تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
المدونون وجيل الإنترنت انضموا لمعركة التغيير وغيروا المعطيات.

في سؤال التنظيم| نشطاء الإنترنت و"شباب من أجل التغيير" وميلاد جيل جديد

منشور الخميس 19 شباط/فبراير 2026

مع نهاية 2004، وظهور حركة "كفاية" في الشارع، اندفع جيلٌ من الشباب إلى المشهد السياسي، وإن كان في مسارين منفصلين ظاهريًا؛ جزءٌ منهم اختار العمل بمعزل عن "كفاية"، والآخرون فضلوا التنظيم تحت مظلتها.

في البداية بدا الطريقان مختلفين، لكن اندفاعة الشارع وحيوية اللحظة دفعتهما تدريجيًا إلى نقطة تماس، ستُصاغ منها الملامح الأولى لجيل التغيير.

ميلاد السياسة الرقمية

لم تكن هناك حدود واضحة بين دائرة من المدوّنين المهتمين بالشأن العام ومجموعة من الأناركيين. الجميع تحرّك داخل شبكات صداقات صغيرة ودوائر ثقة تتداخل مع بعضها البعض في نسيج مرن خلق "مزاجًا عامًا" وحضورًا ثقافيًا لافتًا.

يمكن وصف هذه الحالة بأنها شبكات غير مرئية؛ ليست تنظيمات ذات هياكل واضحة، لكنها شبكات مترابطة تحت السطح، تتقاطع فيها العلاقات الشخصية مع الفعل العام، وتتحرك بين الإنترنت والشارع بسلاسة.

جذبت هذه الشبكات أشخاصًا لم يكونوا معنيين بالسياسة أصلًا: مصمّمين ومبرمجين وجيمرز ومهندسين. أصبح بعضهم لاحقًا النواة التقنية لحركة التغيير برمّتها.

وسط تنوع الحالة، برز تيار متأثر بـالثقافة المضادة/counterculture، وهي حركة ثقافية واجتماعية تقوم على رفض السلطة والهرمية، والنفور من أي قيادة أو تنظيم، والإيمان بأن الفعل السياسي ممكن بلا هياكل مركزية، مع روح تمرد مطلق واستخدام فعّال للفضاءات البديلة.

في مدوّناتهم التي اختفى كثير منها لاحقًا اختلطت اليوميات بالسخرية من السلطة والمعارضة التقليدية

استلهم هذا التيار من ثقافة البانك/Punk Culture مبدأ افعلها بنفسك/DIY، وجمالياتها البدائية: الزينز/Zines (نشرات صغيرة مصنوعة يدويًا)، الجرافيك الخام، الكولاج، والملصقات سريعة الإنتاج، كما استلهم روحها الساخرة الرافضة في تفكيك السلطة والسخرية منها.

وتبنّى فعلًا احتجاجيًا ثقافيًا/Cultural Protest Action، يستخدم الثقافة والفن للتعبير عن المطالب السياسية والاجتماعية بطرق غير تقليدية، وهو ما جعله قريبًا من مشهد الجرافيتي في مرحلة مبكرة (2006-2007)، حين جرّبوا قوالب الاستنسل على الكباري والجدران قبل أن يتحول الجرافيتي إلى ظاهرة كبرى بعد الثورة.

جرافيتي من ميدان التحرير

أدخل هذا النمط المبتكر من الاحتجاج حسًا جديدًا من الجرأة والخيال السياسي، وأنتج لغة احتجاج غير قابلة للتوقع، تركّز على كسر الهيبة أكثر من كسب المعركة.

هذا النمط بطبيعته يملك سقفًا واضحًا: فهو قادر على صناعة قلق سياسي، وقد فعل ذلك بنجاح، لكنه غير قادر على البناء؛ إذ لا يحتوي بنيويًا على "وصفة للبناء"؛ أولًا بسبب سيولته، وثانيًا لاعتماده على أفراد لديهم استعداد دائم للمخاطرة العالية، ما يجعل توسعه خارج دوائر محدودة من الشباب أمرًا شبه مستحيل.

في مدوّناتهم، التي اختفى كثير منها لاحقًا، اختلطت اليوميات بالسخرية من السلطة والمعارضة التقليدية، مع الهوامش الشخصية، وترجمات لأفكار باكونين وكروبوتكين، والترويج لمفهوم "السياسة اليومية"؛ التي تبدأ من حرية الفرد واختياراته الصغيرة، لا من البرلمان والأحزاب.

بفضلهم، تحوّل الإنترنت من مساحة شبه "سرّية" للهواة إلى فضاء عام بديل. لم يعد مجرد أداة لنشر المعلومات أو تبادل الآراء، إنما أصبح ساحة سياسية بامتياز. وساعدت ملتقيات المدوّنين العرب، التي نظّمتها جهات صحفية، في بناء شبكة إقليمية ممتدة.

من الفضاء التخيلي إلى الشارع

اشتبك نشطاء الإنترنت مع قضايا السجون والاختفاء القسري، ونشروا أول توثيق منهجي لانتهاكات الشرطة، بما في ذلك فيديوهات التعذيب داخل الأقسام، ما أحدث صدمةً في الرأي العام وأربك أجهزة الأمن.

كما اشتبكوا مبكرًا مع الشرطة في الشارع عبْر الكاميرات، ومع هذه المواجهات ظهر الشعار الذي سيرافق جيلًا كاملًا لاحقًا: "انزل صوّر… وصوّر اللي بيصوّرك". دعوة مزدوجة لتصوير انتهاكات الشرطة، وتصوير عناصر الأمن الذين كانوا بدورهم يصوّرون النشطاء، ثم نشر هذه المواد بهدف التشهير.

كما نظّموا أول اعتصام مفتوح في الشارع، كان تضامنًا مع اعتصام القضاة في ناديهم، وكتبوا على أسفلت شارع عبد الخالق ثروت عبارة "منطقة محرّرة".

الشباب الذي اكتشف إمكانات الإنترنت في التنظيم والتعبئة وكسر احتكار الإعلام لم يرَ في "كفاية" مظلة له أصلًا؛ إذ اعتبروها جزءًا من المشكلة لا الحل. فالإنترنت منحهم مساحة حرة للتجريب والنقاش وطرح المبادرات بلا إذن من قيادة أو حاجة إلى هيكل.

ورغم موقفهم النقدي من "كفاية"، لعب بعضهم دورًا مهمًا في تطوير بنيتها الرقمية. كان موقع "كفاية" القائم آنذاك محدود الإمكانات، ومنفصلًا عن منتداها المعروف بـ"مندرة كفاية". وبطلب من الحركة، تولّى هؤلاء الشباب تصميم موقع جديد يجمع بين المحتوى الإخباري ومنتدى النقاش، لكنهم ذهبوا أبعد من ذلك بكثير.

كان الشباب القادم إلى الحركة من التنظيمات السياسية يرون نشطاء الإنترنت غير جادّين

جرى ربط الموقع بتويتر في لحظاته الأولى، حين كان لا يزال معتمدًا على الرسائل النصية القصيرة في زمن لم تكن فيه الموبايلات انتشرت بعد، وهو السياق الذي يفسّر حدّ الـ140 حرفًا. استخدم التقنيون الشباب تويتر بطريقة مبتكرة لجمع الأخبار من الشارع ونشرها لحظيًا على الموقع. كانت كثافة الاستخدام من مصر أحد العوامل التي دفعت تويتر لاحقًا إلى تعطيل خدمة الرسائل النصية خارج الولايات المتحدة وكندا، نظرًا لارتفاع تكلفة الرسائل الدولية على الشركة.

ولم يكن الموقع مجرد واجهة إعلامية، بل تضمّن نظامًا لإدارة العلاقات والتنظيم (CRM) يتيح تتبّع العضوية والتواصل الداخلي، بالإضافة إلى مجموعات عمل تتيح التشبيك بين الأعضاء على أسس جغرافية أو مهنية أو موضوعية. كما تضمن آليات تواصل واتخاذ قرار؛ شبكة اجتماعية بدائية، سابقة زمنيًا على ظهور فيسبوك في مصر.

من مظاهرات كفاية

ورغم جاهزية هذه الأدوات، لم تُفعّل "كفاية" البعد التنظيمي الكامن في الموقع؛ إذ إن إتاحة تنظيم قاعدي فعلي، وتشكيل مجموعات مستقلة قادرة على المبادرة واتخاذ القرار، كان من شأنه تغيير طبيعة الحركة النخبوية وإعادة توزيع السلطة داخلها، وهو ما لم تكن القيادة مستعدة له.

أما الشباب، فاستمروا في دورهم الداعم: وثّقوا مظاهرات "كفاية"، وغطّوا فعالياتها، وصمّموا البوسترات، ونشروا الدعوات، وشارك بعضهم في "لجنة الإعلام الإلكتروني". ظلّوا خارج "كفاية"، لكنهم جعلوا مظاهراتها حدثًا رقميًا ينتشر خلال ساعات.

دخلوا السياسة بروح تمزج بين اللعب والسخرية، مستخدمين أسماء عبثية مثل تنظيم 30 فبراير العنقودي، وحين دعوا إلى كنس السيدة اعتراضًا على ممارسات وزارة الداخلية، وقيل عنهم إنهم "متخلّفون"، ردّوا بالطريقة نفسها، وأطلقوا على أنفسهم "متخلّفون من أجل التغيير".

يومها أغلق جورج إسحق، المنسّق العام لحركة "كفاية"، هاتفه طوال المظاهرة، ثم ظهر بعد نجاحها أمام الكاميرات كأنه من دعا إليها.

كان الشباب القادم إلى الحركة من التنظيمات السياسية يرى نشطاء الإنترنت غير جادّين، يعيشون في الفضاء الافتراضي، بينما رأى هؤلاء أن أقرانهم السياسيين "دقّة قديمة"، وأن اجتماعاتهم بطيئة ومملّة لا تواكب إيقاع الواقع الرقمي المتسارع.

ومع ذلك، ضاقت هذه المسافة تدريجيًا حين بدأ نشطاء الإنترنت تنظيم مظاهرة كل يوم أربعاء، فلفتوا انتباه "شباب من أجل التغيير". ومع الوقت امتزج الشارع بالإنترنت، وصار ما بدا عالمين متباعدين مصدرًا واحدًا للطاقة السياسية الجديدة. 

شباب من أجل التغيير: ديناميكية الشباب في مواجهة القيادة

شكّلت مظاهرات "كفاية" مساحة جذب التقى داخلها نوعان من الشباب؛ شبابٌ مسيّس، قادم من تنظيمات وأحزاب، أو من خبرة العمل الطلابي داخل الجامعات، وشبابٌ آخر جديد تمامًا خرج من غرف الـPaltalk ومنتديات النقاش الرقمية، بعد أن ضاق ذرعًا بالفضاء الافتراضي المتخم بالكلام والصخب بلا فعل حقيقي، وكان يتلهّف لفرصة للنزول إلى الشارع.

كلا الطرفين لم يجد لنفسه مكانًا داخل "كفاية" الأم، التي افتقرت إلى بنية تنظيمية قادرة على استيعاب هذه الطاقة.

لاحظ "الاشتراكيون الثوريون" هذا المشهد، ورأوا إمكانية لتنظيم الشباب رغم اختلافاتهم. فدعوا إلى نقاش موسّع حول تأسيس إطار شبابي داخل الفضاء الرمزي لـ"كفاية"، ووجّهوا الدعوة لشباب حزب العمل (المجمّد)، وشباب الكرامة (تحت التأسيس)، إلى جانب عدد من أبرز الوجوه الشبابية المستقلة.

مسيرة ارتفعت فيها أعلام اليسار، شاركت فيها الحملة الشعبية من أجل التغيير "الحرية الآن" تحت شعار "لا للتمديد.. لا للتوريث.. لا لحكم العسكر"، انطلقت من دوران شبرا، 22 يونيو 2005

هكذا نشأت مجموعة "شباب من أجل التغيير" في مارس/آذار 2005، كخلوة شبابية داخل إطار "كفاية".

كان هدفها تشكيل مجموعات عمل متخصصة، وتنظيم فعاليات صغيرة ومتوسطة، والتحرّك السريع، والتنسيق الميداني، وبناء جسور مع جيل الإنترنت وطلبة الجامعات، وهو ما منحها، في وقت قصير، ديناميكية استثنائية.

لكن هذه الديناميكية اصطدمت سريعًا بعقلية القيادة؛ إذ ظلّت قيادة "كفاية" تعمل بمنطق البيان، والاجتماع المغلق، والقرار الذي يصنعه عدد محدود من الأشخاص.

بينما كان الشباب يريدون حركة أكثر قدرة على المبادرة اليومية والابتكار التكتيكي، تستخدم الإنترنت في التنظيم والدعاية، وتتحرّك بخفة، لا يثقلها الطابع النخبوي للحركة الأم.

تكرّر الإحباط مرارًا، كلما بادر الشباب بفعل جريء؛ تظاهرة مفاجئة، اعتصام، هتافات جذرية ضد مبارك، اعتبرته القيادة "جنونًا" ينبغي كبحه.

وزاد الانفتاح الأيديولوجي الهوّة اتساعًا. كانت "كفاية" حريصة على توازن دقيق بين التيارات المختلفة، اليسار، والناصريين، والليبراليين، والإسلاميين، أو على الأقل هذا ما كانت تعلنه.

أمّا "شباب من أجل التغيير" فكانوا أقلّ اكتراثًا بهذه الحسابات، وأكثر ميلًا للتعاون مع أي طرف يشاركهم الفعل الميداني المباشر، بغض النظر عن موقعه في معادلة القوى القديمة أو حساسياتها.

داخليًا، كان هناك حرص فعليّ على أن يعكس النقاش تنوّع المجموعة؛ فإذا غاب ممثلو أحد التيارات أو المجموعات المشاركة عن اجتماع مهم، توقّف الحاضرون للتواصل معهم قبل اتخاذ أي قرار، في محاولة واعية للحفاظ على روح الشراكة رغم اختلاف الخلفيات.

لكن التوتر بين الشباب وقيادة "كفاية" ظلّ يتفاقم مع الوقت، إلى أن وصل حدّ القطيعة.

ففي أكتوبر /تشرين الأول 2006، أعلنت مجموعة "شباب من أجل التغيير" انفصالها رسميًا عن "كفاية"، احتجاجًا على غياب الديمقراطية الداخلية، والوصاية التي تمارسها القيادة على قرارات المجموعة، بما في ذلك تحديد أماكن تنظيم المظاهرات، وتوقيتاتها، وطريقة إدارتها.

بمرور الوقت انحصر ما تبقّى من نشاط "شباب من أجل التغيير" في مناوشات عقيمة على القائمة البريدية

أنهى الانفصال مسارًا أطول من فقدان الثقة، تفاقم خصوصًا بعد استضافة "كفاية" عددًا من أعضاء الحزب الوطني وبعض الوزراء في سحور رمضاني، وهي خطوة فسّرها الشباب باعتبارها إشارة تهدئة أو تفاهمًا غير معلن مع السلطة، يتناقض مع خطاب الحركة وممارساتها في الشارع.

عمليًا، بدأت المجموعة في التفكك قبل ذلك بالفعل، تحديدًا مع انتخابات الرئاسة عام 2005، حين انصرف معظم أعضائها إلى ساحات أخرى: المعارك الانتخابية، ثم موجة الحراك الاجتماعي التي اندلعت أواخر عام 2006.

بمرور الوقت، انحصر ما تبقّى من نشاط "شباب من أجل التغيير" في مناوشات عقيمة على القائمة البريدية، بلا أثر فعلي في الشارع، وبلا قدرة على استعادة الزخم الذي ميّز لحظتها الأولى.

ورغم هذا التآكل السريع، ظلّ كثير من أعضائها يعرّفون أنفسهم لسنوات بوصفهم "شباب من أجل التغيير". كما تحوّل نموذجها، بانفتاحه وديمقراطيته وحيويته وإبداعه، إلى مصدر إلهام لتجارب شبابية لاحقة، قررت نتيجة هذه التجربة الصدامية مع قيادة "كفاية" أن تتنظم منذ البداية خارج إطارها وباستقلال تام عنها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.