أفلام وأفكار وثورة| الفقراء عقارب بين أكوام القمامة
حين يريد الأطفال في المناطق الشعبية اصطياد العقارب المنتشرة بين أكوام القمامة في حواريهم وأحيائهم، يُشعلون النيران حولها، فتخرج مفزوعةً من السخونة، فيصطادونها بسهولة.
تخبر الصحفيةُ مها/روبي الدكتورَ ياسين/أحمد الفيشاوي بذلك، في فيلم عيار ناري (2018)، باعتبارها استراتيجية تَعلَّمتها من عملها في المناطق الشعبية. وهي الحيلة التي سيستخدمانها لاستدراج أم البلطجي/الشهيد للتليفزيونات، واثقين من إنها سترتكب خطأً يقودهما لحل اللغز. فيوترانها، هي وابنها البار العامل في المحاجر، الذي قتل أخيه بالخطأ دفاعًا عن أمه، ويمطرانهما بالصحفيين الذين يطرقون بابهما، حتى تضطر الأم، كعقرب ساذج، للظهور على شاشة قناة تليفزيونية، فيصطادانها.
اختصارات لا نهائية
قبل الاستمرار مع "عيار ناري"، علينا أن نتذكر سريعًا استراتيجية أخرى لها علاقة بموجة يناير 2011 الثورية، المفترض أن أحداث الفيلم تدور خلالها، وإن أُنتج بعد انتهائها بأعوام. كانت لحظة "إسقاط" مبارك، أو للدقة "اضطرار" المؤسسة العسكرية للتضحية به، لحظة انتهاء الإجماع الوطني على هدف موحد. وهو ما جعل كثيرًا من المصريين يتصورون تلقائيًا، أن الثورة انتهت بتحقق هذا الهدف، قبل أن يتاح الوقت اللازم لتأصُّلِ شعاراتها في أفكارٍ وبرامجَ واضحةٍ، تُمكِّنها من التحول لمنظومة فكرية سائدة.
وكأنما فُرِض على الثورة المصرية البقاء داخل حيز الشعارات الفضفاضة، مثل "عيش.. حرية.. كرامة إنسانية.. عدالة اجتماعية". فرغم أنه أحد الشعارات الأساسية التي ترددت في كثير من شوارعنا، وكان ولا يزال يمس حياة غالبية قطاعات الشعب المصري مباشرة، وصالح في حد ذاته للتطوير كبرنامج ومنهج للزمن الجديد التالي ليناير 2011، بحيث يسود مجتمعيًا وبالتالي سياسيًا وثقافيًا؛ فقد جعلته الأيام ومجريات الأمور والاستبدال السريع لمبارك، وامتصاص قطاعات النظام المصري لضربة 25 يناير، محصورًا في مجرد شعار عام للمواجهات، وحلمًا ينتسب لليوتوبيا عند الكثيرين.
ولأنه مع إسقاط مبارك انتهت الثورة بالنسبة للأغلبية، واحتفظ النظام الحاكم بقدراته وأجهزته لفرض أيديولوجيته، وتعبيراته، وسردياته، كان من الطبيعي أن تسود بالتدريج تصورات تُجرِّم الثورة نفسها. أو تربط محاولات استمرارها بصورة البلطجي، أو توصم الكثير من الاحتجاجات الثورية بوصم "الفئوية"/"الأنانية". وأن تقرن أيام الثورة المبهرة الأولى بصورة البطل الشاب الآتي من بين صفوف الطبقة الوسطى، ليُجري بعض التحسينات على الواقع المصري، متصورًا أن طبقته الوسطى -التي تعيد إنتاج الأيديولوجيات والأفكار، وتشارك في تسويقها وتسييدها- قادرة على الانتصار والحكم.
قبل لحظة انتهاء الإجماع على رفض مبارك، كانت ماكينةُ تشكيلِ مخيلةٍ جماعيةٍ تجاه الثورةِ دائرةً بالفعل، على غرار ما تناولْتُه في سلسلة مقالات نشرتها المنصة تزامنًا مع ذكرى الثورة المصرية العام الماضي، وكيف تطورت مروية جريدة الشروق اليومية لها، خلال الثمانية عشر يومًا الأولى منها، بحيث يُعاد تشكيلها تدريجيًا في المخيلة الجماعية، التي ستعكسها لاحقًا الأفلام، عبر عدد من الاختصارات أو الاختزالات.
فهي جيليًا ثورة شباب، بأدواته الحديثة للتعبير والنشر والحشد عبر السوشيال ميديا الجديدة. لدرجة وصفها كثيرًا بثورة الفيسبوك. واجتماعيًا ثورة الطبقة الوسطى المصرية. بل إنها عند البعض ثورة الشرائح الأعلى من هذه الطبقة. وهي ثورة اختُزلت مكانيًا وزمنيًا. ففيما كانت معاركها تدور في أغلب المحافظات والمدن، اِختُصرِت تدريجيًا في العاصمة، ثم في وسط البلد القاهري، ثم في ميدان التحرير. وزمنيًا فهي ثورة امتدت لمدة ثمانية عشر يومًا، وانتهت بتحقيق هدفها، الذي صُور باعتباره هدفها الوحيد؛ إسقاط مبارك وعائلته.
بإمكان الكثيرين تذكر مشاعر الدهشة يوم تحوَّل شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، إلى شعار "الشعب يريد إسقاط الرئيس". بدا أن تغيير الشعار مجرد حيلة للسخرية من مبارك الذي لم يفهم بعد، بسبب غبائه، أنه رأس النظام وبالتالي مطلوب إسقاطه، فلابد إذًا أن نقولها له ببساطة كي يفهمها. في حين كان الاستبدال ضمن هذه العملية نفسها لاختزال الأهداف واختصارها والاكتفاء بما هو رمزي منها، وكأن مبارك هو النظام.
لكنها صُوِّرت كذلك باعتبارها ثورة لا جذورَ أو خلفيات لها، منزوعةً عن أي سياق تاريخي، لا يوجد ما يسبقها أو يليها. وإن بُحِث عن جذورها فربما يُعاد بها فقط إلى 6 أبريل 2008، أو أبعد قليلًا زمنيًا لنصل لتأسيس حركة كفاية 2004-2005. بمنهج يعزلها عن جذورها النضالية والثقافية التاريخية التي كانت تستطيع الاتكاء عليها سياسيًا وفكريًا. ويعزلها كذلك عن الاحتجاجات التالية، الموصومة بـ"الفئوية"/"الأنانية"، وكأنها خروجٌ عن الثورة بشكلها الذي نعرفه ونطمئن إليه.
سوقية العقارب الفقراء
بالعودة لفيلم "عيار ناري" في ضوء لعبة الاختصارات، هل نتذكر العبارة الشهيرة التي نطقها أحد أفراد جهاز الأمن يوم جمعة الغضب 28 يناير 2011، "الشعب ركب يا باشا"؟ ركب الشعب فعلًا في ذاك اليوم. لكن الحرص التالي كان ألَّا يركب فقراء هذا الشعب. وهو ما انعكس في أغلب المنتجات الإعلامية والسينمائية بنوعيها، التسجيلي والروائي. بحيث تبتعد صورة البطل الثوري، إن ظهرت، عن ملامح الفقراء. لكن صناع "عيار ناري" يذهبون في طريق مغاير، يتحسرون على أن الفقراء ركبوا. لكنهم، وكي لا يبتعدوا عن منهج اختصار الثورة، يحددون نوعية الفقراء. ليسوا فقراءً وفقط، بل بلطجية ومحتالون ومتواطئون.
تتكدس قصة الفيلم بالتفاصيل والحوارات التي لا تدعو المتفرجين لرفض أو قبول موقفه السياسي، بل لأن يمسحوا من عقولهم ووجدانهم كل ما يعرفونه عن الثورة أو عاشوه منها. وأن يصدقوا فقط ما يرويه هذا الفيلم عنها. فبالإضافة إلى تكرار أن كل الأشياء لها أكثر من وجه، وأن الغوغاء يفرضون حقيقةً مُزيفةً، تشارك حبيبة الشهيد/البلطجي بعد مقتله في نسج كذبة استشهاده في المظاهرة، فتكتب جملة على صفحته الفيسبوكية، على اعتبار أنه كتبها بنفسه "أنا نازل يا أمي عشان مصر تبقى أحلى".
تُوضَع هذه العبارة، التي تحولت عند جموع الغوغاء لأيقونة، في سياق ينفر منها. وفي الحقيقة تشبه فعلًا بعض الجمل التي كتبها شباب كانوا من شهداء الثورة، في الواقع الحقيقي، وليس المتخيل دراميًا. أو أن يردد أبو الفتاة بطريقة أقرب للسوقية، والسوقية طريقة في الكلام مختلفة عن طريقة تعبير ابناء المناطق الشعبية؛ "كان بيناضل عشان الحرية". و"مصر الأحلى" و"الحرية" تظل مفاهيمَ مبهمةً، لا تكتسب أي أبعاد أو مبررات ملموسة آتية من واقع هؤلاء الناس.
أشرت في مقالات سابقة بمناسبة الذكرى العاشرة للثورة، لفرضية أن قطاعًا من النخبة السينمائية المصرية لا يعرف لماذا يثور الفقراء حين يثورون. أو أنه يعرف الأسباب الحقيقية ويتجاهلها، ويحصرها في صبغة الشعر. مثلما جاء على سبيل المثال في أحد الأفلام القصيرة التي شكلت الفيلم الجماعي "18 يوم" (2011). إلا أن هذا الافتراض لا يصلح كمقياس في "عيار ناري".
جميع الفقراء الذين يظهرون في الفيلم، ليس لهم أصلًا أي علاقة بالثورة، ولم يشاركوا بها. جميعهم ملوثون، ومتورطون في جريمة أو فعل غير أخلاقي؛ سواء بالقتل، أو بابتزاز الدولة والانتفاع على حس الشهيد المزيف، أو بالفساد وبيع تقارير الطب الشرعي للصحافة، أو بمجرد التواطؤ على جريمة قتل وتزييف الحقيقة.
ولا يُخفي صناع الفيلم احتقارهم لهؤلاء الفقراء الملوثين، بوضعهم في مقابل الأغنياء وأفراد الطبقة الوسطى الشريفة. فالوزير ليس فاسدًا، وابنه الطبيب الشرعي والصحفية باحثون عن الحقيقة، ومخلصون في عملهم، ورئيس تحرير الجريدة صحفي نزيه، وأخت الطبيب الغنية تراعي أباها وتقلق على أخيها وترعاه أيضًا. فيما الفقراء يُشبَّهون بالعقارب.
الثورجي الكليشيه
من ناحية هناك أبناء الطبقة الوسطى والأغنياء. ومن ناحية أخرى هناك العقارب الملوثة من الفقراء. وبينهم يقف نموذج وحيد لمن يوصف في الفيلم بـ"الثورجي". إنه الشاب الوحيد المشارك في الثورة حقيقةً. وتُرسم ملامح الشخصية بحيث يقبع في منطقة رمادية، غير مفهومة، ليبدو كشخص غير مريح. إنه يشبه هؤلاء الفقراء، لكنه ليس منهم تمامًا، فقد سلَّف صديقه البلطجي مبلغًا ماليًا كبيرًا قبل مقتله مباشرة. وهو متواطئ مع أكاذيب الفقراء حول الشهيد الذي كان يسخر من نزوله للمظاهرات.
لا يكتفي الثورجي بالكذب، بل إنه وغد أيضًا، يطالب أهل الشهيد بأمواله بعد مقتله مباشرة. فيُدخلونه شريكًا في محل بيع الموبايلات في المعادي. ولا يفوت صناع الفيلم جعله مناسبًا لنموذج الثورجي/الناشط التليفزيوني التي روِّج لها إعلاميًا خلال الثمانية عشر يومًا الأولى من الثورة وبعدها مباشرة، فتاريخه السياسي لا يبتعد عن عام 2008، مشيرًا إلى مشاركته الدائمة في التظاهر منذ تلك الفترة، اعتمادًا لأحد اختصارات ثورة يناير.
أغلب الأعمال الدرامية المصرية التي تتناول ثورتنا الشعبية الأكبر خلال قرن كامل، التي أُنتجت قبل تراجع تلك الثورة، وقبل "عيار ناري"، طغت عليها حالة من حالات "نخبنة الثورة"، في انسجام كامل مع خطاب وتوجهات الإعلام الرسمي والخاص في نزع الغطاء الشعبي الفقير عنها، ومنحها وجوهًا يسهل التعاطي معها، سواء كثورة للطبقة الوسطى، أو الشباب، أو فيسبوك.
لكنها تحوَّلت مع الوقت وتدريجيًا إلى "المؤامرة الإخوانية الدولية" في أعمال درامية تليفزيونية. وبين الصورتين، النخبوية والإخوانية، تَلوُح دائمًا صورة البلطجي، أو الخارج عن القانون، أو المنحرف، من نوعية علاء أبو زيد في "عيار ناري"، أو الهارب من السجن في فرش وغطا، أو بعض شخصيات اشتباك، أو حبيب بطلة فيلم نوارة، وهي بعض الأفلام التي تستحق التوقف أمامها، وأمام ما ترويه عن الثورة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.