أفلام وأفكار وثورة| عربة الترحيلات المخففة والمجتمع الشرس في فيلم اشتباك
يومَ 18 أغسطس/آب 2013، تُرك 45 متهمًا بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، ضمن اتهامات أخرى، لستٍ ساعاتٍ محبوسينَ في عربة ترحيلات مغلقة، معدة في الأساس لتسع 24 فردًا فقط، في درجة حرارة مرتفعة، مقيدين، ودون مياه، وحين بدأوا في الاحتجاج، بعد تزايد حالات الإغماء بينهم، أطلق أحد الضباط قنبلة غاز داخل العربة، ما أدى لمقتل 37 منهم داخلها.
من يعرفون واقعة عربة ترحيلات أبو زعبل الشهيرة، وهم كثيرون لأنها حظيت بتغطية صحفية واسعة، وكانت محور عدد من القضايا أمام المحاكم، لا يملكون سوى الربط بينها وبين فيلم اشتباك لمحمد دياب منذ اللقطة الأولى، متوقعين أنه تجسيد سينمائي لها. لكن صناع الفيلم لم يستلهموا روح الواقعة، كطريق درامي محتمل، ولم يجسدوها سينمائيًا كذلك، وهو طريق آخر، إنما وقفوا في المنتصف بين الاثنين.
أحيانًا يبدو كأنهم يدفعون بمشاهديهم لإدراك أن فيلمهم ما هو إلا إعادة خلق للحادثة مع قليل من التعديلات في التفاصيل، لتصبح أكثر جاذبية سينمائيًا. وفي أحيان أخرى يقدمون ما يؤكد أنه مجرد استلهام لروح الواقعة، وليست هي نفسها. وأنه تجسيد للاستقطاب المجتمعي الحاصل وقتها عبر نموذج مصغر في مكان صغير ومغلق. حتى إن إحدى الشخصيات تذكر عربة ترحيلات أبو زعبل الحقيقية وعدد من قُتلوا فيها صراحةً في جملة حوارية.
نشعرُ في لحظات أخرى أنهم يريدون التأكيد على أن لا علاقة لفيلمهم بالواقعة، مقتربين من نموذج بين السما والأرض لصلاح أبو سيف، الذي أشرت إليه في ختام المقال السابق. لنكتفي برؤية الفيلم باعتباره مجرد تجسيد لتفاعل نماذج مجتمعية مختلفة وُجِدت سوًيا في مكان مغلق بالصدفة. وهذا مستحيل، فليس بإمكان المتفرجين مشاهدة "اشتباك" دون أن يحضر مباشرة ما حدث مع عربة الترحيلات الحقيقية، وما حدث في مصر بعد 3 يوليو 2013، واستمر لسنوات.
مجتمع يتصارع داخل عربة
نزلاء العربة، في الفيلم وليس في الحقيقة، متنوعون، لا ينحصرون في أفراد جماعة الإخوان من الرجال، أو المتهمين بالانتماء إليها. فأول نزلائها صحفي ومصور، قُبض عليهما لأنهما كانا يصوران الشرطة خلال إحدى المواجهات. وعندما يستمر الصحفي، المصري/الأمريكي، في التصوير بكاميرا صغيرة في ساعة يده، بينما يستغيث زميله المصور بمن يهتفون في الخارج "الجيش والشعب إيد واحدة"، يلقي هؤلاء المتظاهرون الداعمون للجيش الحجارة على العربة، لأن الصحفي يصورهم، ولأن الصحفيين خونة.
يُلقى القبض على بعض من ألقوا الحجارة على العربة، لتكمل رحلتها بهم، من ضمن قافلة أكبر لعربات الشرطة وقواتها الذاهبة لمواجهة مظاهرة إخوانية عنيفة. وتزود العربة ببعض النزلاء الجدد من المنتمين للإخوان قبض عليهم في هذه التظاهرة. ومع تتابع الأحداث يسجن بالصدفة مع نزلائها، المعبرين بتركيباتهم المختلفة عن الاستقطاب والانقسام المجتمعي، أحد مجندي الشرطة، وهو صعيدي مسيحي.
يعتمد البناء الدرامي على تتابع حالتي التوتر والانفراج خارج العربة، وهو ما ينعكس على حالة نزلائها، فيتفاهمون ويتضامنون، أو يتصارعون، بناءً على ما يحدث في الخارج، وبناءً أيضًا على توارد عدد من الصدف داخل العربة. وعبر هذا الانتقال بين التوتر والانفراج نكتشف عددًا من الشخصيات ونعرف عنها أكثر.
أما خارج العربة فهناك شخصية الضابط الخيّر الذي ينوي الإفراج عن المرأتين والطفل بعد أن يهدأ الوضع، وهناك جنديان خيّران، أحدهما متهور وهو ما نفهمه من خلال محاولته تقديم المساعدة للمحبوسين، والآخر أقل شجاعة ويخاف من العقاب إن ساعدهم، وهو من يجد نفسه لاحقًا داخل مصيدة العربة.
لا يهدأ الوضع تمامًا، دائمًا ما يعود للسخونة، إما بحدوث هجوم ناري إخواني على العربة وقوات الشرطة، فيُقتل البعض بالرصاص، أو بوقوع العربة والقوات في فخ مظاهرات إخوانية عنيفة. وفي النهاية، وبعد خطفها من أحد العناصر الإخوانية، وفشله في فتح بابها وتخليص من هم بداخلها، يقودها بالخطأ إلى مظاهرة داعمة للجيش، فتأتي النهاية المأساوية على يد هؤلاء المتظاهرين الذين يفتكون بمن داخل العربة وهم يهتفون "خونة.. خونة".
تظهر صورة البلطجي/المنحرف/الخارج عن القانون في أغلب أفلام يناير كأنها فئة أصيلة وواضحة من الشعب المصري يتم استدعاؤها بديلًا عن الفقراء
لا يوجد من بين شخصيات الفيلم من هو سيئ تمامًا. فمن بين نماذج الإخوان هناك من يحب الغناء والكوميديا والتمثيل. وهناك المعتدلون والمتسامحون دينيًا وعقائديًا، حتى مع المجند المسيحي المحبوس معهم. لكن تطور الأحداث يدفع إلى الاستقطاب بين صفوف الإخوان، فهناك من يضطرون للتطرف ردَّ فعل لتطور المواجهات خارج العربة، وماضيهم في السجون، وتعرضهم السابق للتعذيب، فيهتفون "القصاص بالرصاص"، ويحاولون إرشاد متظاهري جماعتهم في الخارج لمكان عناصر الشرطة.
وهناك من يتطرفون اضطرارًا لمجاراة الموجة. وهناك الفتاة المراهقة التي تبدو في البداية كأنها شديدة التزمت دينيًا، لكنها عبر الرحلة الكابوسية تخلع حجابها لمساعدة جريح من الفئة الأخرى، وتبدو نادمةً على نزولها للتظاهر بعد أن قتل أبوها بالرصاص العشوائي المتطاير بين متظاهري الإخوان والشرطة.
على عكس التغيير الحاصل بين صفوف الإخوان، من يتطرف أو يعتدل، لا يحدث أي استقطاب أو تغيير بين صفوف المواطنين الداعمين للجيش. لا يوجد من بينهم من يتساءل عن الوضع الذي يعيشونه ومسؤولية الدولة، أو الجيش، أو الشرطة عنه. أو عن وضعهم كمساجين داخل عربة مغلقة، من دون مياه أو طعام ليوم كامل. بل تظل بينهم حالة من حالات الانسجام، فيما عدا لحظات توتر عابرة لا علاقة لها بموضوع الفيلم الأساسي، أو بالصراع السياسي العنيف، كأن يكتشف أحدهم أن صديقه على علاقة بأخته. أو أن تلوم الزوجة الممرضة زوجها لأنه كان يأخذ ابنهم الصغير معه للمظاهرات.
من جديد تظهر صورة البلطجي/المنحرف/الخارج عن القانون، كالعادة في أغلب أفلام يناير، كأنها فئة أصيلة وواضحة من الشعب المصري، تُستدعى بديلًا عن الفقراء. ففي "اشتباك" هناك من يبدو كأنه بلطجي، لكنه ليس بلطجيًّا حقيقةً إنما سائس أحد الجراجات يعيش في الشارع، مات كلبه الذي كان صديقه الوحيد في إحدى المواجهات بين الإخوان والشرطة، ويحمل موسًا في فمه ليظهر كبلطجي.
عقدة سياسية تتهرب من السياسة
منطق الصدف الذي حكم تطور فرش وغطا لأحمد عبد الله، يحكم تطور أحداث "اشتباك" لمحمد دياب. لكنه يبدو مقبولًا في هذه الحالة بدرجة أكبر، لأن الإرادة محدودةٌ في حالة مجموعة شخصيات المحبوسة في مكان مغلق، وتتحكم بها قوى خارج هذا المكان، وتطورات خارجة عن إرادتهم، فيتم اللجوء إلى نقيضها.
النقيض هنا هو تحكم الحاجات الطبيعية التي تدفع الأحداث لبعض التطور. كأن يرغب البعض في التبول، أو الإحساس بالعطش، أو بالخنقة، أو بالخوف، أو الانتباه لضرورة معالجة الجروح في أجساد البعض، وهي ما يدفع المسجونين في العربة لتفاعل الحد الأدنى، من دون أن ينسى كل طرف من هو غريمه. لكن مع وضع بعض اللمسات الإنسانية، التي تطرأ على علاقتهم. كأن يسيطر الهلع على أحدهم، من معسكر المواطنين الشرفاء، فيجد الطمأنينة في الاستماع من موبايله لأغنية من أغاني المهرجانات؛ هاتي بوسة يا بت.. هاتي حتة يا بت.
لحظة التقارب الإنساني التي يحاول صناع الفيلم بلورتها لحظةً جوهريةً ومهمةً، هي لحظة نوستالجيا مطلقة استهلكها في الحياة الحقيقية، خارج الفيلم، "مواطنو الميدان" من غير الإخوان، كعتاب على الإخوان بين لحظتي الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس/آذار 2011، و3 يوليو 2013. واستهلكها لاحقًا "مواطنو الميدان" من الإخوان عتابًا على الآخرين الذين شاركوا في 30 يونيو 2013.
هي لحظة اكتشاف المسجونين بالعربة أنهم في الحقيقة أقرب لبعضهم البعض أكثر مما تصوروا، جمعهم الميدان خلال الثمانية عشر يومًا الأولى من الثورة، قبل الشقاق والاستقطاب. وجميعهم يحنّون لهذه اللحظة الساحرة، التي يستعيدونها عبر كليشيه مصري بامتياز؛ قدرة المصريين على التنكيت والسخرية أيًا كانت الأوضاع.
أعطال إلهية
تغيب السياسة هنا، وتغيب وجهة نظر صناع الفيلم تجاه مادتهم، التي ربما تتجسد في سؤال "كيف وصلنا لهذه اللحظة؟". وبما أن عقدة الفيلم الدرامية الأساسية تعتمد على سؤال "ماذا سيكون مصير هؤلاء؟"، "هل سينجون؟"، وهي عقدة محلولة منذ اللحظة الأولى حين ندرك أن في خلفية الفيلم قصة عربة الترحيلات الشهيرة، فنعرف أن المصير لا بد وأن يكون مأساويًا. يتم استبدال الجاني، ليموت هؤلاء بيد مواطنين مثلهم. وهو الموقف السياسي الذي يرضي السلطة والرقابة.
ربما يكون ارتباك الموقف السياسي أو التدخل الرقابي أو الإنتاجي أو الخوف من البوح مفسرًا لارتباك دراما "اشتباك"
لماذا لا ينجو أحدٌ منهم، ما داموا جميعًا طيبين، والشرطة التي وضعتهم في هذا المأزق تبدو خيرة، وإن كانت متوترةً بعض الشيء بحكم الهجوم المستمر عليها؟ من هو إذًا الذي يقرر المصير المأساوي لهؤلاء الأشخاص من مسلوبي الإرادة؟ إنها الصدف. الصدف نفسها التي حددت مسار بطل "فرش وغطا" وقتلته في النهاية. أو بقراءة نقيضة، وفي أفضل الأحوال، قتلتهم غوغائية "مواطني الجيش" الذين يفتكون بهم في النهاية.
أشرت في المقال السابق إلى أننا نكاد نرى صناع فيلم "اشتباك" وهم يحاولون تجنب اتخاذ موقف سياسي. لكنهم يتخذونه غصبًا، بأن يتركونا في هذه المنطقة الوسطى، ليخرج كل منا بالتفسير الذي يرضيه، من دون أن يتورطوا في اتخاذ موقف درامي/سياسي واضح. ومن دون أن يتخذوا موقعًا محددًا تجاه هذه اللحظة من نهاية الثورة؛ من خلق الاستقطاب؟ ومن هو المذنب في إنهاء اللحظة التي يحنون إليها جميعًا، لحظة الثورة في الميدان قبل خلع مبارك؟
المواطنون الشرفاء الذين يفتكون بالمسجونين في العربة بالمشهد الأخير هم أيضًا من ضحايا الاستقطاب، لا يعرفون هوية كل نزلاء العربة، فنميل للبحث عن الإجابات في منطقة الصدفة العمياء التي تتحكم في مصائر البشر. أي نموذج "بين السما والأرض"؛ لقد حدث عطلٌ في المصعد، عطلٌ "إلهيٌّ" ما. لكن "الأعطال" ما بين 25 يناير 2011 و18 أغسطس 2013 لم تكن "أعطالًا إلهية"، بل أعطال نتيجة صراع اجتماعي وسياسي حقيقي، بين قوى تتصارع بوعي وإرادة.
ربما يكون الارتباك في الموقف السياسي، أو التدخل الرقابي، أو الإنتاجي، أو الخوف من البوح، أو كل هذه العوامل مجتمعة وغيرها، مفسرةً لارتباك دراما "اشتباك"، واعتمادها الكامل على لعبة الصدف لتحديد مصير الشخصيات. مثل حال العناوين الافتتاحية واختلافها بين اللغتين العربية والإنجليزية المشار إليها في المقال السابق. فنكتفي بحكاية غير مكتملة، مثل لعبة "إكس أو" المشكلة من المربعات التسعة، المرسومة على حديد العربة، وتظل غير مكتملة، كشاهد مع كاميرا الصحفي الملقاة على أرضيتها، على هذه الحكاية غير المكتملة، وعلى من عبروا هنا، وكانوا ضحية جريمة لا نعرف من ارتكبها.
هذه القصة من ملف أفلام وأفكار وثورة
أفلام وأفكار وثورة| بين "فرش وغطا" و"اشتباك".. صور لثورة تُشكِّلها الصدف
نشعر خلال مشاهدة "اشتباك"، بأن صناعه واعون بأن عليهم اتخاذ موقف سياسي، ونكاد نراهم وهم يحاولون تجنب اتخاذه.
أفلام وأفكار وثورة| فرش وغطا.. الصمت بديلًا عن التورط
في "فرش وغطا" تأتي التفاصيل للتشويش على ثورة حاضرة فعلًا، وإن لم يفهمها البعض. فيكون الهروب إلى اللمحات المجتمعية الخاطفة، المنتمية لزمن الثورة، لكنها لا تحكي عنها.
أفلام وأفكار وثورة| الفقراء عقارب بين أكوام القمامة
جميع الفقراء الذين يظهرون في الفيلم، ليس لهم أصلًا أي علاقة بالثورة، ولم يشاركوا بها. جميعهم ملوثون، ومتورطون في جريمة أو فعل غير أخلاقي. سواء بالقتل، أو بابتزاز الدولة.
أفلام وأفكار وثورة| "عيار ناري".. روح اللحظة كما تريدها الأجهزة
حبكة الفيلم متكئة على "إرهاب" هؤلاء الأهالي الغوغاء للعاملين بمصلحة الطب الشرعي، وإجبارهم على إصدار تقارير مزورة تتهم الداخلية صراحة بقتل البلطجي واعتباره شهيدًا.
أفلام وأفكار وثورة| ميكروفون.. والإمساك بحلم اللحظة
هناك أفلام حاول صناعها ركوب الموجة الثورية الجديدة بعد خلع مبارك. لكن ميكروفون، وإن أُعيد مونتاجه بعد الثورة، يخرج عن مظلة الترقيع تلك.
أفلام وأفكار وثورة| بروس لي.. كن ماءً لكن بعناد
عملية الإنتاج بالغة التعقيد، وبالذات في حالة الفنون الجماهيرية واسعة الانتشار، المرهونة بعاملين أساسيين؛ خضوعها لرأس مال و خضوع الفنون والمنتجات الثقافية الجماهيرية لشباك التذاكر.
أفلام وأفكار وثورة| عربة الترحيلات المخففة والمجتمع الشرس في فيلم اشتباك
نرى صناع فيلم "اشتباك" وهم يحاولون تجنب اتخاذ موقف سياسي. يتركوننا في هذه المنطقة الوسطى، ليخرج كل منا بالتفسير الذي يرضيه، من دون أن يتورطوا في اتخاذ موقف درامي/سياسي واضح.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

