حوار| نقيب الصحفيين خالد البلشي: "إحنا في مفرمة"
لا حرية من دون استقلال مالي.. وأكثر من 60% من الصحفيين لا يحصلون على الحد الأدنى للأجور
تقف الصحافة في مصر على أرضٍ تتآكل بوتيرة متزايدة كل يوم لدرجة أنه لم يعد هناك براح لمد القدم بعيدًا عن أسفل الكتف. بات كثير من الصحفيين يمارسون عملهم واقفين انتباهًا. عين على الأحداث وأخرى متحفزة تترقب ظهور رجال الشرطة في الزي المدني، وما يعنيه هذا الظهور من مداهمات وقبض وتفتيش وحبس وتدوير ومحاكمات في أحسن الأحوال.
هذا بالضبط ما حدث مع منصة متصدقش في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، ثم موقع مدى مصر بعدها بشهر تقريبًا. القبض على صحفي أو أكثر أو حجب المواقع بات حدثًا معتادًا في السنوات الأخيرة، لكن أن تتحول السلطة من القبض على الأفراد إلى القبض الجماعي وإغلاق المواقع ومصادرة أجهزتها هو تحول خطير يجعلنا نسأل عن أسبابه، ومستقبل الصحافة في مصر، وللإجابة عن أسئلتنا عرضنا على نقيب الصحفيين خالد البلشي إجراء حوار مطول.
لم يَدْعُنَا البلشي إلى مكتبه بمبنى النقابة في 4 شارع عبد الخالق ثروت وسط القاهرة، بل اختار أن يأتي بنفسه إلى المنصة. وحين سألناه عن موقفه من التضامن مع المواقع المستقلة المهددة بالغلق أو المستهدفة بالتضييق، أشار إلى الزيارة التي خصَّنا بها "أنا جاي النهاردة أخبط على المنصة، وأنا عارف أنا بزور موقع عامل ازاي. وهخبط على مواقع تانية".
وصل البلشي إلى مقعد النقيب في مارس/آذار 2023 نقابيًا مستقلًا بوضوح عن الدولة، قادمًا كما يصف نفسه "من مجهول". فهو ابن الهامش بامتياز.. ابن اليسار المصري.. صحيفة البديل التي أغلقت، وصحيفة الدستور وقتما كانت مغضوبًا عليها، كما أنه ابن الصحافة الإلكترونية والمواقع المحجوبة وذلك الهامش الذي يضيق كل يوم.
اختاره حرافيش مملكة صاحبة الجلالة فترشح في اليوم الأخير لفتح باب الترشح ليفوز بولاية أولى وسط دهشة الجميع ثم ولاية ثانية في مواجهة مرشحين مقربين من الدولة. ولكن البلشي لم يكن غريبًا على شارع عبد الخالق ثروت ولم يجد نفسه فجأة حبيس جدران الممكن والمتاح وحسابات المعارك والتوازنات اليومية. فقبل ذلك أمضى أربع سنوات رئيسًا للجنة التشريعات في مجلس النقابة، ثم سنتين وكيلًا لها ورئيسًا للجنة الحريات.
إلا أن الولاية الثانية تقترب من نهايتها وسط تصعيد هو الأعنف منذ سنوات. وفي الخلفية أزمات متكررة في صرف بدل التدريب والتكنولوجيا، وتعطل في زيادته. ووسط كل ذلك تستعد النقابة للمشاركة في المؤتمر السنوي الأول للإعلام الذي سيعقد في 3 ديسمبر/كانون الأول ليكون ثالث مسار للحوار بين الصحفيين والدولة في ثلاث سنوات، والمطالب نفسها التي لم يستجب إلى أيٍّ منها تقريبًا.
افتتح البلشي حواره مع المنصة باعتراض على هذا التصور القاتم مدافعًا عما تحقق خلال سنوات توليه المنصب بقائمة طويلة من المعارك والخدمات التي قدمتها النقابة في عهده ومن بينها برامج لتدريب الصحفيين وتطوير كبير في مشروع العلاج والمعاشات وإضرابات ناجحة خاضتها عدة مؤسسات لزيادة الأجور وغيرها، و لكن حين انتقلنا في حديثنا معه إلى الحريات ومستقبل المهنة، صار أكثر صراحة.
أزمة متصدقش
"متصدقش" منصة للتحقق من الأخبار والتصريحات الرسمية. ألقى الأمن في 28 و29 سبتمبر القبض على ستة من فريقها، وليس بينهم من أعضاء النقابة سوى عبد الله قدري. أعلن مجلس النقابة أنه سيدافع عنهم جميعًا مؤكدا أنه لا فرق بين نقابي وغير نقابي، وتقدم ببلاغ للنائب العام بشأن ما أثير عن تعرضهم لانتهاكات وإجبارهم على الإدلاء باعترافات، وعرض الإفراج عنهم بضمان النقابة.
وأشار إلى أن ثلاثة منهم كانوا ضمن العاملين الذين أُعلنت أسماؤهم سابقًا في أزمة مشابهة قبل ثلاث سنوات، انتهت دون توجيه اتهامات لأحد. أما بيان النيابة بشأن الأزمة الأخيرة، فأشار إلى صلة بين منصة التحقق وجماعة الإخوان، وعدّ ما نشره الموقع من سلبيات مقصودًا لإثارة الاحتقان.
يقول البلشي إن القضية قسمت الجمعية العمومية: "إحنا آخر ثلاث أسابيع فيه قضية علِيت قوي هي متصدقش، وانقسمت حولها الجمعية العمومية". وحين سألناه إن كان قد سأل أي جهة عن أسباب القبض، رد "قالوا لي: مش موقع مصري أصلًا، وقالوا لي إنه تابع للإخوان".
وحين سألناه إن كان ذلك مبررًا كافيًا للقبض على ستة صحفيين، رد بحدة: "إحنا قلنا كده؟ أنا قلت كده؟ النقابة خدت دورها بالكامل. من حق كل واحد يقول اللي هو مبرره، ومن حقي أقول لما اتقال لي إن دول كذا: المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وإحنا بندافع عن صحفيين".
قال البلشي إن النقابة تواجه بسبب ذلك اتهامًا بأنها "بتدافع عن الإخوان"، وإن ردها ثابت "إحنا عندنا قاعدة بنحتمي بيها اسمها المتهم بريء حتى تثبت إدانته. وإحنا عندنا صحفي نقابي وصحفيين غير نقابيين، والجميع متساوون بالنسبة لنا".
أما بيان النيابة، الذي أثار قلق الصحفيين لأنه يطعن في صميم المهنة، فيراه البلشي تعبيرًا عن رؤية أوسع "فيه بيان نيابة طلع بيوجه اتهامات لأن النقد والمراقبة كذا وكذا. وده في حالات كتير، مش في حالة متصدقش بس". وقال إنه رد ببيان يذكّر بأن "أساسيات العمل المهني هي النقد ومراقبة المسؤولين".
مدى مصر
بعد أسابيع، صدر الحكم بإغلاق "مدى مصر" وتغريم لينا عطا الله، عضوة النقابة، 3 ملايين جنيه، بحجة أن الموقع لم يحصل على ترخيص. أصدر مجلس النقابة بيانًا قال فيه إن عدم رد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على طلبات الترخيص، وعدم إخطار مقدميها، مخالفتان إداريتان تتعارضان مع ما جاء في المادتين 12 و16 من اللائحة التنفيذية التي تحكم عمل المجلس، وأن المسار السليم هو الطعن الإداري لا المساءلة الجنائية، وأن النقابة شكَّلت لجنة قانونية للطعن على الحكم.
لكن غياب النقيب نفسه عن جلسة المحاكمة صدم قطاعات كبيرة داخل النقابة وخارجها. سأل البلشي أولًا "قطاعات كبيرة من مين؟". ثم دافع عن غيابه بحجتين. الأولى أن النقابة لا تملك أصلًا صفة في هذه القضية "النقابة حضرت بعضوين، ومُنعا من الدخول. قانونًا مالناش حضور. إحنا لنا حضور في قضايا النشر، ودي قضية تتعلق بترخيص وملكية موقع. بس إحنا شفنا إن القضية فيها حرية الإصدار في هذا المجتمع. كان المشهد هيختلف إن النقيب واقف على الباب؟ المحكمة هتغير موقفها؟".
والثانية أن اختزال التضامن في حضور النقيب "اسمه إلغاء لدور النقابة أصلًا... أنا بكرة المفروض أحضر كنقيب كل القضايا الموجودة في مصر؟ ولا أحضر القضايا اللي تخصني؟ ولا اللي تخص رؤيتي؟". ثم برر عدم وجوده قائلًا "أنا لما الناس كلموني، ما رضيتش أقول لهم إن أنا عندي ميعاد محدد سابقًا برة القاهرة، وهذا الميعاد ما كانش ينفع يتلغي".
وعن زيارة صحفيي "مدى مصر" كما زار المعتصمين والمحتجين في مؤسسات أخرى في وقائع مماثلة، قال: "الموقع لما يفتح هنروح له".
ويعترف البلشي بأن البيان المساند لمدى مصر لم يمر بسهولة داخل مجلس إدارة النقابة: "فيه رؤى مختلفة داخل المجلس، إحنا مش هنكذب على بعض". لكنه قال إن الخلاف كان على "صيغة البيان... بيانات المجلس الأخيرة صدرت بالإجماع. فيه مقاومة، فيه تفاوض على لغة البيان، بس صدرت بالإجماع".
ولكن ما الذي تُعاقَب عليه مدى مصر فعلًا؟ يرفض البلشي أن يجتهد "أسباب مباشرة دي يُسأل فيها السلطات اللي عملت كده. أحللها ازاي؟ ده يبقى استنتاج، والاستنتاج ده أقوله لما مبقاش نقيب". ومع ذلك أكد أن أزمة الموقع "مش أزمة مدى لوحدها، دي أزمة كل صحافة بتحاول أن تلعب دورها كاملًا في ظل وضع مش كامل". لكن حين سألناه إن كان قد سأل عن أسباب التصعيد، قال "قالوا لي ما تقدموش للترخيص".
ورغم القضيتين، يرفض البلشي وصف اللحظة بأنها غير مسبوقة "الناس ساعات بتقول لي دا أسود يوم، وأنا ما بعرفش أتعامل مع أسود يوم. لما اتحجب في يوم واحد 17 موقع مع بعض، كان إيه؟" وأضاف "ده موقف مستمر وممتد، بيعلو ويهبط طول الوقت. في أسباب تانية؟ أكيد في أسباب تانية. بس أنا مش قاعد أفتش في الأسباب الصغيرة. إحنا علينا أن نتعامل مع المرض العام".
أزمة شفافية
أساس قضية مدى مصر هو الترخيص. اعترف القانون 180 لسنة 2018 بالمواقع الإلكترونية، وألزمها بالحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ومنح المواقع القائمة بالفعل قبل إصدار القانون مهلة لتوفيق أوضاعها. لكن مواقع عدة تقدمت بطلباتها منذ سنوات ولم تتلق ردًا، بينما يتم الحجب بقرار إداري. وتطالب النقابة بأن يُعد عدم الرد إقرارًا بالترخيص، كما ينص القانون، وبإلغاء الحجب الإداري.
"مدى مصر" ليس الموقع الوحيد العالق في الترخيص إذ رُفض طلب لموقع "فَكَّر تاني". وقال البلشي إن هناك خمسة مواقع في وضع مماثل، وإن النقابة تحركت مع المجلس الأعلى للإعلام بشأن "فكر تاني" وستتحرك مجددًا.
سألناه: بماذا يفسر المجلس الأعلى منح التراخيص لمواقع ومنعها عن أخرى؟ "هما مش محتاجين يفسروا. إحنا بنتكلم على أزمة في شفافية الإصدار". رافضًا أن يحمل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المسؤولية "عشان ما نظلمش المجلس، دي أزمة رؤية بشكل عام للصحافة. رؤية شايفة في الصحافة وتنوعها مشكلة".
ويقدم البلشي تصوره البديل بصراحة لافتة. "أنا مش ضد يا ستي إنه يبقى فيه صحافة للأجهزة. بس يبقى فيه صحافة تانية، يبقى فيه تنوع في الملكية وحرية إصدار، وفرص متساوية للجميع".
"مش هفرض رؤية من فوق"
المواقع التي تكافح للحصول على ترخيص يعمل فيها وفي غيرها صحفيون يكافحون بدورهم للحصول على عضوية النقابة. يقصر قانون إنشاء نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970 العضوية عمليًا على العاملين في "الصحافة المطبوعة" والمعيّنين في مؤسساتها. وهكذا يبقى خارج النقابة مئات الصحفيين العاملين في المواقع الإلكترونية، ومئات آخرون غير معينين في صحفهم، بلا عضوية ولا حماية نقابية. وظل تعديل القانون مجمدًا لسنوات، خوفًا من أن يخرج من البرلمان بنسخة أسوأ. وعاد الملف إلى الواجهة في أغسطس/آب الماضي، حين تقدم الإعلامي شريف عامر للقيد بالنقابة، ودعت النقابة إلى نقاش مفتوح حوله في 3 أكتوبر.
سألناه: هل هذا الوضع قابل للاستمرار؟ قال إن الخوف من البرلمان ليس افتراضًا بل حصيلة تجربتين. الأولى حين طرح تعديل مواد بعينها في قانون النقابة ودعا نوابًا صحفيين لمناقشته "النواب واحنا قاعدين في الجلسة قالوا: إياكم تدخلوا القانون البرلمان. مهما كنت دقيق، ما تضمنش. كل النواب الصحفيين، إلا قليلًا". والثانية قانون الإجراءات الجنائية، الذي ضغطت النقابة لتعديله ثم خرج بصيغة اضطرت رئيس الجمهورية إلى التدخل "ده المشهد اللي أنت فيه. أنا لو ما أدركتوش يبقى أنا عبيط".
البديل عند النقيب هو إعادة تفسير النص القائم بقرار من الجمعية العمومية "القانون ما نصش على الصحافة الورقية. القانون قال الصحافة المطبوعة، وقال كمان الوكالات. هل الوكالات صحافة مطبوعة؟". ويرى البلشي أن الصحافة وفق فلسفة القانون تتسع لتشمل كل ممارسي المهنة على أرض مصر.
وكان البلشي قد طرح في ولايته الأولى حلًا وسطًا هو عضوية الانتساب لصحفيي المواقع، ولقي مقاومة واسعة داخل الجمعية العمومية. الآن يقول إن النقابة تصوغ مقترحًا أوسع لتفسير النص لتطرحه على الجمعية العمومية المقبلة "التغيير اللي بيبقى محمي في الجمعية العمومية ما بيغيرهوش مجلس بعد كده، بيغيره جمعية عمومية تالية".
وهنا يعود بدل التدريب والتكنولوجيا ليطرح نفسه كعامل معطِّل. هذا البدل دعم مالي تقدمه الدولة للصحفيين المقيدين بجداول النقابة، وكان الهدف الأساسي منه مساعدة الصحفيين على تطوير مهاراتهم المهنية، ومواكبة التطور التكنولوجي، وتغطية تكاليف أدوات العمل الصحفي، ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية اعتبرته مؤسسات وصحف جزءًا مكملًا لرواتب الصحفيين وصار مصدر دخلٍ رئيسيًا لصحفيين أُغلقت مؤسساتهم أو فُصلوا. وجزء من مقاومة أعضاء النقابة لتوسيع القيد يرتبط بخوفهم على أكل عيشهم، والبدل في مقدمته.
لم يعترض البلشي على ذلك، لكنه قال إن الخوف في غير محله: "جمهورنا كله بيشتغل في مواقع، إحنا مش هنكدب على بعض. وفكرة إن السوق يتسع وإنك تبقى مؤثر ممكن تكون فرصة، مش العكس. لأنك لما بتبقى مؤثر، كل الحقوق دي بتيجي بشكل أكبر".
قلنا له إن صحفيي المواقع رأوا فيه نقيبًا "يشبههم"، رئيس تحرير سابق لموقع محجوب، وإن كثيرين يقولون: إذا لم يحل البلشي هذا الملف فلن يُحل. فرد بحدة: "السؤال ده، للأسف، تكريس لرؤية إحنا بنحاربها طول الوقت. إما أن نؤمن بأن النقاش الديمقراطي هو اللي بيغيّر، حتى لو طال الأمد، وإما أن نؤمن بالرؤية المفروضة من فوق. أنا مش هفرض رؤية من فوق. هو الديكتاتور بتاعهم حلو والديكتاتور بتاعنا وحش؟".
حين أطلق وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان دعوة مبهمة لتنظيم المواقع، ثم قال إنه يقصد تنظيم ملاكها، رفض البلشي أي كيان بديل يدّعي الدفاع عن الصحفيين خارج النقابة. سألناه كيساري: لماذا يرفض أن ينظم صحفيو المواقع أنفسهم خارج نقابة الصحفيين، والتعددية النقابية موقف يساري أصيل؟ فأجاب "مش موجود في الدستور ده أصلًا. للأسف، بنص الدستور. نغير الدستور؟".
وأضاف أنه كنقيب ملزم بالقواعد القائمة: نقابة مهنية واحدة لكل مهنة. لكنه حذر من النتيجة إذا بقيت النقابة مغلقة "لأن ده معناه إن من حقي أعمل بدائلي. وبدائلي دي ممكن ما تبقاش نقابة، ممكن تبقى حاجات تانية، وممكن تهدد مستقبل النقابة وبقاءها". أما الملاك، فمن حقهم أن ينظموا أنفسهم، "لكن لا يدّعوا الدفاع عن الصحفيين، لأن المصالح متضاربة وشديدة التضارب".
الحوار ثم الحوار
الترخيص والحجب والقيد وحبس الصحفيين ملفات حملتها النقابة إلى ثلاثة مسارات للحوار مع الدولة. في 2023 شارك البلشي في الحوار الوطني ممثلًا للنقابة. وفي 2025 كان منسق اللجنة التشريعية في لجنة تطوير الإعلام، التي رفعت توصياتها لرئيس الوزراء في فبراير/شباط 2026. والتشابه بين توصيات المسارين لافت، وكذلك غياب تنفيذها. والآن يستعد للمشاركة في المؤتمر السنوي الأول للإعلام بنفس المطالب تقريبًا.
يقول البلشي إنه لو كان خارج النقابة لما شارك في الحوار الوطني أصلًا "أنا كنت شايف إن الشروط العامة للحوار الوطني، قبل أن أكون نقيبًا، أنا مش داخل. بس لما أبقى في نقابة، لا، أنا هشارك. النقابة طرف لا بد يعبر عن رؤى مختلفة ومتعددة". وروى أنه حرص في جلسة حرية تداول المعلومات بالحوار الوطني على أن يقول: "جئت اليوم لأناقش حرية تداول المعلومات بينما لدي مواقع محجوبة".
وعن لجنة تطوير الإعلام، قال إنها تبنت مشروعي النقابة كاملين: منع العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وقانون حرية تداول المعلومات، الذي صاغته النقابة في مؤتمرها العام السادس. وإن مشروع القانون الثاني جمع توقيع 60 نائبًا، بمبادرة من إحدى النائبات. "هل ده اللي أنا بنشده؟ لا، مش ده اللي بنشده".
أما مؤتمر ديسمبر الذي من المنتظر أن يناقش المقترحات التي رفعتها لجنة تطوير الإعلام فيراه النقيب فرصة أخرى لطرح مطالب الصحفيين قائلًا "النقابات أينما فُتح لها مسار للحركة ستتحرك... دا المتاح. الحل التاني إيه؟ أقعد في بيتي وأقفل؟!" لا يعتبر البلشي أن المقاطعة في أي لحظة تصلح أن تكون رسالة احتجاج مهما كان سقف التوقعات منخفضًا، ويؤكد أن التفاوض قدر لا اختيار حتى وإن بدا أنه بلا أفق.
الحرية وأكل عيش
في تاريخ النقابة نمط معروف: حين يرحل نقيب رفع راية الحريات، يخلفه نقيب الخدمات وتتراجع الحريات. سألناه إن كان يخشى أن يتكرر ذلك بعده "والله أنا شايف حاجة غير اللي انتوا شايفينها. الرؤية اللي أنا شايفها في الجمعية العمومية إن فيه إدراك واسع ويتسع: إن الحرية دي أكل عيش. وإن إحنا بندفع تمن إن إحنا مش قادرين نشتغل".
لكنه يعرف أن جزءًا من الجمعية العمومية يرى العكس "إحنا بنتعرض من الجماعة الصحفية (لاتهامات) انتوا بتضيعوا أكل عيشنا"، ويقسم الجمعية العمومية إلى ثلاثة قطاعات "قطاع قلق بشكل حقيقي على أكل عيشه، وقطاع بيتحرك في لحظة ما لأسباب مختلفة مش هنناقشها، وقطاع يرى إن الموضوع عكسي خالص: يا جماعة لو اتحررنا إحنا كلنا هنستفيد". ويرى أن مهمة النقيب أن يجمع الثلاثة "إما أن تراعيهم عشان تجمع الناس على قضاياك، وإما أن تخسر القضية على بعضها".
يقول البلشي إنه دخل السياسة أصلًا من باب الأوضاع الاقتصادية قبل الحريات "كنت صحفي عمالي بالمناسبة، وكنت بروح أخبط على الأماكن اللي أنا عارف إنها تعاني". وحين وصل إلى النقابة، رأى أن "أولوية العدالة الاجتماعية" غابت طويلًا عن ملفات منوط بأي نقابة أن تدافع عنها. وفي عهده نظمت النقابة، لأول مرة بحسب قوله، إضرابًا في بي بي سي، تلته إضرابات في رويترز والوفد والبوابة. وفي الأخيرة، كما قال، صدرت لأول مرة أحكام بغرامات لعدم تطبيق الحد الأدنى للأجور.
ولكن كم مؤسسة صحفية تطبق الحد الأدنى للأجور اليوم؟ "مش كتير.. المؤسسات القومية تقول إنها تطبقه" لكنه أوضح أنها تحسبه على إجمالي الدخل، وقد يدخل البدل في بعضها "عندنا مؤسسات خاصة بعضها بيطبق الحد الأدنى للأجور، وبعضها ما بيدفعش أجور أصلًا" ويكتفي صحفيوها ببدل النقابة.
واستشهد باستطلاع أجرته النقابة بين الصحفيين، أعضاء وغير أعضاء: أكثر من 60% منهم لا يحصلون على الحد الأدنى للأجور. "فيه ناس بتاخد صفر"، يقول البلشي عما كشفه الاستطلاع.
بل إن تطبيق الحد الأدنى يواجه أحيانًا مقاومة من الصحفيين أنفسهم "يقولوا: إحنا عايزين نعيش وخلاص. لما توصلي للوضع ده، ده مؤشر الخطر اللي إحنا فيه". ويربط البلشي ذلك مباشرة بتراجع الحريات: "لما كان في مساحة من حرية الكلام، كان أجر الصحفي أكبر من دلوقتي، بالرقم، مش نسبة وتناسب. في 2012 كنا بنعمل مشروع جرنال ما اكتملش، كنا بنتكلم على أجر بيبدأ من 5000 و7000 للصحفي".
وهؤلاء، كما يقول، هم الجمهور الذي يتهمه بتهديد أكل عيشه "بعضهم بيصرخ: يا عم أنا عايز آكل عيش، يا عم أنا عايز أتعالج، يا عم فكك من موضوع مدى وكذا. وهو مش مدرك إن توازن هذه الأدوار هو اللي هيحل ده".
الاستقلال المالي
يرى كثيرون أن ولاية البلشي الثانية أصعب من الأولى، وأن مواقف النقابة في ملف الحريات لها كلفتها في البدل تحديدًا. لم ينف البلشي أن هناك ضغوطًا لكنه رفض الرواية الشائعة عن البدل. "لما ييجي يقول لك البدل انضرب.. ما زادش. لا، البدل زاد.. زاد ثلاث مرات. ما حصلتش في أربع سنين ثلاث مرات في أي وقت. توقعات حجم الزيادة دي حدوتة تانية. طول الوقت الدولة هي اللي بتدفع الزيادات، والنقيب بيتفاوض وبيطلب".
وحين سألناه بماذا عوقبت النقابة على مواقفها، رفض الكلمة نفسها: "أنا قلت اتعاقبت؟". ثم وصف ما يجري بتعبير آخر "إحنا في مفرمة شغالة. ترس كده فيه جذب ومقاومة". وأضاف "هل النقابة بتتعرض لهذه المسائل؟ أه، بتتعرض طبعًا".
يرى البلشي أن جذر المشكلة في اعتماد النقابة على أموال الدولة: "عايز حرية كاملة؟ لازم تتحرر اقتصاديًا، لازم يبقى عندك مداخيل تحررك. إنما في الآخر أنت هتروح تخبط على باب حد تقول له: أنا عايز 10 مليون جنيه عشان نحل مشكلة كذا. وارد يقول لك اتفضل، ووارد يقول لك أنا ما عنديش إلا اتنين، ووارد يقول لك أنا عندي خمسة بس. لو اعتبرت ده ضغط، اعتبره".
وقال إن النقابة تكرر قبل كل انتخابات دعوتها لأعضائها "يا جماعة ما تخلوش البدل أداة للتأثير في الانتخابات. ده عنوان واضح، مش محتاج كلام".
وعن مصدر هذا الضغط، قال "فيه شد وجذب، فيه رؤى مختلفة داخل الدولة. فيه رؤى داخل الدولة شايفة إن طريقة كلام بعينها مضرة".
أما قاعدته الشخصية في مواجهة ذلك، فلخصها هكذا "أنا مش همارس عمل سياسي. بس همارس السياسة من خلال رؤية النقابة للحرية، أو لحقنا في صحافة حرة. ده لم يتراجع في الخطاب النقابي طوال السنين اللي فاتت" مؤكدًا أنه يدرك أن دوره كنقيب أن يراعي كل التوازنات ويتفاوض باسم الجميع.
سلم النقابة
أوضح اختبار لهذه القاعدة كان سلم النقابة الذي طالما كان ملاذًا بل وفي أحيان كثيرة البقعة الوحيدة تقريبًا في مصر التي يمكن أن يقف فيها الناس للاحتجاج، في بلد لا يتيح فعليًا حق التظاهر. سألناه إن كان قد قيل له صراحة في لحظة ما إنه تجاوز الحدود المقبولة خاصة وأن دورته الأولى شهدت إزالة سقالات تطوير واجهة مبنى النقابة التي ظلت تحجب الواجهة وسلم النقابة سنوات، وبالتالي اختفت الوقفات الاحتجاجية على السلم طوال فترة نصب السقالات.
لم يجب النقيب مباشرة، لكنه وصف كيف كان يدير المساحة "فيه لحظة لما علت هتافات بطريقة ما، أنا قلقت على من علت منهم هذه الهتافات، لأنهم بقوا مهددين. ولو هُدد ده (يقصد من يهتف) هيتقال أنت اللي قفلت السلم بإيديك (يقصد أنه يمنح مبررًا لتدخل الأمن)"، ولهذا في بعض الأحيان لم يكن يتردد في تعطيل وقفات أو حتى المطالبة بفض وقفات منعًا للتصعيد. "فيه مرة زملاء اتقبض عليهم في المعادي، خمس صحفيين. فكان جزء من التفاوض إن احنا وقفنا على السلم نمشِّي الناس عشان الناس تخرج، بإيدينا بالمناسبة. وخرجوا في نفس اليوم".
ويقول البلشي إن النقاش حول حدود السلم لم يتوقف يومًا، "مع أطراف في الجمعية العمومية، ومع الدولة، ومع كل الأطراف: إنتوا حدودكم إيه؟"
في مارس المقبل 2027 يغادر البلشي مكتبه في شارع عبد الخالق ثروت وتستقبل نقابة الصحفيين نقيبًا جديدًا قد لا يملك من أوراق الضغط الكثير، ولكن البلشي ما زال يراهن على وعي الجماعة الصحفية مهما اختلفت الوجوه الممثلة لها "نقابة الصحفيين عمرها ما هتبقى مجرد رقم. النقابات قوتها في جمعياتها العمومية، وفي إشعار الجمعية العمومية إنك مش خصم لمكاسبها... النقيب اللي جوة هيبقى عضو جمعية عمومية برة. كلنا المفروض نظل فاعلين داخل النقابة بطرائق مختلفة"، أما هو فسيحتاج إلى بعض الوقت ليعود لصفوف الجمعية العمومية ويكمل مشوارًا نقابيًا استمر لعقود.. "هاستريح شوية".