أطفال يناير.. رجال ونساء في عالم برزخي
حسنًا فعلت المنصة بتقديمها ملفًا أسمته "يناير وGen Z: تكلم حتى أراك"، وهو مجموعة من المقالات والمقاربات عن معنى ونتائج ودروس ثورة يناير بالنسبة لمن عاشوها أطفالًا كأطياف ومشاهد، وباتوا الآن أكثر من عشرين شابًا وشابة بانحيازاتٍ ديمقراطيةٍ وتقدميةٍ، وهذا هو التوصيف المنضبط في ظني عوضًا عن مسميات مثل "جيل زد" و"جيل صفر - واحد".
عنوان الملف نفسه يفضح واقعنا الحالي: أكثر من عشرين كاتبًا غير مرئيين، أبناءُ زمنٍ لا يُفصح الناس فيه بسهولةٍ عمّا يجول في خواطرهم، فيصبح التعبيرُ أقربَ إلى استغاثةٍ من تحت الأنقاض منه إلى جدلٍ جادٍّ ومنضبط.
حين شاركتُ الملف مع أحد الأصدقاء، عبَّر عن ضجره وعدم ارتياحه تجاه عدد من المقالات المكتوبة من زاوية محددة، واستخدم لفظ "agency" في إشارة إلى افتقار كُتَّابِ المقالاتِ قدرةَ الحلم التي تُمكِّنهم من الإيمان بقدرتهم على الفاعلية والتأثير وامتلاك القرار، وبالتالي الخيال الساعى إلى خوض تجربةٍ جديدةٍ بشروط صراعات اللحظة الراهنة، وإذا تم لهم هذا عندها سيكون لهم اسمٌ آخر حقيقيًا؛ ليس "جيل زد"، ولا "أطفال يناير" بالطبع.
وكان ردي عليه أن الفكرة الصحيحة منهجيًا لا يمكن أن تتحول إلى أداة للقفز المتملص فوق واقعٍ يئن تحت ثقله هؤلاء الشباب والشابات في مقتبل العمر؛ فهذا مدخلٌ لا يبني جسرًا ولن يرسو في مرفأ. الناس عالقون في يناير ليس للاستعراض الرومانسي، ولكن لشروطٍ ماديةٍ أنتجتها هزيمة ثورة يناير، ترتَّب عليها نزوعٌ نظاميٌّ لاجتثاث كل شرط سياسي واقتصادي واجتماعي من شأنه إعادة فتح بابٍ لإنتاج الكابوس مرة أخرى.
لقد كانت ثورة يناير حدثًا مُزلزلًا، دمّر كثيرًا من الأبنية الرمزية والمعاني التي سبقتها، وغيّر وعي الحكام والمحكومين ونفسياتهم على حد سواء، ومعها تغيّرت شروط تعاقدهم السابقة. هذا التغيير جعل من الذين أتوا بعدها أحياءً في عالمٍ برزخي، يحكمه الخوف والهواجس، ويحكمه لدى البعض إعادة اكتشاف العجلة وربما النار.
كتبتُ هذه الفكرة عام 2016 في مقال "أشباح يناير التي تنتظر النقد الذاتي والمراجعة"، شبَّهتُ فيه ثورة يناير بحجرٍ أتى من علٍ ليهدم قريةً بيوتها من طين، كشف هشاشتها، ثم ما لبث أن تفتّت، ليترك المشهدَ كلَّه في فراغٍ موحشٍ يحتاج إلى تأسيسٍ ذي عزمٍ، وتدبّرٍ نادرِ الوجود.
حطَّمت يناير عالمًا قديمًا، على المستويات الأيديولوجية والرمزية تحديدًا، ولم تُنشئ جديدًا حتى الآن، إلّا إذا كان من يقرأني الآن يعتبر نفسه حيًّا في ظلّ "جمهوريةٍ" من الأساس فضلا عن كونها جديدة.
ومن داخل هذا العالم البرزخي، بكل ملامحه، كتب العشرون رجلًا وامرأةً مقالاتِهم؛ وهو ما يفسِّر ويبرِّر لماذا تظلّ يناير، حتى الآن، حدثًا محوريًا حتى لمن عايشوها أطفالًا.
ثورة ماتت وتحللت فأنبت طينها
على المستويات الفردية والشخصية، الثورات تجربةٌ إنسانيةٌ يتكثف فيها الزمن، ويزداد كثافةً باشتداد تورّط الإنسان فيها. زمن الثورات مرهقٌ ومؤلمٌ لكل معايشيه من مختلف المواقع؛ يتحرك بندول المشاعر والإدراكات بحريةٍ وعنف، بشكلٍ يتغلّب فيه الصراعُ ودروسه على الطاقة النفسية والجسدية للإنسان الفرد، منتصرًا كان أم مهزومًا.
ربما قارب جاسر الضبع هذا الأمر في مقاله عن جيل يناير، الذي رآه مصابًا بالتروما بعد أن صنع المعجزة. وربما يسري الأمر نفسه على كل من كانوا جزءًا من التجربة، من مختلف المواقع، لا على الثوار وحدهم؛ فالتروما ليست مرادفًا للهزيمة؛ لأن الانتصارات العنيفة أيضًا تُغيّر أصحابها.
أما على المستوى الجماعي، فالثورات تجارب فاصلة بين مرحلتين؛ تؤرّخ لما قبلها كزمنٍ بائد، وتُشكّل ما بعدها بعنف. الثورات المظفّرة تخلق عالمًا جديدًا يبدو في بدايته قاسيًا وغريبًا، ثم يغدو سيدًا مستقرًا ومألوفًا. أما الثورات المهزومة فتنتج خرابًا يمتد لعقود، يستجدي خلالها المجتمع الحد الأدنى اللازم لاستمرار الحياة، تحت أشد السقوف انخفاضًا، في حالةٍ معلّقة بين الرضا والقنوط والخدر. ولسنا في حاجة إلى تعريف موقعنا الآن.
انتهت ثورة يناير، لكنها بقيت حيّةً في موتها؛ ثقيلةَ الأشباح، تطارد الجميع بشراسة، وأغلبهم غير واعٍ بذلك
حالة يناير 2011 ليست منفردةً في التاريخ المصري الحديث؛ الذي شهد لحظاتٍ مكثفةً من الانتفاض الشعبي المشهدي، تركت كل واحدةٍ منها آثارًا وندوبًا على العقود التالية لها، دروسًا تعلّمها البعض وتعالى عليها البعض الآخر.
انتفاضة حريق القاهرة، التي اندلعت ليومٍ واحد فقط في 26 يناير 1952، كانت سببًا مباشرًا في قرار الضباط الأحرار الاستيلاء على السلطة عبر الانقلاب العسكري، إنقاذًا للدولة والنظام العام من وجهة نظرهم.
أما الحريق نفسه، الذي تحوّل إلى هاجسٍ ممتدٍّ كلحظة دمارٍ شاملٍ لأغنى مناطق العاصمة، فأبرز ما يثبت كونه صدمةً جمعيةً هو تعدّد وتناقض الروايات الرسمية والشعبية حول أسبابه وملابساته حتى الآن؛ إذ يوجّه الجميع أصابع الاتهام إلى الجميع تقريبًا، باستثناء صانعي الحدث الرئيسيين: فقراء أحياء القاهرة الشعبية المتاخمة للقاهرة الخديوية.
وبعدها بخمسةٍ وعشرين عامًا، كانت مصر كلّها على موعدٍ مع انتفاضةٍ شعبيةٍ اجتماعية عام 1977، استمرت ليومين فقط، في 18 و19 يناير. وكان هذان اليومان كافيين لتشكيل وعيٍ دولتيٍّ مرتعدٍ من ردّ فعلٍ شعبيٍّ عنيف عند التطبيق الراديكالي لبرامج رفع الدعم الموصى بها من صندوق النقد الدولي. واستمرّ هذا التخوّف والحذر حتى عام 2014، حين بدأت الحكومة تطبيق إجراءات تقشفية شملت رفع أسعار الوقود وخفض الدعم.
فما بالنا إذن بتجربةٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ ظلّت حيّةً وملحميةً لسنواتٍ لا لأيام؟ اشترك فيها ملايين البشر وتداخلوا من مواقع مختلفة. هي، عند البعض، ثمانية عشر يومًا انتهت بإسقاط رأس السلطة بإرادة شعبية، للمرة الأولى في التاريخ المصري الحديث. وعند البعض الآخر، مسار تجربةٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ وحركيةٍ امتدّ لثلاثة أو أربعة أعوام تلت ذروة الحدث.
كيف يمكننا إذن تصوّر أثر يناير، بوصفها أطول وأعنف وأشمل تجربة انتفاضٍ شعبيٍّ ممتدٍّ في تاريخ هذا البلد؟ وكيف يمكن أن نحيط فعلًا بآثارها على وعي الحكّام والمحكومين؟ الحكم على ذلك لا يزال مبكرًا جدًا، ومن الصعب قياسه في ظل أوضاعٍ قمعيةٍ ممتدةٍ لأكثر من عقد، تمنعنا منعا من الحرية والبوح فما بالك بالدراسة المتأنية.
لقد انتهت ثورة يناير، لكنها بقيت حيّةً في موتها؛ ثقيلةَ الأشباح، تطارد الجميع بشراسة، وأغلبهم غير واعٍ بذلك. ومن هنا تبدو مطالبة سيف الدين أحمد، في مقاله، منطقيةً وسليمةً، حين يدعو معاصري التجربة الواعين إلى كسر الصمت، وألّا يتركوا ذاكرة من عاشوها أطفالًا نهبًا للفراغ أو التشويه.
يناير والأبوية والبنوية والمسؤولية
نحتاج هنا أن نناقش أمرًا ممتدًا تعود جذوره إلى ثورة يناير نفسها، التي كان أحد مصائبها المؤسسة هو حصارها المتعمد والمغرض في زاوية "ثورة الشباب"، وهي زاوية تشبه مقاربة "جيل زد" الحالية، في إعادة إنتاج لما أسميه العلاقات الأبوية/البنوية في السياسة المصرية.
لقد كان "تجييل" الثورة ووصفها بالشبابية أحد مداخل ضربها واجتثاثها؛ فالشباب، لأنه شباب، بريء وقليل الخبرة، والمتحدث هنا هو الأب الذي يطالب ابنه الثائر بالهدوء والتريث. الشباب في لغة عالم يناير لم يكن بريئًا فقط، بل كان غير مُسيَّس، باعتبار السياسة نجاسة والبراءة طهارة. وكان الاحتفاء بالبراءة واللاسياسة طقسًا أبله متكررًا.
ما وُصف به ذلك الشباب في لحظة صعوده؛ بأنه طاهر وبريء وغير مُسيَّس، بلا أجندات أو أفكار وانحيازات أيديولوجية، يمكن لاحقًا، في لحظات تراجع حركته، أن يصبح سذاجة وحماقة وقلة خبرة، وأنه كان ضحيةً للغواية والخداع والتضليل، حتى يصل في النهاية إلى مرتبة الطابور الخامس. وهذا بالضبط ما تبقى من أبوية نصف جمهورية يوليو لحظة الثورة، التي استسلم لها أبناء يناير حين فرحوا بدور "الأبناء" في السيناريو، إما انتهازيةً أو استسهالًا أو تذاكيًا.
نحن الآن في مرحلة أكثر بؤسًا، وقد صار العالم الأكثر "ديمقراطية" يُعيّن للأجيال ملامحها قبل أن تولد؛ فتسمية رجالٍ ونساءٍ في عشرينياتهم اليوم بـ"جيل زد"، حدثت أواخر التسعينيات، أي قبل أن يولدوا. والآن يُسمَّى الأطفال دون العاشرة "جيل ألفا". وهذا التصنيف يستند كمدخل أساسي، وربما وحيد، إلى علاقة كلٍّ منهما بالتكنولوجيا.
يحدث هذا في بلدان طالما اتهمت خصومها الأيديولوجيين بالشمولية والهندسة الاجتماعية. وفي الواقع، إن لم يكن تعيين ملامح جيل لم يولد بعد نوعًا من أنواع الهندسة الاجتماعية والاستبداد، فما هو إذن؟
أبناء العشرينيات هذه الأيام ليسوا "جيل زد"، لأنهم ليسوا جيلًا من الأساس، فالجيل، بالتعريف، هو عملية تأريخٍ واستدعاء ذاكرة تجارب انتهت. في يوم 27 يناير 2011 لم يكن اسم من سينزلون إلى الشوارع في اليوم التالي "جيل 28 يناير"، لأن البشر أبناء تجاربهم حتى لو لم تكتمل. وحين تكتمل، ستنحت اسما وتحفره في مسار التاريخ. من المستحيل أن يظلَّ الإنسانُ طفلًا إلى الأبد؛ لكنه قد يقضي بقية عمره سجينًا في زنزانة مراهقته.
استغاثات من البرزخ
أغلب من كتبوا في الملف يتشاركون الإبحار في ذاكرة الطفولة وأثر "يناير" كلحظة مجيدة تجلت في ذويهم كشخصيات محورية في عالمهم المبكر. تبدو يناير لكثير من الكُتّاب وكأنها "الأب الجمعي"؛ يطلبون عودته ويريدون تحطيم صنمه في آنٍ واحد.
ربما قدّم مروان محرز في مقاله تعبيرًا أمينًا عن وعيه بوجوده البرزخي؛ فالأثر الأهم ليناير على معاصريه، مع الاعتراف بمركزيتها المعنوية العظمى، هو تشكيل وعي سياسي متحفظ، واعٍ بالمخاطر، مدركٍ لتعقيدات السلطة، ويمتلك من الأسئلة أضعاف ما لديه إجابات.
مثلما كان عنوان الملف هو "تكلّم حتى أراك"، طالب عديدٌ ممن تكلموا أصحاب التجربة بالكلام أيضًا
أما نهال سلامة، فجاء إسهامها أكثر وعيًا بضرورة مغادرة هذه الحالة البرزخية، ومحاولة إجابة أسئلة محرز من مداخل محددة؛ فهي أولاً ترفض سجن "التصنيف الجيلي" الذي حُشِرت فيه حشرًا، وترى أن السياسة يجب أن تُترجم إلى أدوات وتنظيم وبنية. وهي أيضًا غير مسكونة بأي أوهام حول اكتساب حقوق قانونية شكلية طالما كانت منقوصة السيادة الاقتصادية.
لقد "لكزت" نهال سلامة جيل يناير في مبالغاته الرومانسية اللغوية تحديدًا، وهي تطالب بألّا تتحول المشاعر إلى طاقة مُهدرة، وتنتقد بشكلٍ مُبطنٍ "استعراض الهشاشة" الذي صاحب هزيمة الثورة.
يقاربها في ذلك مراد عبد المقصود بلغة أكثر صرامة وأشد يقينًا، واضعًا سؤال إسقاط النظم في موقع هامشي بالنسبة لسؤال "تحرير الإنسان المصري"، ومتحدثًا عن الحاجة إلى بناء تنظيم سياسي قادر على غرس الأفكار قبل أن تمتلئ الميادين. مراد، وهو من الأصغر بين الكتاب، يؤمن بأن الراديكالية السياسية ليست مرادفًا للتقدمية الاجتماعية، ويُغلِّب الإرادة المنظمة على الشروط المادية التي تفرز القوى القادرة على التغيير.
الوصل والانقطاع والتراكم
مثلما كان عنوان الملف هو "تكلّم حتى أراك"، طالب عديدٌ ممن تكلموا أصحاب التجربة بالكلام أيضًا؛ وهذه هي الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح. لأن تاريخَ مصر الحديث، كما أفهمه، تاريخٌ من المدّ السياسي والحركي والفكري الذي يستمر بضعَ سنواتٍ تتفتح خلالها الزهور، وتُطلق أصدق الدعوات، وتنضج أعمق الأفكار، ثم ينحسر هذا المدّ مصحوبًا بقمعٍ وإحباطٍ واستبقاءٍ لشرار الناس وأواسطهم في المشهد، فينتهي الأمر إلى نوعٍ من أنواع الانقطاع الحضاري.
حدث ذلك في أعقاب ثورة 1919، وبعد المدّ الطلابي العمالي بين 1946 و1954، ثم مرة أخرى في مرحلة المدّ الطلابي الثاني بين 1968 و1977. وكانت "يناير"، في مدّها وجزرها، الذروة الأكثر تجسّدًا؛ لأنه بقدر نجاحاتها الاستثنائية، كانت الردّة عنها هي الأشد عنفًا في التاريخ، بحيث أصبح المتعلمون والمثقفون هدفًا مُعاديًا من حيث المبدأ.
مهمة هذا الملف، ومهمتنا جميعًا، هي وصل ما انقطع، عبر التراكم والعمل الدؤوب في فترات الجزر والانحسار؛ لأن من سمات تخلّف مجتمعاتنا التفريطَ فيما راكمته، لتأتي أجيالٌ من بعد أجيال تعيد اكتشاف ما اكتشفه سابقوهم منذ مئة عام أو أكثر، وتعيد مناقشته من نقطة الصفر.
ليس صدفةً أننا في مصر لا نزال أسرى أسئلة طرحتها الحركة الوطنية المصرية في العقد الأول من القرن العشرين؛ نفس الأسئلة بالضبط: أسئلة المساواة في المواطنة، وحقوق المرأة، والأقليات، والبيروقراطية، والاستعلاء على الفلاح وجودًا وثقافةً.
في زمن البرزخ، يكون الحفاظ على التراكم ووصل ما انقطع نجاحًا في حد ذاته. والأهم من ذلك المراجعات الجادة؛ والمراجعة الجادة لن تأتي بغير منطلقات نظرية وفلسفية يعي الإنسان تجربته من خلالها. وهذا يحتاج إلى قراءةٍ ومعرفةٍ منهجيةٍ، أي دأب وتركيز وعمل جماعي، والأهم أنه يحتاج إلى تواضع، كي لا يصبح "ملطمةً" يستعرض الناس فيها هشاشتهم باسم الرقة والسموّ الفردي المتميّز، أو كما قالت نهال سلامة في مقالها: تسييل السياسة إلى دمعةٍ أو إلى غضبٍ يائس.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.


