تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2025
قصة الفيلم التخيلية، المبنية على موقف سياسي، تعبر عن الحالة التي تسبق الدعاية فيها الفن والحقيقة وتسحقهما في طريقها.

أفلام وأفكار وثورة| "عيار ناري".. روح اللحظة كما تريدها الأجهزة

منشور الأربعاء 7 كانون الثاني/يناير 2026

بعد أعوام من إنتاج فيلم "ميكروفون"، الذي وصفتُه في المقال السابق بأنه عبّر عن أحد وجوه حلم اللحظة الثورية، أنتج محمد حفظي، صاحب الكلمات الحماسية عن الثورة، فيلمًا يقف على النقيض من ميكروفون، معاديًا للثورة، مروجًا لمن قامت ضدهم، وهو فيلم عيار ناري (2018) إخراج كريم الشناوي، وسيناريو هيثم دبور.

"كل حاجة ليها وشّين يا دكتور"، جملة يقولها خالد القفاص/محمد ممدوح، مخاطبًا الدكتور ياسين/أحمد الفيشاوي، لتتحول شعارًا للفيلم؛ أن الحقيقة لها وجوه متعددة، كلها حقائق محتملة. والوجه الذي يتم تكريسه تفرضه الجموع بغوغائيتها، وإن تنافى مع الحقيقة.

بالإمكان لي ذراع هذا التصور المتفلسف، لإدراك أسباب إنتاج الفيلم نفسه. فـ"عيار ناري" يقدم ما أراد أصحاب السلطة تسييده وكأنه روح لحظة يناير الحقيقية، وبالكثير من الضوضاء السينمائية، عبر قصة غير منطقية ويصعب تصديقها.

هذا التصور نفسه؛ أن الحقيقة لها أكثر من وجه، مجرد تجميل لخطاب الفيلم الفكري والسياسي، ويأتي في المحل الثاني من حيث الأهمية بعد حبكته التي تقدم موقفًا سياسيًّا دعائيًّا شديد المباشرة من الثورة، التي قال المنتج سابقًا إنها منحتنا الحرية. موقف يتلخص في أن الشهداء بلطجية، ولم تقتلهم الشرطة. وأن تقارير الطب الشرعي مزورة لإرضاء الغوغاء، المستفيدين ماليًا، أو للتغطية على جرائم هؤلاء القتلى/الشهداء.

المنتصر يفرض روايته

الحجة الدرامية للفيلم قديمة ومعتادة؛ تواجه الشخصية الرئيسية لغزًا. تُعاقَب من جهةٍ ما لأنها حاولت حل اللغز. لكنها تصر على المضي في رحلة حله وتبرئة نفسها، بالتوازي والتقاطع مع الصحفية مها عوني/روبي، التي تتورط في رحلة الشخصية الرئيسية.

وجود الفيشاوي وروبي، إضافة لقالب التشويق المكدس بالتوابل؛ الجريمة، اللغز، الاكتشاف، القليل من رائحة الخيانة الزوجية في بداية الفيلم، وغيرها، يضمن له نجاحًا تجاريًا. واكتمال مؤهلات القبول التجاري ضروري في هذه الحالة، حيث لا طموح فني أو تأملي أو مهرجاناتي.

يساهم الفيلم في تشكيل المخيلة الجماعية الجديدة تجاه الثورة، من دون أن ينتبه الجمهور إلى افتقاد الأحداث وتسلسلها، والزمن الفيلمي، لأي منطقية. ودون أن يتساءل هذا الجمهور عن مدى اقتراب أو ابتعاد أحداث الفيلم من "الحقيقة" التي عاشها، كفاعل، وليس متفرجًا في قاعة عرض، فيقبلها، على الأقل باعتبارها حقيقة كانت غائبة عنه.

على سبيل المثال، في سياق الأسلوب الواقعي الذي يعتمده صناع الفيلم، من الصعوبة تصديق أن الطبيب الشرعي يشرب الكحول في المشرحة، وحين يسكر تأتيه الرؤى/الأحلام/الهلاوس، لتفسر الجرائم المطلوب منه كتابة تقارير عنها. بل إن خياله يسمح له بالانتقال جسديًا لمكان الجريمة وقت حدوثها ومعرفة هوية الجاني.

تيمة الحلم/الرؤيا/الكابوس تتكرر في كثير من أفلام ما بعد يناير، سواء تناولت الثورة أم لا. ويأتي عيار ناري كمشاركة نشطة في "التخيّل" الفردي عن الثورة بعيدًا عن الوقائع، طامحًا في المساهمة في تشكيل المخيلة الجماعية الجديدة عنها، بعد مرور السنوات ونسيان الناس الكثير من تفاصيلها، لتنحصر في أنها كانت "ثورة/فوضى البلطجية والغوغاء"، ويكفي هنا التأمل السريع للقصة.

يُكلف الطبيب الشرعي الدكتور ياسين بكتابة تقرير عن مقتل الشهيد علاء أبو زيد/أحمد مالك، الذي سقط برصاص قناصة الشرطة، خلال مشاركته في مظاهرة أمام مقر الداخلية في لاظوغلي، ووصلت جثته للمشرحة بعد وقت طويل من إصابته، يُحدد بثلاثين ساعة. فيكشف اللغز، لم تأت الرصاصة من أعلى، كما هو مفترض إن كانت لقناص فوق مبنى الداخلية أو أحد الأسطح المجاورة، لكنها انطلقت من مكان قريب جدًا.

يكتب الطبيب تقريره بما يرضي ضميره. وبعد أن يُنشر في الصحف، تزوّره رئيسة مصلحة الطب الشرعي، كالعادة، لتحمل الشرطة مسؤولية قتل المتظاهرين، لخوفها من الأهالي المتجمهرين أمام المشرحة. فحين ينصحها أحد مرؤوسيها بأن تتصل بالشرطة لحماية المبنى وحمايتهم، تجيبه "هو البوليس عارف يحمي نفسه عشان يعرف يحمينا!".

يتعقد الوضع بتشويه سمعة الدكتور ياسين باعتباره سكيرًا وتحويله للتحقيق ووقفه عن العمل. فيضطر لبدء رحلة البحث عن الحقيقة منفردًا، وبالتعاون أحيانًا مع الصحفية التي تبحث عنها مثله، حتى يكتشفا بنهاية الفيلم أن الشهيد كان منحرفًا، وعلى علاقة بجارته بحي زينهم، حبلت منه، فقرر الزواج منها قبل الفضيحة.

لا يملك الشهيد/البلطجي بيتًا، ووالد الفتاة يرفضه، فيحاول إجبار أمه على توقيع تنازل عن منزلهم لصالحه، ويهددها بمسدس. خلال اشتباكهما يصل إلى البيت أخوه العامل بالمحاجر، الابن البار المدافع عن أمه، يحاول انتزاع الطبنجة من يد أخيه، فتنطلق رصاصة من دون قصد تقتل الابن العاق.

تسير الأم على قدميها من زينهم لعابدين لتطرق باب الشاب "الثورجي"، الصديق الوحيد لابنها القتيل، وتخبره بأن صديقه مات في المظاهرة، ليُنقل للمشرحة على اعتبار أنه شهيد. وعلى الرغم من أن أهل المنطقة سمعوا صوت الرصاصة، ويعتقدون أن الأم قتلت ابنها، فإنهم يتواطأون معها. ولا تتجلى هذه الاكتشافات كلها بالتدريج، كالمعتاد في الدراما التشويقية من هذا النوع السينمائي، بل باعتراف مجاني وأخير من الأم أمام الجميع، مدعومًا بـ"فلاش باك".

لا حقيقة هنا

عبارة "كل حاجة ليها وشّين" التي يقولها عامل المحاجر شقيق "الشهيد" ليست العبارة الوحيدة التي تلعب على وتر نسبية الحقيقة. فأول وآخر ما نسمعه في الفيلم كلمات بصوت الصحفية مها، تكتب مقالًا "الحقيقة هي الحاجة اللي بيتفق عليها الناس"، وتتابع "النهاردة محتاج تسأل نفسك.. أنت لسة مؤمن بنفس الحقيقة؟".

من الخطأ تصور أن الجمل الحوارية تعبر عن وجهة نظر صناع الأفلام. ففي الدراما الجيدة تتحدث الشخصيات بلسانها، وليس بلسان المؤلفين. لكن صناع الأفلام، الجيدين والرديئين، يعرفون كيف يدخلون جملًا إلى الحوارات ليتلقاها المتفرجون باعتبارها الحقيقة. أو باعتبارها تعبيرًا عن وجهات نظر ومواقف من يقفون خلف الكاميرا، عبر تكرارها أو وضعها في اللحظات المهمة من تطور العمل الدرامي، أو أن ينطق بها البطل الخير الصادق، أو "تلميعها".

يلجأ هيثم دبور وكريم الشناوي لكل هذه الحيل السابقة مجتمعة، لتمرير وتثبيت تصوراتهم، أو لنقل خطاب السلطة؛ أن الحقيقة فيما يخص الثورة لها أكثر من وجه. وأن الوجه الذي كان سائدًا هو ما فرضه الغوغاء. تتكرر الجمل التي تحمل هذه المضامين على لسان الطبيب الشرعي والصحفية، أي الأخيار، وتوضع في اللحظات المفصلية مثل بداية الفيلم ونهايته، ويتم "تلميعها" لغويًا وتصحبها موسيقى مؤثرة.

قرر المجتمع الغوغائي اعتبار الشرطة قاتلة، على الرغم من أنها "مش عارفة تحمي نفسها". والمجتمع/أهل المنطقة يزيفون حقيقة البلطجي ويصنعون منه شهيدًا وهم لا يطيقونه. وهو المجتمع نفسه الذي حكم على والد الطبيب، الوزير السابق، بأنه فاسد، على الرغم من أنه شريف ونبيل وشجاع، يرفض الهرب ويترفع عن الدفاع عن نفسه، دافعًا من صحته ثمن صورته المشوهة والكاذبة عند المجتمع.

أما الجهاز البيروقراطي، ممثلًا في رئيسة مصلحة الطب الشرعي، فمتواطئ مع المجتمع الممثل في بضعة أفراد يقفون أمام المشرحة، تُزوَّر من أجلهم التقارير وكأنهم أقوى من أجهزة الدولة والشرطة. ولأن "اللي بتقرره الأغلبية هو الحقيقة"، مثلما يقول الطبيب الباحث عن "الحقيقة"، يقرر في النهاية أن يشهد في التحقيق التأديبي بعكس الحقيقة؛ أن علاء أبو زيد قُتل برصاص قناصة الشرطة، وتقرر الصحفية عدم نشر مقالها.

فلم يبق لنا كمتفرجين سوى شجاعة صناع الفيلم؛ الوحيدين الذين يقولون لنا الحقيقة، ولا يستسلمون.

لا منطقية وارتباك

يتبدى افتقاد "الحدوتة"، وتتابعها الزمني، للمنطقية في الكثير من التفاصيل؛ على سبيل المثال تنتهي خلال أيام قليلة كل عمليات التشريح والدفن والتكريمات لعائلة الشهيد، وإهداء الأم رحلة عمرة وشقة من المحافظة ليتزوج فيها عامل المحاجر من حبيبة أخيه كي "يستر عليها"، وينتهي تشطيب الشقة وتجهيزها والزواج. وفي يوم الدخلة نجد صورة الشهيد/البلطجي معلقة على حائط حجرة الصالون. وكبقشيش إضافي يهدي رجل أعمال محلًا لبيع الموبايلات في المعادي للأخ الأكبر، ليترك عمله في المحاجر ويبقى بجوار أمه، ويجهز المحل ويفتتحه.

الارتباك الزمني ليس الأهم، فقصة الفيلم التخيلية، المبنية على موقف سياسي/أمني، تعبر عن تلك الحالة حين تسبق الدعاية الفن والحقيقة وتسحقهما في طريقها. فبعيدًا عن صعوبة تصديق أن من عادات الطبيب الشرعي أن يبحث في صفحات فيسبوك لمن تُسند إليه مهام تشريحهم، ويضيفهم كأصدقاء، وعبر هذا الفعل يجد مفاتيح تفسير الجرائم، هناك الأهم، اعتماد الفيلم على مغالطتين أساسيتين من الممكن أن يمرا بيسر على المتفرج الذي لا يعرف، أو المتفرج الذي نسي.

الأولى أن أهالي القتلى لا يمكنهم حمل جثث أبنائهم بأنفسهم لمصلحة الطب الشرعي، وبعد ثلاثين ساعة من الوفاة، وأن السبيل الوحيد لذلك أن تصل الجثث مصلحة الطب الشرعي عبر النيابة وبقرار منها.

والثانية أن قتلى أو شهداء الثورة، ليسميهم كل كما يشاء، لم يصدر لأي منهم تقرير من مصلحة الطب الشرعي بأنه قتل برصاص قناصة من الداخلية. وكان المعتاد الضغط على الأهالي من جهات عديدة ليدفنوا أبناءهم من دون تشريح، وبتقارير لا تقول شيئًا.

في الحالات التي حدث فيها التشريح، نتيجة إصرار الأهالي والمحامين وأصدقاء الشهداء من المشاركين بدورهم في الثورة، أصدرت المصلحة تقارير بأن الوفاة حدثت بأعيرة نارية، حددت أحيانًا نوعها، لكنها لم تحدد من أطلقها. ليأتي دور المحامين في البحث إن كان "العيار الناري" من ضمن أنواع الرصاص الذي تستخدمه الداخلية أم لا.

كل ذلك على عكس حبكة الفيلم المتكئة على "إرهاب" هؤلاء الأهالي الغوغاء للعاملين بمصلحة الطب الشرعي، وإجبارهم على إصدار تقارير مزورة تتهم الداخلية صراحة؛ داخلية لا نراها في الفيلم، تغيب عنه، لم تقتل أحدًا ولا يمكنها حماية نفسها. فيما يحضر فقراء مشوهون ومنحرفون، يستفيدون من الفوضى التي سميت بالثورة.

وصورة هؤلاء الفقراء، العقارب، موضوع المقال القادم.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.