ضغطًا سياسيًا على السلطة تسعى إلى التخلص منه، أو كبته.
وتتخلى الدولة تدريجيًا عن واجبها في الإنفاق على الصحة، لصالح التوسع في خصخصة المستشفيات، وعدم تحقيق تقدم ملموس في مسار "المنظومة الجديدة للتأمين الصحي"، وحصار الأطباء ما يدفعهم إلى مواصلة الهجرة.
أما المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر المفترض أن تحد طريقة تطبيق أمينة وصادقة في الواقع المعيش، فلا وجود لها إلا على الورق، مع ظهور ما يشبه "المافيا" التي تحصل على الأموال البنكية المخصصة لهذا.
هذه الأموال تُصرف لأفراد تسجل المشروعات بأسمائهم، لكنها تذهب لجيوب صارفيها يعيدون إيداعها بفوائد أكبر، مقابل حصول أصحابها الأصليين على مقابل ضئيل، لتبقى المشروعات صورية، لا أثر لها في الواقع، بينما تعرضها الحكومة في جداول ما تصفه بإنجازاتها.
يزيد الفساد السياسي المتمثل في الانفراد بالقرار والميل إلى الاحتكار الوضع سوءًا
تتمثل السمة الخامسة في إهمال التنظيم والإدارة، رغم أنهما ركيزة أساسية للقوة بمعناها العام، وفي المجال الاقتصادي بوجه خاص. فضلًا عن الإهمال المزمن في هيئات الحكومة ومؤسساتها، لم تسند المشروعات الإنتاجية التي أُطلقت في العقد المذكور إلى أهل الكفاءة والاختصاص، إنما وضعت في أيدي "أهل الثقة"، فكان نصيب أغلبها الإخفاق والبوار.
تتعلق السمة السادسة بانتشار الفساد بشتى صوره؛ أخلاقي ومالي وإداري، فتحول إلى سوس ينخر في عظم الاقتصاد، إذ ينظر الفاسدون إلى المال العام باعتباره فرصةً لتحصيل منافع لهم، ولا يتم التدقيق في مسألة التكلفة والعائد، أو إعداد دراسات الجدوى للمشروعات.
ثم يأتي الفساد السياسي المتمثل في الانفراد بالقرار، والميل إلى الاحتكار، ليزيد الوضع سوءًا، فكثير من المشروعات العملاقة قامت بأمرٍ من أعلى، دون دراسات علمية، وبعضها يهدف لخلق زبائن موالين للسلطة أكثر منها دفع الاقتصاد قدمًا.
مراجعة مطلوبة
رغم إعلان السلطة السياسية الدائم لمحاربة الفساد، ومعاقبتها الفاسدين بطرقها الخاصة أحيانًا، فإنها لا تتبنى آلية ناجعة في هذا، ويعتمد الأمر على مصادفات أو تقارير أمنية أو بلاغات شخصية يمكن أن تقود إلى ضبط فاسد أو عصابة فاسدة، ووقتها لا تتهاون السلطة معهم في استرداد ما اختلسوه من مال عام.
لكن المناخ عمومًا لا يغلق الباب أمام الفساد المتجدد، أو يخفضه إلى الحد الأدنى، إذ لا يزال هناك تعامل مع مال الدولة، أي مال الشعب، خارج المؤسسات الرقابية، مثل بعض الميزانيات وأموال الصناديق الخاصة رغم المناداة بإلغائها، كما يزيد عدد السماسرة وأصحاب مكاتب التشهيلات والتخليصات. كل هذا فتح نوافذ عديدة للفساد، وأقام جدرانًا كثيرة يختبئ خلفها الفاسدون.
هذا النوع من التفكير بات في حاجة ماسة إلى مراجعة، وإلا ذهبت كل جهود تحسين الأحوال الاقتصادية سدى. هذه المراجعة يجب أن تقوم على أسس راسخة، تجعل الحل داخليًّا، وتحول الطاقة المعطلة إلى طاقة مفعَّلة، وتبحث عن الفرص البديلة، وتعزز من التأثير الإيجابي للفرص المستغَلة، عبر إطلاق الإنتاج، وإسناد الإدارة إلى الأكفاء، ومنح اقتصادنا قدرًا من المناعة، لا سيما بعدما أصبح بابًا للتأثير على استقلال القرار السياسي، سواء في تسيير الشؤون الداخلية، أو رسم ملامح الدور الإقليمي لمصر.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.