تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
قال البرادعي إنه ليس "المسيح المخلّص"، ولا من "يطلق شرارة التغيير"

في سؤال التنظيم| البرادعي وحركة التغيير

تجربة الجمعية الوطنية والحملات الداعمة

منشور الخميس 12 آذار/مارس 2026

بحلول عام 2009، كان المشهد السياسي المصري بلغ نقطة تحوّل حقيقية. حركة كفاية، التي قادت المشهد السياسي وتصدرت معسكر التغيير من عام 2005، فقدت موقعها تدريجيًا لتصبح صوتًا رمزيًا ضمن أصوات متعددة.

ومع انكماشها في دائرة ضيقة حول عبد الحليم قنديل، كانت تتشكل على الأرض مراكز احتجاج جديدة داخل قلب النظام، وفي الشارع، والقرى، والمصانع، والجامعات. دخل المجتمع طورًا جديدًا من الحراك، أوسع من "كفاية"، وأعمق من مجرد احتجاج النخبة السياسية.

في هذا المناخ، بدأت في أواخر 2009 ملامح الحملة المصرية ضد التوريث في التبلور. تولى حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية، موقع المنسق العام، وضمت الحملة شخصيات مدنية بارزة مثل عبد الجليل مصطفى، وأيمن نور، وحمدين صباحي، إلى جانب وجوه شابة مثل أحمد ماهر.

البرادعي يتصدّر المشهد

محمد البرادعي

لم يظل المشهد محكومًا بتوازناته التقليدية طويلًا؛ إذ ظهر محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كناقد سياسي للمشهد المصري في مقابلات إعلامية، طالب فيها بالإصلاح السياسي والدستوري، وركّز على حقوق الإنسان والحريات الأساسية، مع إشارات رافضة لمشروع التوريث وسياسات نظام مبارك.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2009، من فيينا، أعلن البرادعي استعداده لخوض الانتخابات الرئاسية بشرط توافر ضمانات ديمقراطية حقيقية، تشمل تعديلًا دستوريًا يفتح باب الترشح على نحو عادل.

كان الدستور آنذاك يتيح ترشح المستقلين ولكن بشروط شبه تعجيزية، مثل حصول الراغب في الترشح على تزكية 250 عضوًا في المجالس النيابية التي يهيمن عليها الحزب الوطني. أما مرشحو الأحزاب، فكان يشترط أن يكون مضى على تأسيس الحزب خمس سنوات متصلة، وألَّا يقل تمثيله عن 3% من المقاعد المنتخبة في مجلسي الشعب والشورى.

في ظل هذه القيود التي أغلقت باب المنافسة أمام أغلب القوى السياسية، بدت شروط البرادعي في جوهرها تشكيكًا ضمنيًا في عدالة الإطار الدستوري المنظم للعملية الانتخابية ذاتها.

خلال أيام، تحوّل الرجل من موظف أممي حائز على نوبل إلى اسم يتردّد في معركة الداخل السياسية. رأت قطاعات من المعارضة في إعلانه فرصة نادرة لكسر احتكار المجال العام وفتح ثغرة في جدار الجمود السياسي. غير أن المبادرة الأولى أتت من خارج أُطر المعارضة المعروفة ككل.

أنشأ شابان، هما محمود الحتة وعبد الرحمن سمير، صفحة على فيسبوك بعنوان ElBaradei for Presidency 2011، سرعان ما جذبت عددًا كبيرًا من المستخدمين، وشكّلت نواة مبكرة لحشد إلكتروني سبق أي تحرك فعلي.

تواصل الشاعر عبد الرحمن يوسف، نجل الشيخ يوسف القرضاوي، مع الشابين ومع مجموعة من النشطاء الشباب، ضمّت إسراء عبد الفتاح، والمدوّن وطبيب الأسنان مصطفى النجار، الذي انشق عن جماعة الإخوان المسلمين منذ 2005، إلى جانب ناصر عبد الحميد، وباسم فتحي، وعبد المنعم إمام من شباب حزب الجبهة. ومن هذا المزيج تشكّلت حملة دعم البرادعي كخطوة عملية لدفعه نحو الترشح.

كان من أوائل خطوات الحملة، تنظيم استقبال شعبي للبرادعي في مطار القاهرة عند عودته في 19 فبراير/شباط 2010، حيث تجمع مئات الشباب من محافظات مختلفة، أغلبهم لم يسبق له ممارسة السياسة من قبل، لكن الأمل في التغيير وإيمانهم بأن شخصية مثل البرادعي تمثل حالة استثنائية دفعهم للمشاركة.

الالتفاف حول سبعة مطالب

فور عودته للقاهرة، سعت قيادات "الحملة المصرية ضد التوريث" وعدد من رموز المعارضة إلى لقاء البرادعي. أثمرت هذه اللقاءات، في 24 فبراير 2010 عن الإعلان من منزله عن تأسيس الجمعية الوطنية للتغيير كإطار جامع حول مطالبه الإصلاحية، وإطلاق بيان "معًا سنغير".

حدّد البيان سبعة مطالب كمدخل لا غنى عنه لانتقال ديمقراطي سلمي، شملت: تعديل المواد المقيدة للترشح للرئاسة وإنهاء حالة الطوارئ وضمان استقلال القضاء وإشرافه بالكامل على الانتخابات، بالإضافة إلى تمكين المصريين في الخارج من التصويت وإجراء إصلاح دستوري شامل يكفل الحريات السياسية والمدنية. وطُرِح البيان بوصفه عريضة مواطنين تستهدف حشد تأييد شعبي واسع.

ضمت قيادة الجمعية رموزًا من حركة استقلال القضاء، وأساتذة قانون، إلى جانب طيف عشوائي من الشخصيات العامة

ضمت اللجنة التنفيذية للجمعية رموزًا خرجت من عباءة كفاية، مثل جورج إسحاق وعبد الجليل مصطفى، بالإضافة إلى ممثلين عن حزبي الكرامة والوسط (تحت التأسيس)، وحزب العمل (المجمّد)، والحزب الشيوعي المصري، وتيار التجديد الاشتراكي. ومعهم ممثلو قوى أخرى فرضت نفسها على الساحة، مثل أيمن نور رئيس حزب الغد وأحمد ماهر من حركة 6 أبريل، وأسامة الغزالي حرب رئيس حزب الجبهة الذي تأسس عام 2007 بعد انشقاق نخبوي إصلاحي عن الحزب الوطني الحاكم، وكان من الأصوات البارزة المناهضة لمشروع التوريث، وتميّزت لجنته الشبابية بنشاط ملحوظ.

وضمت قيادة الجمعية أيضًا رموزًا من حركة استقلال القضاء، مثل المستشار محمود الخضيري، وأساتذة قانون مثل يحيى الجمل، إلى جانب طيف عشوائي من الشخصيات العامة، من بينهم نبيل العربي، محمد أبو الغار، عبد الخالق فاروق، ويحيى حسين، وحمدي قنديل، وعلاء الأسواني، وعمار علي حسن، مع تجاهل شبه كامل للقيادات الاجتماعية والعمالية، وإن شاركت بعض قيادات غزل المحلة في أنشطة محدودة.

أما جماعة الإخوان المسلمين فشاركت بحضور محسوب. لم تعلن تأييدها الرسمي للبيان، لكنها سمحت لبعض قياداتها وأعضائها بالمشاركة بصفاتهم الشخصية. فظهر سعد الكتاتني في بعض الاجتماعات التأسيسية، وشارك عصام العريان في أنشطة واجتماعات لاحقة. وحتى في مسألة جمع التوقيعات على البيان، أكدت الجماعة أنها ستتولى الأمر بشكل مستقل، إلا أن ذلك لم يُترجم إلى أثر ملموس.

عكس هذا الحضور الرمادي تردد الإخوان بين استخدام الجمعية كأداة ضغط على النظام، والحفاظ على مسارهم السياسي الخاص. ظلوا يراهنون حتى اللحظة الأخيرة على القنوات الرسمية -البرلمان والنقابات- متجنبين الصدام المباشر أو الدفع بالتغيير من أسفل عبر حركة جماهيرية.

اختبار حدود الحضور في الشارع

بالتوازي، كانت حملة دعم البرادعي تستعد لاختبار نبض الشارع وقياس مدى معرفة الناس بشخصه واستعدادهم للتفاعل مع خطاب التغيير، رغم عدم إعلانه ترشحه رسميًا، وكان يكرر أنه "لن يترشح تحت الدستور القائم".

جاءت البداية بزيارة مسجد الحسين، حيث أدى الصلاة وتجول في شارع المعز وخان الخليلي، في مشهد مُعدٍّ بعناية، سعى إلى إعادة تأطير الدبلوماسي الدولي القادم من الخارج في سياق شعبي تاريخي.

شجّع التفاعل النسبي الذي لمسته الحملة على الانتقال إلى المحافظات. في المنصورة، استضافه الدكتور محمد غنيم، رائد جراحة الكُلى في مصر، وعُقد مؤتمر جماهيري حضره آلاف من أبناء الدقهلية ومحافظات الدلتا، أعقبته مسيرة جابت شوارع المدينة، قبل الانتقال لمؤتمر شعبي آخر في مدينة سمنود.

وفي الفيوم اتخذت الزيارة طابع الجولة المفتوحة في القرى والمراكز. أما في الإسكندرية، فبدأت الجولة بصلاة الجمعة في مسجد القائد إبراهيم، تلتها زيارة والدة خالد سعيد، في خطوة حملت بعدًا رمزيًا كبيرًا.

رغم الكفاءة التنفيذية، لم يكن التنظيم الداخلي للحملة ديمقراطيًا. ظل اتخاذ القرار حكرًا على مجموعة قيادية غير منتخبة

كما شملت الجولات مدينة المحلة بما تمثله من ثقل عمالي، ومدينة المنيا، حيث التقى بسعد الكتاتني. لم يكن هذا اللقاء محل توافق كامل داخل الحملة أو الجمعية، إذ أثار تخوّفات من أن يُفهم باعتباره تقاربًا سياسيًا مع جماعة الإخوان المسلمين يتجاوز إطار التوافق حول مطالب الإصلاح.

تميّزت هذه الجولات بأسلوب تنظيم غير مألوف؛ إذ بدت أقرب إلى الحملات الانتخابية الغربية. ظهر المتطوعون بتيشيرتات موحّدة تحمل اسم البرادعي أو شعار "معًا سنغير"، ووزّعوا شارات معدنية Pins ورفعوا لافتات مطبوعة بعناية. جذب هذا الشكل، بالأساس، شرائح من شباب الطبقة الوسطى والوسطى العليا الحضرية.

واعتمدت الحملة على أدوات تنظيم حديثة إلى جانب توظيف مهارات علاقات عامة وتسويق احترافية. بدا المشهد في المجمل كمحاولة لتطبيق نموذج تنظيمي احترافي على المجال السياسي.

لكن رغم الكفاءة التنفيذية، لم يكن التنظيم الداخلي للحملة ديمقراطيًا. ظل اتخاذ القرار حكرًا على مجموعة قيادية غير منتخبة، ضمت في البداية المؤسسين، وتوسعت بعد عودة البرادعي إلى مصر لتشمل أسماءً مثل عمرو الشوبكي وزياد العليمي.

مسارات يسارية

محمد البرادعي يتوسط خالد علي (اليمين) وعلاء الأسواني

كان زياد العليمي من أوائل اليساريين الذين التقوا البرادعي فور عودته إلى مصر. رأى فيه فرصة حقيقية لخوض معركة سياسية جادة، على عكس أغلب قوى المعارضة التي تعاملت مع ظهوره بوصفه ورقة ضغط لخدمة أجندتها الخاصة، كما لمس في حملة دعمه ملامح تجربة جديدة ومبشرة، فانخرط فيها بحماس.

في المقابل، رأت أطراف يسارية أخرى، تحديدًا "اليسار الديمقراطي" وبعض كوادر "الحرية الآن"، الأثر الذي أحدثته خطابات البرادعي في المجال العام، ونجاحها في جذب قطاعات من شباب حركة التغيير، إلى جانب فئات لم تصل إليها الحركة من قبل. إلا أنهم فضلوا عدم الذوبان في الحملة، فأسسوا تكوينًا يساريًا موازٍ، هو مجموعة يسار مؤيد للبرادعي، وتولى عماد عطية، القيادي في الحرية الآن، دور المنسق العام.

استضاف خالد علي في مكتبه الخاص للمحاماة عدة اجتماعات للمجموعة مع البرادعي وبعض قيادات الجمعية. كما استضاف لاحقًا لقاءً في المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية جمع البرادعي بقيادات عمالية، في محاولة لربط خطابه الإصلاحي بقضايا العدالة الاجتماعية. باستثناء هذه الاجتماعات المحدودة، لم يكن للمجموعة نشاط يُذكر.

ذروة الجمعية وحدودها

مع بداية مارس/آذار 2010، أطلقت "الجمعية الوطنية للتغيير" حملة لجمع التوقيعات على بيان التغيير، بدأت إلكترونيًا ثم امتدت ميدانيًا عبر حملة طرق الأبواب التي اقترحها ناصر عبد الحميد بعد انسحابه من حملة دعم البرادعي احتجاجًا على اتخاذ قرارات منفردة باسمها، مُفضّلًا العمل مباشرة باسم الجمعية.

شارك في الحملة طيف واسع من القوى الاجتماعية والسياسية، إلى جانب شباب بلا خبرة سياسية سابقة، وجدوا فيها مدخلًا للعمل العام بمستوى مخاطرة معقول مقارنة بالاحتجاجات الأكثر جرأة التي كانت تنظمها مجموعات مثل 6 إبريل وشباب من أجل العدالة والحرية.

خرج هؤلاء إلى القرى والمناطق الشعبية والجامعات، يطرقون الأبواب فعليًا، يشرحون المطالب السبعة، ويطلبون التوقيع، في عمل ميداني يومي امتد إلى تسع محافظات.

جورج إسحق يجمع توقيعات المواطنين على بيان التغيير في رأس البر ضمن حملة طرق الأبواب، 8 أغسطس 2010.

وبحلول صيف 2010، كانت مئات الآلاف من التوقيعات جُمعت بالفعل رغم التضييق الأمني، في أكثر لحظة جماهيرية في مسار الجمعية.

ومع ذلك، لم تستفد الجمعية تنظيميًا من هذا الزخم ولا من الشبكات التي نشأت حول حملتها. لم يكن هناك هيكل تنظيمي، ولا نظام عضوية، ولا فروع منتخبة. واقتصرت الاجتماعات على لجنة تنفيذية مركزية تضم شخصيات عامة، أغلبها من القاهرة.

ظهر الانفصال بوضوح: رأس واسع ومتنوّع لكنه نخبوي ومتمركز في العاصمة، وجسم حيّ ومتحرك في الشارع، بلا تمثيل داخل الجمعية.

اتساع القاعدة وضبابية البنية

إذا أمكن القول إن الحركة التي انطلقت مع الانتفاضة الثانية حملت بصمة يسارية واضحة في قيادتها، سرعان ما أصبحت ناصرية مع صعود كفاية؛ فإن موجة البرادعي نقلت مركز الثقل بوضوح إلى التيار الليبرالي، مع "تمثيلٍ مشرف" لليسار.

ورغم أن هذه الموجة نجحت في جذب قطاعات أوسع من أي موجة سابقة؛ فإنها لم تتمكن من استيعاب هذا الزخم داخل بنية تنظيمية قاعدية ديمقراطية. كما لم تنخرط مختلف القوى بالدرجة أو الكيفية نفسها، بل تشكلت مسارات موازية بدلًا من الاندماج داخل إطار تنظيمي جامع.

وكان هناك تداخل كبير بين أنشطة الجمعية الوطنية للتغيير وحملة دعم البرادعي، إلى جانب بروز مجموعة تنسيقية ثالثة، ضمّت بالأساس قيادات من حزب الجبهة، أنشأوا مجموعة بريدية على جوجل جروب أضافوا إليها معارفهم من المهتمين بموضوع البرادعي. وكانت هذه المجموعة على تماس بالحملة، وضمّت بين أعضائها وائل غنيم.

رغم قيام المجموعات الجغرافية بدور مهم؛ فقد ظلت في موقع المساند لا الشريك

خلق هذا التداخل لبسًا لدى المجموعات الداعمة الناشئة في المحافظات وخارج مصر. فالحملة والجمعية والبرادعي كشخص كانت كيانات متداخلة لكنها غير متطابقة. ومع غياب حدود تنظيمية واضحة، بات كل طرف يتعامل مع هذه المجموعات باعتبارها امتدادًا له.

في المقابل، لم تكن أي من هذه المجموعات ممثلة في الجمعية أو في الحملة، ولا مشاركة في اتخاذ القرار في أي منهما. ورغم قيام المجموعات الجغرافية بدور مهم، شمل تنظيم ندوات ولقاءات مع البرادعي وقيادات الجمعية وحملة دعم البرادعي في مواقعهم، والمشاركة في جمع التوقيعات؛ فقد ظلت في موقع المساند لا الشريك.

من أبرز هذه المجموعات "الجمعية الوطنية للتغيير – فرع لندن"، التي بادر بتأسيسها الدكتور صلاح أبو الفضل استشاري الطب النفسي وهو يساري مستقل. وكان من أهم أعمدتها الدكتور حسام عبد الله، رائد أطفال الأنابيب، وأحد قيادات الحركة الطلابية والحركة الشيوعية في السبعينيات.

تمكّنت هذه المجموعة من جذب عدد كبير من المصريين المقيمين في لندن، من أقصى اليمين لأقصى اليسار، إلى جانب شريحة واسعة من الشباب وطلبة الدراسات العليا، الذين استجابوا لخطاب بيان التغيير بما حمله من أفق ديمقراطي واضح ونَفَس تقدمي، تجلّى في صياغات مثل "النساء قبل الرجال". سيكون لبعض هؤلاء أدوار بارزة في المستقبل القريب.

نظمت مجموعة لندن لقاء جمع البرادعي بالجالية المصرية في Institute of Child Health، حضره المئات، غالبيتهم من الشباب. في هذا اللقاء، أوضح البرادعي موقفه من التوقعات المرتفعة تجاهه، قائلًا إنه ليس "المسيح المخلّص"، ولا من "يطلق شرارة التغيير". أثارت هذه العبارات ردود فعل متباينة؛ إذ رأى بعض الشباب فيها، تعبيرًا عن تحفّظ على لعب دور تنظيمي مباشر، وتفضيلًا لموقع أقرب إلى الضمير العام منه إلى الفاعل السياسي.

في الكويت، في أبريل 2010، اعتُقل عدد من المصريين أثناء محاولتهم تدشين فرع للجمعية الوطنية هناك. لم يتخذ البرادعي موقفًا تصعيديًا واضحًا، ما أثار استياء كثير من المشاركين في الحملة والجمعية، على رأسهم حمدي قنديل، الذي أعلن استقالته من منصبه كمتحدث رسمي للجمعية.

مأزق الاشتراكيين الثوريين

في عام 2010، كان تنظيم الاشتراكيين الثوريين حاضرًا بقوة داخل الحركة العمالية والطلابية، لكنه انصرف عن حركة التغيير السياسي. وكان الفصيل الوحيد الذي أعلن صراحة رفضه لمشروع الجمعية الوطنية، باعتبارها كيانًا نخبويًا إصلاحيًا. وفي بيان "من أجل حركة جماهيرية حقيقية"، قدّم التنظيم نقدًا حادًا للجمعية وتركيزها على الإصلاح الدستوري بمعزل عن تنظيم شعبي يعيد إنتاج حدود الإصلاح من داخل النظام.

كان نقدهم دقيقًا، غير أن البديل الذي اختاروه، أي التركيز على بناء الحركة الاجتماعية بمعزل عن المسار السياسي، أدى عمليًا إلى عزل الحركة الاجتماعية، وإعاقة تطور مطالبها، وحرمانها من أفق سياسي. كما أدى هذا التكتيك إلى عزل الاشتراكيين الثوريين أنفسهم عن الحركة السياسية الأوسع.

كان الخيار الأجدى هو بناء جبهة تجمع المناضلين السياسيين بقيادات الحركة الاجتماعية. لم يتبنَّ هذا المنظور سوى تيار التجديد الاشتراكي، إلا أن صوته ظل محدودًا بحكم حجمه الصغير، وعدم اتخاذه خطوات ملموسة في هذا الاتجاه، باستثناء مبادرة "تضامن"، التي ظلت مساحة للحوار أكثر من كونها كيانًا سياسيًا منظمًا.

بوسترات وانشقاقات

عمر سليمان في لقاء جمع كلينتون وأبو الغيط في واشنطن- أغسطس 2010.

في خريف 2010، ظهرت فجأة في شوارع القاهرة بوسترات تروّج لترشيح عمر سليمان، رئيس المخابرات العامة آنذاك، للرئاسة، قبل أن تختفي سريعًا، ويتبعها القبض على عدد من الشباب، من بينهم شادي الغزالي حرب، ابن شقيق أسامة الغزالي حرب، رئيس حزب الجبهة.

لم تكن الواقعة مناورة أمنية عابرة، بل كشفت عن طرح مبكر لسيناريو "الرئيس العسكري" كمخرج محتمل من مأزق التوريث. فبعد أسابيع، عُقد مؤتمر في نقابة الصحفيين نظّمه ضياء رشوان وعمرو الشوبكي، طُرح خلاله سيناريو انتقال سياسي يقوم على رئيس من المؤسسة العسكرية ورئيس وزراء من المعارضة.

قُدِّم الطرح بوصفه حلًا إصلاحيًا لتجنّب التوريث، لكنه رغم ذلك فجّر خلافًا داخل حركة التغيير، خصوصًا داخل "حملة دعم البرادعي".

رفضت الأغلبية بقيادة زياد العليمي هذا السيناريو باعتباره التفافًا على فكرة البديل المدني، بينما تعاملت مجموعة أخرى، ضمّت مصطفى النجار وعبد الرحمن يوسف، مع الطرح بوصفه خيارًا انتقاليًا ممكنًا أو ورقة ضغط.

وصل الخلاف لحد الشقاق؛ انشق النجار ويوسف ليؤسسا "حملة دعم البرادعي – لازم" في أواخر 2010، التي عملت باستقلال تام عن الحملة الأصلية، حتى إنها أنشأت موقعًا آخر لجمع التوقيعات.

لم يكن ذلك مجرد اختلاف في التكتيك، بل مفارقة سياسية حادة؛ وجود تيار مؤثر في حركة دعم البرادعي، بل وفي دوائر قيادتها، يتبنى في ذات الوقت خيار "البديل العسكري" ويعمل، صراحة أو ضمنًا، على تسويق حل يستند إلى تدخل المؤسسة العسكرية من أعلى.

وهو ما يثير التساؤل حول طبيعة المشروع نفسه: هل كان الهدف منه بناء بديل مدني مستقل، أم الضغط لإعادة ترتيب السلطة من الداخل؟

فرصة 2010 الضائعة

مثّلت انتخابات مجلس الشعب نهاية 2010 فرصة حقيقية لبناء الجمعية الوطنية من أسفل، لو جرى التعامل معها باعتبارها تمرينًا تنظيميًا جماهيريًا، لا مجرد سباق على المقاعد.

كان يمكن توحيد الحملات الانتخابية لمرشحي المعارضة تحت راية سياسية واحدة. وحتى لو انتهت النتائج بصفر مقاعد، كان يمكن أن تكون الحصيلة شبكة سياسية حقيقية، تمتد في المحافظات والدوائر، وتؤسس لبنية تنظيمية ديمقراطية كانت البلاد في أمسّ الحاجة إليها عند الانفجار القادم.

حال دون تحقيق هذا الهدف إعلان بعض الأحزاب المشاركة في الجمعية، مثل حزب الجبهة، مقاطعتها للانتخابات.

دعم تيار التجديد الاشتراكي، وشباب العدالة والحرية، وغيرهم من نشطاء التغيير، مرشحين مثل جميلة إسماعيل (الغد)، وسعد عبود (الكرامة)، ويسري بيومي (الإخوان)، لكن ذلك تم بشكل مستقل، ولعدد محدود من المرشحين يتناسب مع قدرات المجموعات الداعمة.

حين أُغلق الباب فُتح آخر

مع انتخابات ديسمبر 2010، شددت الدولة قبضتها الأمنية على المعارضة. وتعرض نشطاء الجمعية الوطنية وحملات دعم البرادعي للتضييق، وصودرت أوراق التوقيعات، ومُنعت الفعاليات، إلى جانب شن حملات اعتقال متفرقة. ثم جاءت الانتخابات بتزوير فج، منح الحزب الوطني فوزًا كاسحًا، ليُغلق فعليًا آخر نوافذ الإصلاح من داخل النظام.

بعد الانتخابات، أعلن نحو 120 نائبًا سابقًا تأسيس البرلمان الشعبي، كمحاولة لخلق بديل سياسي رمزي. فتح البرلمان الشعبي بابًا لم ينتبه كثيرون وقتها إلى قيمته. إذ طُرحت فكرة تخصيص كوتة للشباب، وترك لهم اختيار ممثليهم بأنفسهم.

ومن هنا بدأت لأول مرة سلسلة اجتماعات تنسيقية بين ممثلي الحركات الشبابية النشطة آنذاك في حركة التغيير. كانت الآلية تهدف في البداية لاختيار ممثلي الشباب في برلمان موازٍ، لكنها انتهت إلى ما هو أكبر من ذلك بكثير، واضعة الأساس لمسار تنسيقي سيلعب دورًا حاسمًا بعد أسابيع قليلة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.